وهنا - وقد وضحت القضية وظهر الحق جليا - يوجه الله تعالى رسوله الكريم إلى أن ينهي الجدل والمناظرة حول هذه القضية الواضحة وحول هذا الحق البين وأن يدعوهم إلى المباهلة كما هي مبينة في الآية التالية :
( فمن حاجك فيه - من بعد ما جاءك من العلم - فقل : تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم . ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) . .
وقد دعا الرسول [ ص ] من كانوا يناظرونه في هذه القضية إلى هذا الاجتماع الحاشد ، ليبتهل الجميع إلى الله أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين . فخافوا العاقبة وأبوا المباهلة . وتبين الحق واضحا . ولكنهم فيما ورد من الروايات لم يسلموا احتفاظا بمكانتهم من قومهم ، وبما كان يتمتع به رجال الكنيسة من سلطان وجاه ومصالح ونعيم ! ! ! وما كانت البينة هي التي يحتاج إليها من يصدون عن هذا الدين إنما هي المصالح والمطامع والهوى يصد الناس عن الحق الواضح الذي لا خفاء فيه .
61- { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين }
ثم نبتهل : أي ثم ندع الله مضارع من الابتهال وهو الدعاء .
الخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم لقد بينت الآيات السابقة حقيقة عيسى عليه السلام بما فيه كفاية وغناء لطالب الإيضاح والبيان .
وهنا يوجه الله تعالى رسوله الكريم إلى ان ينهي الجدل والمناظرة حول هذه القضية الواضحة وحول هذا الحق المبين . . والمعنى فمن جادلك في شأن عيسى بعد هذا البيان فلا تجادلهم في شأن منه وأفحمهم وقل لهم : { تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل } . ويضرع كل منا على الله تعالى ويدعوه ان يجعل لعنته على الكاذبين منا .
وقد حدث ان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية اخبر وفد من نجران بها ودعاهم إلى اجتماع حاشد ومعهم نساؤهم وابناؤهم ليبتهل الجميع إلى الله تعالى أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين .
وحضر الرسول في الموعد ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي فلم يجدهم فقد تشاوروا فيما بينهم فقالوا للعاقب وكان صاحب رأيهم يا عبد المسيح ماذا ترى ؟ قال والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فيبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما كنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك ونتركك على دينك وان نرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا فإنكم عندنا رضا فأمر النبي أيا عبيدة ابن الجراح أن يخرج معهم ويقضي بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ( 178 ) .
واخرج أبو نعيم في الدلائل عن الضحاك وابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على الجزية ومقدارها ألف حلة في صفر ومثلها في رجب ودراهم وذلك بعد أن ا شار عليهم يهود المدينة بالصلح وعدم الملاعنة وقالوا هو النبي صلى الله عاليه وسلم الذي نجده في التوراة ( 179 ) .
قد يقول قائل : ان الجزية فرضت بعد فتح مكة ووفد نجران جاء قبلها فكيف يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم صالحهم على الجزية ؟ الجواب أن ذلك من باب المصالحة على ترك المباهلة وجاء فرض الجزية بعد ذلك على وقف ما صنعه الرسول وقد أجيب بأجوبة أخرى فارجع إليها إن شئت في تفسير ابن كثير .
ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد ، فبين أولاً ما تفضل{[17726]} فيه عيسى عليه الصلاة والسلام {[17727]}من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتَهم ، ألزمهم على تقديره بالفيصل{[17728]} الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل{[17729]} الفساد فقال سبحانه وتعالى : { فمن } أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا{[17730]} نقول لك{[17731]} : من{[17732]} { حآجك فيه } أي خاصمك بإيراد حجة ، أي كلام يجعله{[17733]} في عداد ما يقصد .
ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج{[17734]} في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال : { من } أي مبتدئاً{[17735]} المحاجة{[17736]} من{[17737]} ، ويجوز أن يكون{[17738]} الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد بالمجادلة { بعدما جآءك من العلم } أي الذي أنزلناْْ إليك وقصصناه عليك في أمره { فقل تعالوا } أي أقبلوا أيها المجادلون إلى{[17739]} أمر نعرف فيه علو المحق{[17740]} وسفول المبطل { ندع أبنآءنا وأبناءكم } أي الذين هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه { ونساءنا ونساءكم } أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه أولو الهمم العوالي{[17741]} { وأنفسنا وأنفسكم } فقدم ما يدافع{[17742]} عنه ذوو{[17743]} {[17744]}الأحساب ويفدونه بنفوسهم{[17745]} ، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد{[17746]} وختم بالمدافع ، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم{[17747]} الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى ، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون {[17748]}على الحق{[17749]} . ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيراً بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء المنقلب للكاذب فقال : { ثم نبتهل } أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره . وقال الحرالي : الابتهال طلب البهل ، والبهل أصل معناه التخلي{[17750]} والضراعة في مهم مقصود - انتهى . { فنجعل لعنت الله } أي{[17751]} الملك{[17752]} الذي له العظمة كلها فهو يجير ولا يجار عليه{[17753]} ، أي إبعاده{[17754]} وطرده { على الكاذبين * } و{[17755]}قال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه : ثم لما أتبعت{[17756]} قصة آدم عليه الصلاة والسلام - يعني في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما لم تكن العرب تعرفه ، وأنذروا وحذروا ؛ أتبعت{[17757]} قصة عيسى عليه الصلاة والسلام - يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.