الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا} (23)

قوله : { فَأَجَآءَهَا } : الأصلُ في " جاء " أَنْ يتعدَّى لواحدٍ بنفسه ، فإذا دَخَلَتْ عليه الهمزةُ كان القياسُ يقتضي تَعَدِّيَه لاثنين . قال الزمخشري : " إلا أنَّ استعمالَه قد تغيَّر بعد النقلِ إلى معنى الإِلْجاء ، ألا تراكَ لا تقول : جِئْتُ المكانَ وأَجَاْءَنْيهِ زيدٌ ، كما تقول : بَلَغْتُه وأَبْلَغَنِيْه ، ونظيرُه " آتى " حيث لم يُستعمل إلا في الإِعطاء ولم تَقُلْ : أتيت المكانَ وآتانِيه فلان " . وقال أبو البقاء : الأصلُ " جاءها " ثم عُدِّيَ بالهمزة إلى مفعولٍ ثانٍ ، واسْتُعمل بمعنى أَلْجَأَها " .

قال الشيخ : " قوله وقولُ [ غيرِه ] : إنَّ " أجاءها " بمعنى أَلْجَأَها يحتاج إلى نَقْلِ أئمةِ اللغة المستقرئين لذلك مِنْ لسانِ العرب . والإِجاءةُ تدلُّ على المُطلق ، فَتَصْلُح لِما هو بمعنى الإِلجاءِ ولِما هو بمعنى الاختيار ، كما تقول : " أَقَمْتُ زيداً " فإنه يَصْلُحُ أَنْ تكونَ إقامتُك له قَسْراً أو اختياراً . وأمَّا قوله : " ألا ترك لا تقول " إلى آخره فَمَنْ رَأَى أنَّ التعديةَ بالهمزة قياسٌ أجاز ذلك وإنْ لم يُسْمَعْ ، ومَنْ منع فقد سُمِع ذلك في " جاء " فيُجيز ذلك . وأمَّا تنظيرُه ذلك ب " آتى " فليس تنظيراً صحيحاً ؛ لأنَّه بناه على أنَّ همزتَه للتعديةِ ، وأنَّ أصلَه " أتى " ، بل " آتى " ممَّا بُني على أَفْعَل ، ولو كان منقولاً مِنْ " آتى " المتعدِّي لواحد لكان ذلك الواحدُ هو المفعولَ الثاني ، والفاعلُ هو الأولُ ، إذا عَدَّيْتَه بالهمزةِ تقولُ : " أتى المالُ زيداً " و " آتى عمروٌ زيداً المالَ " فيختلف التركيب بالتعدية لأنَّ " زيداً " عند النحويين هو المفعولُ الأول ، و " المالُ " هو المفعولُ الثاني ، وعلى ما ذكره الزمخشري كان يكون العكس ، فَدَلَّ على أنَّه ليس على ما قاله ، وأيضاً فآتى مُرادِفٌ لأَعْطَى ، فهو مخالِفٌ من حيث الدَّلالةُ في المعنى . وقوله : " ولم تَقُلْ : أتيت المكانَ وآتانِيْه " هذا غيرُ مُسَلَّمٍ بل تقول : " أتيتُ المكانَ " كما تقول : " جئت المكان " . وقال الشاعر :

أَتَوْا ناري فقلتُ مَنُوَّنَ أنتُمْ *** فقالوا : الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلاما

ومَنْ رأى التعديةَ بالهمزةِ قياساً ، قال : " آتانيه " ، وهذه الأبحاثُ التي ذكرها الشيخُ معه ظاهرُة الأجوبة ، فلا نُطَوِّلُ بذِكْرِها .

وقرأ الجمهورُ " فَأَجَاْءَها " ، أي : أَلْجأها وساقَها ، ومنه قولُه :

وجارٍ سارَ مُعْتَمِداً إليكم *** أَجَاْءَتْهُ المَخافةُ والرَّجاءُ

وقرأ حَمَّاد بن سَلَمة " فاجَأَها " بألفٍ بعد الفاء وهمزةٍ بعد الجيم ، من المفاجأة ، بزنة قابَلَها . ويقرأ بألفين صريحتين كأنهم خفَّفوا الهمزةَ بعد الجيمِ ، وكذلك رُوِيَت بينَ بينَ .

والجمهور على فتحِ الميم من " المَخاض " وهو وَجَعُ الوِلادةِ .

ورُوي عن ابن كثير بكسرِ الميمِ ، فقيل : هما بمعنى . وقيل : المفتوح اسمُ مصدرٍ كالعَطاء والسَّلام ، والمكسورُ مصدرٌ كالقتال واللِّقاء ، والفِعال قد جاء مِنْ واحد كالعِقاب والطَّراق . قاله أبو البقاء . والميمُ أصليةٌ لأنه مِنْ تَمَخَّضَتِ الحامِلُ تتمخَّضُ .

و { إِلَى جِذْعِ } يتعلقُ في قراءة العامَّة ب " أَجاءها " ، أي : ساقَها إليه .

وفي قراءةِ حَمَّاد بمحذوفٍ لأنه حالٌ من المفعولِ ، أي : فاجَأَها مستندةً إلى جِذْعِ النخلةِ .

قوله : " نَسْيَاً " الجمهورُ على كسرِ النون وسكون السين وبصريح الياء بعدها . وقرأ حمزةُ وحفص وجماعة بفتح النون ، فالمكسورُ فِعْلُ بمعنى مَفْعول كالذَّبْح والطَّحْن ، ومعناه الشيءُ الحقيرُ الذي مِنْ شأنه أن يُنْسَى كالوَتِدِ والحَبْلِ وخِرْقةِ الطَّمْثِ ونحوِها .

قال ابن الأنباري : " مَنْ كسر فهو اسمٌ لما يُنْسَى كالنَّقْصُ اسمٌ لما يَنْقص ، والمفتوحُ مصدرٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الوصفِ " . وقال الفراء : " هما لغتان كالوَتْر والوِتْر ، الكسرُ أحَبُّ إليَّ " .

وقرأ محمدُ بن كعب القَرَظيُّ " نِسْئاً " بكسر النون ، والهمزةُ بدلُ الياء . ورُوي عنه أيضاً وعن بكر بن حبيب السَّهْمي فتحٌ مع الهمز . قالوا : وهو مِنْ نَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا صَبَبْتَ فيه ماءً فاستُهْلِك فيه ، فالمكسورُ أيضاً كذلك الشيءُ المُسْتَهْلَكُ ، والمفتوحُ مصدر كما كان ذلك من النِّسْيان

ونَقَل ابن عطية عن بكر بن حبيب " نَسَا " بفتح النون والسين والقصرِ كعَصَا ، كأنه جَعَل فَعَلاً بمعنى مَفْعول كالقَبَض بمعنى المَقْبُوض .

و " مَنْسِيَّاً " نعتٌ على البمالغةِ ، وأصلُه مَنْسُوْي فَأُدْغم . وقرأ أبو جعفر والأعمش " مِنْسِيَّاً " بكسر الميم للإِتباع لكسرةِ السين ، ولم يَعْتَدُّوا بالساكن لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ كقولهم : " مِنْتِن " و " مِنْخِر " .