( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) . .
ولا ندري نحن كيف يتم هذا ، ولا طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات ، ولا مكانها ؛ ولكن النص يلقي ظلال القدرة القادرة التي تبدل الأرض وتبدل السماوات ؛ في مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتد فهو ضئيل عاجز حسير .
( وبرزوا لله الواحد القهار ) . .
وأحسوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر ، ولا يقيهم واق . ليسوا في دورهم وليسوا في قبورهم . إنما هم في العراء أمام الواحد القهار . . ولفظة( القهار )هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة . وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال .
{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات . . . } .
تصف الآيات كما ترى مشهدا من مشاهد القيامة ؛ حيث تبدل الأرض غير الأرض ، فيحشر الناس على أرض تغيرت صفاتها ، فسيرت جبالها ، وفجرت بحارها ، ولا يرى فيها عوجا ولا ارتفاعا ولا انخفاضا ، بل هي أرض منبسطة ممتدة ، مستوية معتدلة ؛ كأنما خلقت خلقا جديدا من أجل المحشر .
قال تعالى : { وإذا الأرض مدّت* وألقت ما فيها وتخلت* وأذنت لربها وحقّت } ( الانشقاق : 35 ) .
( واعلم أن التبديل قد يكون في الذات ، وقد يكون في الصفات ، والآية ليست نصا في أحد الوجهين ، والله أعلم كيف يتم هذا التبديل )35 .
والسماوات ستتبدل ، وتنشق السماء على غلظها ، وتتعلق الملائكة بأرجائها ، والشمس تفقد جانبا من توهجها ، وتصبح من النجوم القزمة ، وكذلك النجوم تنكدر ويذهب ضوؤها ، وتتغير السماوات والأفلاك والأبراج والنجوم ، بمخلوقات أخرى مناسبة للحياة الآخرة .
وفي آيات كثيرة وردت في القرآن تفيد : أن هذا الكون كانت له بداية ، حيث خلقه الله من عدم ، وبعد ملايين السنين صار صالحا للحياة ، وتكونت الشمس والأقمار والنجوم والمجرات ، ووجد هذا الكون البديع المتكامل ، الصالح للحياة ، بحيث تمطر السماء ، وتنبت الأرض ، ويسخر السحاب والفضاء ، والشمس والقمر ، والهواء والرياح والبحار والأنهار ، لإعمار الكون والحياة .
قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا* الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا }( الفرقان : 25 ) .
وفي سورة التكوير يقول سبحانه : { إذا الشمس كورت* وإذا النجوم انكدرت* وإذا الجبال سيرت } ( الآيات : 1 3 ) .
وفي سورة الانفطار يقول سبحانه : { إذا السماء انفطرت* وإذا الكواكب انتثرت* وإذا البحار فجّرت* وإذا القبور بعثرت* علمت نفس ما قدّمت وأخرّت } ( الانفطار : 15 ) .
أي : أن هذا الكون سيتغير ويتبدل بقدرة الله ، كما أنه أوجد بقدرة الله ، وصار صالحا للحياة بمشيئته وأمره ، فانشقت السماء بالمطر ، وانشقت الأرض بالنبات ، وتكاملت دورة إعمار الكون بالجبال ، والبحار ، والأنهار ، والليل ، والنهار ، قال تعالى : { أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما36 وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون* وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون* وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتنا معرضون* وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون }( الأنبياء : 30 33 ) .
{ وبرزوا لله الواحد القهار } .
أي : خرجت الناس جميعا من قبورها ، وبرزت وظهرت بأعمالها ؛ للوقوف بين يدي الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، مالك يوم الدين ، الذي قهر كل شيء وغلبه ، ودانت له الرقاب ، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ، ولا مستجار سواه .
قوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) ( يوم ) ، منصوب على الظرف بالمصدر قبله وهو قوله : ( ذو انتقام ) أو منصوب على البدل من قوله : ( يوم يأتيهم العذاب ) {[2423]} وقيل : منصوب بفعل مقدر . أي واذكر يوم تبدل الأرض .
والمراد بالتبديل الذي يأتي على الأرض والسماوات يحتمل وجهين :
الوجه الأول : أن يكون ذلك في الذات ؛ أي تبدل الأرض التي عليها الناس في هذه الدنيا ، فتصير أرضا بيضاء نقية كالفضة ، وكذلك السماوات الحالية المعروفة تبدل سموات أخرى مختلفة اختلافا ذاتيا .
الوجه الثاني : المراد بالتبديل ما كان في الصفة وليس في الذات . قال ابن عباس في هذا المعنى : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى ، فلا يُرى فيه عوج ولا أمت{[2424]} .
قوله : ( والسماوات ) أي تبدل السموات غير السموات . وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يقتل مؤمن كافر ولا ذو عهد في عهده " والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر . أما تبديل السماوات ، فهو بانفطارها وانتثار كواكبها وانكدار نجومها وتكوير شمسها وخسوف قمرها وتسجير بحارها . فلا جرم أن ذلك انقلاب كوني هائل مزلزل ، انقلاب يأتي على الكون كله وما حواه من خلائق وأشياء سواء في ذلك الأحياء على اختلاف أنواعها وأجناسها ، أو الكواكب والنجوم ومختلف الأجرام السابحة في أجواز الفضاء الرحيب ، أو ما حوته الأرض من بحار وأنهار ومعادن وبشر . كل أولئك سيأتي عليهم التبديل الكوني المذهل الذي تتغير فيه الصورة والصفات للأشياء جميعا ليصير الوجود إلى عوالم أخرى مختلفة وقد تبدل فيها الحال غير الحال ؛ بل تبدل فيها كل شيء تبديلا .
تلك هي القيامة بفظائعها وقواصمها ودواهيها الجسام . وحينئذ يؤتى بالبشرية جميعها لتناقش الحساب . وهو قوله : ( وبرزوا لله الواحد القهار ) أي في ذلك الزمان العصيب من أهوال القيامة حيث القوارع والشدائد والبلايا يظهر بنو آدم فردا فردا بين يدي الله ( الواحد القهار ) أي الغلاب الذي لا يغالب ، القهار الذي لا يقهر ؛ بل إنه هو الذي يقهر الخلق بما شاء وكيف شاء .
وإنهم يظهرون جميعا أمام الله مكشوفين صاغرين عرايا وقد غشيهم من اليأس والرعب ما تخوى منه القلوب ، وتنهار به الأبدان والأعصاب{[2425]} ، يظهرون جميعا ليناقشوا الحساب فلا استتار حينئذ ولا مناص ولا غياب ، إلا الوقوف بين يدي القاهر الدّيّان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.