ثم يحسم التعقيب في حقيقة عيسى عليه السلام ، وفي طبيعة الخلق والإرادة التي تنشىء كل شيء كما أنشأت عيسى عليه السلام :
( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم . خلقه من تراب . ثم قال له : كن فيكون ) . .
إن ولادة عيسى عجيبة حقا بالقياس إلى مألوف البشر . ولكن أية غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أبي البشر ؟ وأهل الكتاب الذين كانوا يناظرون ويجادلون حول عيسى - بسبب مولده - ويصوغون حوله الأوهام والأساطير بسبب أنه نشأ من غير أب . . أهل الكتاب هؤلاء كانوا يقرون بنشأة آدم من التراب . وأن النفخة من روح الله هي التي جعلت منه هذا الكائن الإنساني . . دون أن يصوغوا حول آدم الأساطير التي صاغوها حول عيسى . ودون أن يقولوا عن آدم : إن له طبيعة لاهوتية . على حين أن العنصر الذي به صار آدم إنسانا هو ذاته العنصر الذي به ولد عيسى من غير أب : عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك ! وإن هي إلا الكلمة : ( كن )تنشىء ما تراد له النشأة( فيكون ) !
وهكذا تتجلى بساطة هذه الحقيقة . . حقيقة عيسى ، وحقيقة آدم ، وحقيقة الخلق كله . وتدخل إلى النفس في يسر وفي وضوح ، حتى ليعجب الإنسان : كيف ثار الجدل حول هذا الحادث ، وهو جار وفق السنة الكبرى . سنة الخلق والنشأة جميعا !
وهذه هي طريقة " الذكر الحكيم " في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي البسيط ، في اعقد القضايا ، التي تبدو بعد هذا الخطاب وهي اليسر الميسور !
{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين }
إن مثل عيسى : المثل الحال الغريبة والشأن البديع .
كن فيكون : أي صر بشرا فصار بشرا والتعبير بالمضارع بدل الماضي لتصويره بصورة الحاضر المشاهد إذانا بغرابته { فلا تكن ممن الممترين } الامتراء الشك أو الجدال أي لا تكن من الشاكين أو من المجادلين في شانه بعد وضوح الحق والخطاب لكل مكلف .
59- { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } إن حال عيسى وصفته العجيبة في خلقه من غير أب كحال آدم أبي البشر أراد الله خلقه من تراب ثم قال له صر وكن بأمري بشرا سويا ذا لحم ودم وعظام وأعصاب وعقل وأراده فصار بشرا كما راده الله تعالى .
وتم بذلك خلقه من تراب دون أب وأم فكان بذلك أعجب من خلق عيسى من أم دون أب .
وإذا كنتم أيها النصارى لا تقولون بألوهية آدم ولا بنبوته لله فكيف تقولون بألوهية عيسى او بنبوته لله وهو من دون آدم في غرابة خلقه والآية دلالة على صحة القياس وشرعية النظر والاستدلال فقد احتج الله عليهم بخلق آدم من غير أب ولا ام وحيث لم يقولوا بألوهية آدم وجب القول بعدم ألوهية عيسى من باب أولى .
ثم أكد ظلمهم وصور حكمته بمثل هذا الفرقان في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الكاشف لما في ذلك مما ألبس عليهم فقال : { إن مثل عيسى } أي في كونه من أنثى فقط { عند الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً في إخراجه من غير سبب حكمي عادي { كمثل آدم } في أن كلاًّ منهما أبدع من غير أب ، بل أمر آدم أعجب فإنه{[17460]} أوجده من غير أب ولا أم ، ولذلك فسر مثله بأنه { خلقه } أي {[17461]}قدره وصوره{[17462]} جسداً{[17463]} من غير جنس البشر ، بل { من تراب } {[17464]}فعلمنا أن تفسير مثل عيسى كونه خلقه من جنس البشر من أم{[17465]} فقط بغير أب ، فمثل عيسى أقل غرابة{[17466]} من هذه الجهة وإن كان أغرب من حيث إنهم لم يعهدوا مثله ، فلذلك كان مثل آدم مثلاً له موضحاً لأنه مع كونه أغرب أشهر{[17467]} ( وعبر بالتراب دون الماء والطين والحمأ وغيره كما في غير هذا الموطن ، لأن التراب أغلب{[17468]} أجزائه ولأن المقام لإظهار العجب ، وإبداع ما أسكنه أنواع الأنوار{[17469]} بالهداية والعلوم الباهرة من التراب الذي هو {[17470]}أكثف{[17471]} الأشياء أغرب كما أن تغليب ظلام الضلال على الشياطين من كونهم من عنصر نير{[17472]} أعجب ) .
ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده تولد{[17473]} من أنثى ، ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد{[17474]} من تراب ، وما شاهده بنو إسرائيل من خلق عيسى عليه الصلاة والسلام الطير{[17475]} من الطين فهذا المثل الذي هو كل ما تولد من أنثى مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد{[17476]} من تراب في أن كلاًّ منهما لم يكن إلا بتكوين الله سبحانه وتعالى ، وإلا لكان كل جماع موجباً للولد وكل تراب موجباً لتولد الحيوان منه ، فلما كان أكثر الجماع لا يكون منه{[17477]} ولد علمنا أن الإيجاد بين الذكر والأنثى إنما هو{[17478]} بقدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته{[17479]} ، ومن إرادته وقدرته كونه من ذكر وأنثى ، فلا فرق في ذلك بين أن يريد كونه من أنثى بتسبيب جماع من ذكر يخرق{[17480]} به عادة الجماع فيجعله موجباً للحبل{[17481]} وبين أن يريد كونه من أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن{[17482]} من التوليد بين الذكر والأنثى ، كما أنا لما{[17483]} علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه حيوان علمنا قطعاً أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر واختياره لا بشيء آخر ، وإلى ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسلام بقوله فيما سلف قريباً : إن الله قادر على أن يقيم من الحجارة أولاداً لإبراهيم ، أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب{[17484]} وسبب ، بل كلها في قدرته سواء ، وإلى ذلك أشار قوله : { ثم قال له كن } أي بشراً كاملاً روحاً وجسداً ، وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في
{ فيكون * } دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويراً لها إشارة إلى أنه كان مع{[17485]} الأمر من غير تخلف وتنبيهاً على أن هذا هو الشأن دائماً ، يتجدد{[17486]} مع كل مراد ، لا يتخلف عن مراد{[17487]} الآمر أصلاً - كما تقدم التصريح به في آية إذا قضى أمراً{[17488]} }[ البقرة : 117 ] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين{[17489]} يجادل عن معتقدهم وفد نجران ، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في القياس ، وكان العدل أن يقاس في خرقه للعادة بأبي أمه{[17490]} الذي كان يعلم الأسماء كلها وسجد له الملائكة ، لا بخالقه{[17491]} و{[17492]}مكونه تعالى عما{[17493]} يقول الظالمون علواً كبيراً .
قال الحرالي : جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام مثلاً مبدؤه{[17494]} السلالة الطينية ، وغايته النفخة الأمرية{[17495]} ، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام مثلاً مبدؤه الروحية والكلمة{[17496]} ، وغايته التكمل بملابسة{[17497]} السلالة الطينية ، حتى قال صلى الله عليه وسلم : إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج امرأة{[17498]} من بني أسد ويولد له غلام لتكمل{[17499]} به{[17500]} الآدمية في العيسوية كما كملت العيسوية في الآدمية وليكون مثلاً واحداً أعلى جامعاً { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض{[17501]} }[ الروم : 27 ] - انتهى .