فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة والتربية والأخلاق ، بينها وبين نفسها ، فهي هنا وشيكة أن تواجه المجتمع بالفضيحة . ثم هي تواجه الآلام الجسدية بجانب الآلام النفسية . تواجه المخاض الذي( أجاءها )إجاءة إلى جذع النخلة ، واضطرها اضطرارا إلى الاستناد عليها . وهي وحيدة فريدة ، تعاني حيرة العذراء في أول مخاض ، ولا علم لها بشيء ، ولا معين لها في شيء . . فإذا هي قالت : ( يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا )فإننا لنكاد نرى ملامحها ، ونحس اضطراب خواطرها ، ونلمس مواقع الألم فيها . وهي تتمنى لو كانت( نسيا ) : تلك الخرقة التي تتخذ لدم الحيض ، ثم تلقى بعد ذلك وتنسى !
المخاض : الطلق حين تحرك الولد للخروج من البطن .
نسيا منسيا : كشيء ترك فلم يطلب ، أو لم أكن في الأشياء .
23- { فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيّا } .
أي : وبعد أن حملت مريم بعيسى ، وابتعدت به وهو محمول في بطنها عن قومها ، وحان وقت ولادتها ، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة يابسة ؛ لتتكأ عليه عند الولادة ، فاعتراها الهم والحزن ، وتهيبت مقابلة الناس ، فهم كانوا يرونها عابدة زاهدة ؛ والآن يظنون أنها زانية عاهرة ؛ فقالت يا ليتني مت قبل هذا الحمل والمخاض الذي حل بي ، { وكنت نسيا منسيا } . شيئا متروكا لا يهتم به أحد ؛ نسيا بفتح النون وكسرها لغتان في الشيء الحقير المهمل ، مثل : الوَتر ، والوتر بفتح الواو وكسرها .
وقد أدب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالأدب الإلهي ومن ذلك ألا يتمنى المسلم الموت ؛ لضيق مادي أو مرض ؛ وروى مسلم في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يتمنين أحدهم الموت لضر نزل به . فإن كان لا بد متمنيا فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي )v .
وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله : { فأجاءها } أي فأتى بها وألجأها { المخاض } وهو تحرك الولد في بطنها للولادة { إلى جذع النخلة } وهو ما برز منها{[48014]} من الأرض ولم يبلغ الأغصان ، وكان تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها ، فكانت كالعلم لما فيها من العجب{[48015]} ، لأن النخل من أقل الأشجار صبراً{[48016]} على البرد ، ولعلها{[48017]} ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار{[48018]} على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها ، لأنها لا تحمل إلا بإلقاح من ذكور النخل ، فحملها بمجرد هزها أنسب شيء لإتيانها بولد من غير والد ، فكيف إذا كان ذلك في غير وقته ! فكيف إذا كانت يابسة ! مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها{[48019]} ، وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها{[48020]} وغير ذلك .
ولما كان ذلك أمراً صعباً عليها جداً ، كان كأنه قيل : يا ليت شعري ! ما كان حالها ؟ فقيل : { قالت } لما حصل عندها من خوف العار : { ياليتني مت } و{[48021]}لما كانت كذلك{[48022]} أشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار{[48023]} : { قبل هذا } أي{[48024]} الأمر العظيم{[48025]} { وكنت نسياً } أي شيئاً من شأنه أن{[48026]} ينسى { منسياً * } {[48027]}أي متروكاً{[48028]} بالفعل لا يخطر على بال ، فولدته
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.