في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} (179)

172

ويؤيد ما ذهبنا إليه في فهم الآية السابقة وأخواتها نص الآية التالية :

ولقد ذرانا لجهنم كثيراً من الجن والإنس . لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها . . أولئك كالأنعام ، بل هم أضل . . أولئك هم الغافلون . .

إن هؤلاء الكثيرين من الجن والإنس مخلوقون لجهنم ! وهم مهيأون لها ! فما بالهم كذلك ؟

هنالك اعتباران :

الاعتبار الأول : أنه مكشوف لعلم الله الأزلي أن هؤلاء الخلق صائرون إلى جهنم . . وهذا لا يحتاج إلى بروز العمل الذي يستحقون به جهنم إلى عالم الواقع الفعلي لهم . فعلم الله سبحانه شامل محيط غير متوقف على زمان ولا على حركة ينشأ بعدها الفعل في عالم العباد الحادث .

والاعتبار الثاني : أن هذا العلم الأزلي - الذي لا يتعلق بزمان ولا حركة في عالم العباد الحادث - ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم . إنما هم كما تنص الآية :

( لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ) . .

فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا - ودلائل الإيمان والهدى حاضرة في الوجود وفي الرسالات تدركها القلوب المفتوحة والبصائر المكشوفة - وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية . ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة . لقد عطلوا هذه الأجهزة التي وهبوها ولم يستخدموها . . لقد عاشوا غافلين لا يتدبرون :

( أولئك كالأنعام ، بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون ) . .

والذين يغفلون عما حولهم من آيات الله في الكون وفي الحياة ؛ والذين يغفلون عما يمر بهم من الأحداث والغير فلا يرون فيها يد الله . . أولئك كالأنعام بل هم أضل . . فللأنعام استعدادات فطرية تهديها . أما الجن والإنس فقد زودوا بالقلب الواعي والعين المبصرة والأذن الملتقطة . فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا . إذا مروا بالحياة غافلين لا تلتقط قلوبهم معانيها وغاياتها ؛ ولا تلتقط أعينهم مشاهدها ودلالاتها ؛ ولا تلتقط آذانهم إيقاعاتها وإيحاءاتها . . فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية الهادية . . ثم هم يكونون من ذرء جهنم ! يجري بهم قدر الله إليها وفق مشيئته حين فطرهم باستعداداتهم تلك ، وجعل قانون جزائهم هذا . فكانوا - كما هم في علم الله القديم - حصب جهنم منذ كانوا !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} (179)

المفردات :

ذرأنا : خلقنا .

لا يفقهون : لا يفهمون ولا يدركون .

الغافلون : التاركون لما ينفعهم الساهون عنه .

{ 179 - ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها . . . } الآية .

خلق الله الإنسان بقدرته ، وأودع فيه وسائل الهدى وعوامل التبصر ، وأكرمه بالإرادة والاختيار .

قال تعالى : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } .

أي : بينا له الطريق وأوضحنا له الصراط المستقيم ، فمن الناس من اختار الضلالة ، وغلب عليه الهوى ، قال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } . ( الأنعام : 153 ) .

وآيات القرآن في هذا الموضوع كثيرة جدا ، منها المحكم ومنها المتشابه ، والمؤمن مطالب بالإيمان بالمحكم ، والتفويض إلى الله في المتشابه .

ومما أحكمه القرآن وبينه ، عدالة الله الحكيم العليم ، فهو سبحانه قد بين للناس طريق الخير وطريق الشر ، ووضح أسباب الهدى والضلالة ، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ، وأودع في الإنسان العقل والإدراك والضمير ، ومن الناس من يستخدم بصره وبصيرته في التأمل والهدى فيعينه الله ويوفقه ، ومن الناس من يؤثر العاجلة على الآجلة ، ويمهل ضميره ، ويغلق بصره وبصيرته ، ويغرق في الشهوات ، ويصم أذنه عن دواعي الهدى ، وهذا هو الذي يسلب الله عنه هداه وتوفيقه ، فتراه أصم لا يسمع بسمع قلبه وضميره ، أعمى لا يبصر ببصر قلبه وهداية ضميره .

هذا المعنى تكرر كثيرا في القرآن الكريم مثل قوله تعالى : { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } . ( يونس : 7 - 9 ) .

وقد نقل السيد رشيد رضا في تفسير المنار كلاما نفيسا عن تفسير روح المعاني ، ثم قال السيد رشيد رضا ما يأتي :

والاحتجاج بالآية على الجبر غفلة وجهل ، بل هي كسائر الدالة على نوط الجزاء بالعمل .

ومعناها : أن هؤلاء المكلفين من الجن والإنس ، قد تركوا استعمال عقولهم ومشاعرهم الباطنة والظاهرة في علم الهدى ، الذي يترتب عليه الأعمال المزكية للنفس ، فكانوا بذلك أهل جهنم ، وليس فيها أنه تعالى ذرأهم لجهنم لذواتهم ، فإن ذوات الجنسين كلها متشابهة ، ولم يقل : إنه خلقهم عاجزين عن استعمال تلك القوى في أسباب الهدى ، بل قال : إنهم لم يستعملوها في ذلك .

قال تعالى : { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } . ( الملك : 9 ، 10 ) .

{ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها } .

أي : والله لقد خلقنا خلقا كثيرا من الجن والإنس ، مستعدين لعمل يستحق صاحبه دخول جهنم .

وأسباب استحقاقهم دخول جهنم ، هي أنهم لا يستعملون عقولهم استعمالا صحيحا للوصول إلى حقيقة الإيمان ، وإدراك لذة السعادة الدنيوية والأخروية ، وأن الخير فيما أمر الله به ، وأن الشر فيما نهى الله عنه .

قال ابن الجوزى في زاد المسير في علم التفسير :

لهم قلوب لا يفقهون بها . لما أعرض القوم عن الحق والتفكر فيه ، كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يبصر ولم يسمع .

وقال محمد بن القاسم النحوي : أراد بهذا أمر الآخرة ، فإنهم يعقلون أمر الدنيا . اه .

كما قال تعالى : { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون } . ( الروم : 7 ) فهم بمنزلة من لا يفقه ؛ لأنهم لا ينتفعون بقلوبهم الواعية ، ولا يعقلون ثوابا ولا يخافون عقابا .

{ ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها } .

إنهم لم يستخدموا عقولهم في فهم الحجج والآيات التي أنزلها الله إليهم ، وهم أيضا لا ينظرون بأعينهم نظر تبصر واعتبار وإمعان ، في آيات الله الكونية ، وآياته القرآنية التي ترشدهم إلى ما فيه سعادتهم ، ولا يسمعون بآذانهم سماع تدبر وإصغاء : آيات الله المنزلة على أنبيائه ، ولا يسمعون أخبار التاريخ والأمم الغابرة ، وكيف كان مصيرهم بسبب إعراضهم عن هداية الله وإرشاد الرسل .

وليس الغرض من نفي السمع والبصر ، نفي الإدراكات عن حواسهم ، وإنما المقصود : بيان حجبها عن أبصار الهدى وسماع المواعظ . وقد يكون الإنسان سليم البصر ، لكنه أعمى البصيرة .

قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } . ( الجاثية : 23 ) .

وقديما قال الشاعر العربي :

وإذا كان القلب أعمى *** عن الرشد فماذا تفيده العينان

{ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } .

أي : أولئك الموصوفون بما ذكر من تعطيل عقولهم ، وحواسهم كالأنعام( البقر والإبل والغنم ) ، لا همّ لهم إلا الأكل والشرب والتمتع بملذات الحياة الدنيا ، بل هم أضل سبيلا منها : لأن الأنعام تحرص على ما ينفعها ، وتنفر مما يضرها ، ولا تسرف في أكلها وشربها ، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ، وهم مسرفون في جميع اللذات ، ولا يهتدون إلى ثواب .

ولا قدرة للحيوانات على تفصيل الفضائل ، وأما الإنسان فأعطى القدرة على تحصيلها ، أولئك هم كاملو الغفلة عن آيات الله ، وعن استعمال مشاعرهم وعقولهم ، فيما خلقت من أجله ، وهو الاستفادة من المسموعات والانتفاع من المبصرات ولقد غفلوا عن التدبر ، وأعرضوا عن الآخرة .

أما العقلاء الفطنون منهم ، الذين عملوا للدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } . ( القصص : 77 ) .

قال النسفي : كيف يستوي المكلف المأمور والمخلى المعذور ، فالآدمي روحاني شهواني ، سماوي أرضي ، فإن غلب روحه هواه ؛ فاق ملائكة السماء ، وإن غلب هواه روحه ، فاقته بهائم الأرض .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} (179)

قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أوليك هم الغافلون } خلق الله لجهنم من يملؤها من الجن والإنس . أولئك الذين جنحوا للضلال والباطل ليكونوا في مقابل الهدى والحق . والذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة فمالوا للشهوات والمفاسد والمعاصي فاستحقوا بذلك من الله العقاب في النار . أولئك هم حصب جهنم سيصلون فيها السعير والتحريق بما فعلوه في حياتهم الدنيا ؛ إذ ضلوا قصد المحجة البيضاء . وسلكوا سبيل المجرمين المكذبين الذين ما كانوا ليجدي معهم النصح والإرشاد لفساد فطرتهم ، وتيه عقولهم ، وللران الذي غشي قلوبهم فاستحوذ عليها أيما استحواذ . وهو قوله سبحانه واصفا إياهم { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذن لا يسمعون بها } يفقهون ، من الفقه وهو الفهم أو العلم بالشيء{[1584]} . الله جل وجلاله يبين أن هؤلاء الضالين الجاحدين قد تعطلت حواسهم فما عادوا لينتفعوا بها ؛ لأنهم قد استحوذ عليهم الشيطان وطغت عليهم شقوتهم وضلالتهم ؛ فهم بذلك قلوبهم غلف لا يدركون بها الحق والهدى ولا يعون بها آيات الله ودلائله الساطعة والحجج الظاهرة الدامغة التي تكشف عن روعة الحق وزيف الباطل . وهم كذلك صم لا ينتفعون بآذانهم ؛ إذ لا يسمعون بها نداءات المرسلين والداعين إلى الله . النداءات التي تهتف بهم في كل آن أن يثوبوا إلى ربهم فيؤمنوا إليه مخبتين مذعنين . لكنهم ما عادوا لينتفعوا بشيء من هذه الحواس التي كان قيمنا بهم أن يستدلوا من خلالها على الحق والهدى فهم بذلك { كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } إن هؤلاء المجرمين الذين هم حصب جهنم ، والذين تعطلت فيهم حواس الأفئدة وأبصار والأسماع إنما يشبهون الأنعام في أنها لا تعي رشدا ، ولا تبصر هداية أو حجة ، ولا تسمع نصحا أو نداء . وإنما طبعها أن لا تعي ولا تدرك ، وليس لها من الحياة إلا أن تعيش لتأكل وتشرب وتمارس غرائزها . وهكذا المجرمون المجانبون لمنهج الله المعادون لدينه وشرعه ، بل إنهم أشد إضلالا من الأنعام ؛ لأنهم مسؤولون موقوفون عند ربهم ليؤاخذهم عن ضلالهم وفسقهم وعما كانوا فيه من الغفلة والتفريط ، خلافا للأنعام فغنها غير مؤاخذة ولا مسؤولة ؛ إذ سقط عنها السؤال والحساب ؛ لتجردها من حاسة الوعي والإدراك{[1585]} .


[1584]:القاموس المحيط جـ 4 ص 291.
[1585]:الكشاف جـ 2 ص 131 وتفسير الرازي جـ 15 ص 62- 68.