ولعلنا نلمح أن الحيز الذي استغرقه رسم هذه الصورة الثالثة قد جاء أفسح من الحيز الذي استغرقه رسم الصورة الأولى والصورة الثانية . .
ذلك أن كلا من الصورتين الأوليين فيه استقامة على نحو من الأنحاء وفيه بساطة على معنى من المعاني . . الصورة الأولى صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها ، والصورة الثانية صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها . أما الصورة الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة المقلقلة . وهي في حاجة إلى مزيد من اللمسات ، ومزيد من الخطوط كيما تتحدد وتعرف بسماتها الكثيرة . .
على أن هذه الإطالة توحي كذلك بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة لإيذاء الجماعة المسلمة ، ومدى التعب والقلق والاضطراب الذي كانوا يحدثونه ؛ كما توحي بضخامة الدور الذي يمكن أن يقوم به المنافقون في كل وقت داخل الصف المسلم ، ومدى الحاجة للكشف عن ألاعيبهم ودسهم اللئيم .
وزيادة في الإيضاح ، يمضي السياق يضرب الأمثال لهذه الطائفة ويكشف عن طبيعتها ، وتقلباتها وتأرجحها ليزيد هذه الطبيعة جلاء وإيضاحا :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ( 18 )
إنهم لم يعرضوا عن الهدى ابتداء ، ولم يصموا آذانهم عن السماع ، وعيونهم عن الرؤية وقلوبهم عن الإدراك ، كما صنع الذين كفروا . ولكنهم استحبوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه . . لقد استوقدوا النار ، فلما أضاء لهم نورها لم ينتفعوا بها وهم طالبوها . عندئذ ( ذهب الله بنورهم ) الذي طلبوه ثم تركوه : ( وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) جزاء إعراضهم عن النور !
{ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون( 17 ) صم بكم عمي فهم لا يرجعون( 18 ) }
مثلهم : أي صفتهم وقصتهم العجيبة في الإيمان ثم الإحجام .
استوقد : بمعنى أوقد ، أو سعى حتى أوقد .
أضاءت : ضاءت النار وأضاءت ما حوله ، أي أظهرته بضوئها .
سلك القرآن إلى النفوس كل مسلك لتأكيد دعوته ، ومن مسالك القرآن إلى الهداية ضرب الأمثال للناس وإبراز المعقول في صور المحسوس ، وعرض الغائب في معرض الحاضر ، وهي ألوان من ضروب القرآن وإعجازه ، ودعوته الهادفة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .
وقد تنوعت أمثلة القرآن ومنها الأمثلة المصرحة ( 42 ) وهي ما صرح فيها بلفظ المثل أو ما يدل على التشبيه وهي كثيرة في القرآن منها ما يأتي :
قوله تعالى في حق المنافقين : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } .
{ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق… }إلى قوله تعالى : { إن الله على كل شيء قدير } . ( البقرة17-20 ) .
ففي هذه الآيات ضرب الله للمنافقين مثلين : مثلا ناريا في قوله : كمثل الذي استوقد نارا . لما في النار من مادة النور ، ومثلا مائيا في قوله : أوكصيب من السماء . ( 43 ) ، لما في الماء من مادة الحياة .
وقد نزل الوحي من السماء متضمنا لاستنارة القلوب وحياتها ، وذكر الله حظ المنافقين في الحالين ، فهم منزل من استوقد نارا للإضاءة والنفع ، حيث انتفعوا ماديا بالدخول في الإسلام ولكن لم يكن له أثر نوري في قلوبهم ، فذهب الله بما في النار من إضاءة : ذهب الله بنورهم . وأبقى ما فيها من الإحراق ، وهذا مثلهم الناري .
وقد ذكر مثلهم المائي ، فشبههم بحال من أصابه مطر ، فيه ظلمة ورعد وبرق ، فخاوت قواه ووضع أصبعيه في أذنيه وغمض عينيه خوفا من صاعقة تصيبه ، لأن القرآن بزواجره وأوامره ونواهيه وخطابه نزل عليهم نزول الصواعق( 44 ) .
هذه الآيات استمرار في وصف المنافقين عن طريق ضرب مثل يجسم المعنى ، ويبرز أمر المنافق الذي ظهر له نور الإسلام فاهتدى إليه ثم تركه ، وظل حائرا مترددا .
لقد اشتروا الضلالة بالهدى ، فلم تربح تجارتهم ولم يهتدوا ، وان مثلهم كمثل الذي أوقد نارا في الظلمة ، فلم تكد تضيء ما حوله حتى استحب العمى على الهدى بعدما استوضح الأمر وتبينه عندئذ : ذهب الله بنورهم ، الذي عرفوه ثم تركوه .
فلما علم ذلك كله وكانت الأمثال ألصق بالبال وأكشف للأحوال مثل حالهم في هداهم الذي باعوه بالضلالة بالأمور المحسوسة ، لأن للتمثيل بها شأناًعظيماً في إيصال المعاني حتى إلى الأذهان الجامدة وتقريرها فيها بقوله تعالى { مثلهم{[765]} } أي في حالهم هذه التي طلبوا أن يعيشوا بها { كمثل الذي استوقد ناراً }{[766]} أي طلب أن توقد له وهي هداه ليسير في نورها ، وأصلها من نار إذا نفر لتحركها واضطرابها ، فوقدت وأنارت .
{ فلما أضاءت } أي{[767]} النار ، وأفرد الضمير باعتبار لفظ " الذي " فقال : { ما حوله } وأراد أن ينتفع بها في إبصار ما يريد ، وهو كناية عما حصل لهم من الأمنة بما قالوه من كلمة الإسلام من غير اعتقاد { ذهب الله } الذي له كمال العلم والقدرة ، وجمع الضمير نظراً إلى المعنى لئلا يتوهم أن بعضهم انتفع دون بعض بعد أن أفرده تقليلاً للنور وإن كان قوياً في أوله لانطفائه في آخره فقال : { بنورهم }{[768]} أي الذي نشأ من تلك النار بإطفائه لها ولا نور لهم سواه ؛ ولم يقل : بضوئهم ، لئلا يتوهم أن المذهوب به الزيادة فقط ، لأن الضوء أعظم من مطلق النور
{ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً }{[769]} [ يونس : 5 ] فذهب نورهم وبقيت نارهم ليجتمع عليهم حرّها مع حر الفقد لما ينفعهم من النور ، وعبر{[770]} بالإضاءة أولاً إشارة إلى قوة أولهم وانمحاق آخرهم ، لأن محط حالهم الباطل والباطل له صولة ثم تضمحل عند من ثبت لها ليتبين{[771]} الصادق من الكاذب ، وعبر بالذهاب به{[772]} دون إذهابه ليدل نصاً على أنه سبحانه ليس معهم وحقق ذلك{[773]} بالتعبير عن صيّر بترك{[774]} فقال : { وتركهم في ظلمات } أي بالضلالة{[775]} من قلوبهم وأبصارهم وليلهم أي ظلمات لا ينفذ{[776]} فيها بصر ، فلذا كانت نتيجته { لا يبصرون }{[777]} أي لا إبصار لهم أصلاً{[778]} ببصر ولا بصيرة . {[779]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.