في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} (65)

58

وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم . إذ يقسم الله - سبحانه - بذاته العلية ، أنه لا يؤمن مؤمن ، حتى يحكم رسول الله [ ص ] في أمره كله . ثم يمضي راضيا بحكمه ، مسلما بقضائه . ليس في صدره حرج منه ، ولا في نفسه تلجلج في قبوله :

( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم . ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ، ويسلموا تسليمًا ) . .

ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام . يقرره الله سبحانه بنفسه . ويقسم عليه بذاته . فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام ، ولا تأويل لمؤول .

اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام . . وهي أن هذا القول مرهون بزمان ، وموقوف على طائفة من الناس ! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ؛ ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا . فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام ؛ جاءت في صورة قسم مؤكد ؛ مطلقة من كل قيد . . وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله [ ص ] هو تحكيم شخصه . إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه . وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته [ ص ] وذلك قول أشد المرتدين ارتدادا على عهد أبى بكر - رضي الله عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين . بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير . وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله ، في حكم الزكاة ؛ وعدم قبول حكم رسول الله فيها ، بعد الوفاة !

وإذا كان يكفي لإثبات " الإسلام " أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله . . فانه لا يكفي في " الإيمان " هذا ، ما لم يصحبه الرضى النفسي ، والقبول القلبي ، وإسلام القلب والجنان ، في اطمئنان !

هذا هو الإسلام . . وهذا هو الإيمان . . فلتنظر نفس أين هي من الإسلام ؛ وأين هي من الإيمان ! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} (65)

المفردات :

فلا وربك : اللام لتأكيد القسم .

شجر بينهم : اختلط عليهم من الأمور .

حرجا : ضيقا .

65- فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ . . . الآية

روى البخاري بمسنده ، قال : خاصم الزبير رجلا في شرج {[12]} من الحرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ''اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك'' فقال الأنصاري : يا رسول الله ، لأن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : '' اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك {[13]} .

فاستوفى النبي صلى الله عليه وسلم ، للزبير حقه كاملا في الحكم ، حين أحفظه الأنصاري ، وكان أشار عليهما صلى الله عليه وسلم بأمر لهما فيه سعة . . . قال الزبير : فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك .

فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ . . . الآية

لقد أقسم الله- سبحانه- بذاته وهو الذي تولى تربيتك أيها الرسول ، وأنعم عليك بنعمة النبوة ، وأدبك بأدب القرآن ، أقسم : أن هؤلاء الذين أعرضوا عن التحاكم اليك فيما اختلط عليهم ، لا يدخلون في عداد المؤمنين الصادقين ؛ حتى تتحقق فيهم صفات ثلاث :

أولاها : أن يهرعوا إليك- أيها الرسول- لتحكم بينهم فيما اختلط عليهم .

ثانيها : أن ترضى نفوسهم- وتستمر راضية دون حرج أو ضيق- بحكمك وقضائك .

ثالثها : أن يسلموا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كاملا ، ويذعنوا له إذعانا صادقا ، ويقوموا على تنفيذه بنفوس راضية .


[12]:الشرج: مسيل الماء.
[13]:اسق يا زبير: رواه البخاري في المساقاة أيضا (2362،2361) وفي الصلح (2708) وفي التفسير (4585) من حديث عروة قال خاصم الزبير رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا زبيراسق ثم أرسل فقال الأنصاري: إنه ابن عمتك، فقال عليه السلام: اسق يا زبير ثم يبلغ الماء الجدر ثم أمسك فقال الزبير: فأحسب هذه الآية نزلت في ذلك {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}. رواه البخاري في المساقاة (2360) ومسلم في الفضائل (2375) وأبو داود في الأقضية (3637) والترمذي في الأحكام (1363) وفي التفسير (3027) والنسائي في آداب القضاة (5404) وابن ماجه في المقدمة(15) وفي الأحكام (2480) وأحمد في مسنده (15684) عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل... الحديث. ورواه أحمد في مسنده(1422) من حديث الزبير ابن العوام.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} (65)

قوله تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ، تتضافر الأقوال والدلائل على أن سبب نزول هذه الآية العظيمة هو تخاصم الزبير مع رجل من الأنصار في سقاية ، فقد أخرج البخاري بإسناده عن عروة قال : خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة فقال النبي ( ص ) : " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فقال الأنصاري : آن كان ابن عمتك ؟ فتلّون وجه رسول الله ( ص ) ثم قال : " اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك " وبذلك فإن النبي ( ص ) قد استوفى للزبير حقه بعد أن أحفظه ( أغضبه ) الأنصاري مع أنه عليه السلام كان قد قضى بينهما بما فيه سعة لهما وتصالح بينهما على أن يسقى الزبير أولا وذلك لقربه من الماء{[782]} .

قوله : ( فلا وربك لا يؤمنون ) تقديره : فلا يؤمنون وربك لا يؤمنون . فأخبر أولا وكرره بالقسم ثانيا فاستغنى بذكر الفعل في الثاني عن ذكره في الأول أو أن قوله : ( فلا ) رد على ما تقدم ذكره . والتقدير . فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك . ثم استأنف القسم بقوله : ( وربك لا يؤمنون ) .

وقال صاحب الكشاف : ( فلا وربك ) معناه : فوربك . كقوله تعالى ( فوربك لنسألنهم ) ولا هنا زائدة لتأكيد معنى القسم . وقوله : ( لا يؤمنون ) جواب القسم{[783]} . وهذا الكلام الرباني يتضمن نفيا حاسما لما يتصوره الخاطئون والمنافقون من إيمان وهم يتحاكمون للطاغوت كيفما كان ضربه أو لونه . فليس من احتكام لغير الله وما ذلك إلا صورة مكشوفة من صور الشرك التي لا يتشبث بها إلا اللاهثون وراء الطواغيت . ثم يحلف الله بذاته الكريمة العظيمة ليقطع في تأكيد عام تنتفي معه حقيقة الإيمان عن أحد من الناس إلا إذا تحاكم إلى الله في كتابه وإلى النبي عليه السلام في سنته وذلك ( فيما شجر بينهم ) أي ما وقع بينهم من خصام وتنازع . وشجر بمعنى اختلف ومنه الشجر لاختلاف أغصانه وتداخل بعضها في بعض .

قوله : ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا . . . ) فإذا قضيت بينهم بشرع الله فليس لهم بعد ذلك أن يستشعروا في دخائل أنفسهم شيئا من ضيق أو سخط بل إن عليهم أن يأخذوا بحكمك وقضائك عن رضى وقناعة وطواعية دون أن يثير ذلك في نفوسهم شيئا من تبرّم أو امتعاض . وإنما عليهم أن ينقادوا لأمرك وقضائك انقيادا فيه الخضوع والاستسلام لأمر الله ، وكلمته التي تسبق كل كلام والله يقول في ذلك : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) .

وبذلك يمكن الوقوف على اعتبارات ثلاثة حين اشتراط تحقق الإيمان وتمامه في النفوس وهي على النحو التالي مستمدة من الآية المبينة :

الأول : أن الاحتكام لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون لأحد غير رسول الله ( ص ) وهو الذي لا ينطق عن الهوى ثم هو الذي نيط به أن يبلغ الناس دعوة الله وقد خوله الله أن يبين للناس ما نزل إليهم .

الثاني : أن لا يجد الناس في أنفسهم غضاضة أو تبرما أو ضيقا لدى الاحتكام لكتاب الله وسنة نبيه الكريم . بل عليهم أن يأخذوا بذلك عن نفس راضية مطمئنة ، ورغبة حقيقية لحّاحة .

الثالث : أن يسلّموا لأمر الله تسليما فيه الانقياد الكامل وذلك بغير وناء أو تردد أو تلجلج أو استنكاف .

وعلى ذلك فإن من الأهمية بمكان أن نديم التنويه باستمرار عن خطورة الانثناء عن تطبيق شريعة الله والجنوح نحو الشرائع والعقائد التي اصطنعتها أدمغة البشر فإن ذلك ليس إلا تعديا صارخا على خصائص الألوهية ، تلك الخصائص التي تتجلى في جملة حقائق يأتي في مقدمتها التشريع وهو شأن منوط بالألوهية وليس لأحد من البشر أن ينتحله أو يصطنعه بإطلاق . فإنه ليس في مثل هذا الانتحال أو الاصطناع إلا الخروج عن دائرة الإسلام في عقيدته وشرعه . إنه ليس في ذلك إلا التمرد المتوقح على الله والتطاول عليه سبحانه بانتزاع خصيصة أساسية كبرى من خصائص الألوهية وهي التشريع ، ذلك أن الله وحده هو الخالق الموجد وأنه القادر المبدع وأنه المشرّع الديّان فلا شريك له في مثل هاتيك الخصائص العظيمة سواء في ذلك الخلق أو القدرة أو التشريع .


[782]:أسباب النزول للنيسابوري ص 109.
[783]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 258 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 266 والكشاف جـ 1 ص 538.