ثم مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة المرتقبة :
( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ، قلنا : احمل فيها من كل زوجين اثنين ، وأهلك - إلا من سبق عليه القول - ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل . وقال : اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها ، إن ربي لغفور رحيم ) .
وتتفرق الأقوال حول فوران التنور ، ويذهب الخيال ببعضها بعيدا ، وتبدو رائحة الإسرائيليات فيها وفي قصة الطوفان كلها واضحة . أما نحن فلا نضرب في متاهة بغير دليل ، في هذا الغيب الذي لا نعلم منه إلا ما يقدمه لنا النص ، وفي حدود مدلوله بلا زيادة .
وأقصى ما نملك أن نقوله : إن فوران التنور - والتنور الموقد - قد يكون بعين فارت فيه ، أو بفوارة بركانية . وأن هذا الفوران ربما كان علامة من الله لنوح ، أو كان مصاحبا مجرد مصاحبة لمجيء الأمر ، وبدءا لنفاذ هذا الأمر بفوران الأرض بالماء . وسح الوابل من السماء .
لما حدث هذا ( قلنا : احمل فيها من كل زوجين اثنين . . . ) كأن نظام العملية كان يقتضي أن يؤمر نوح بمراحلها واحدة واحدة في حينها . فقد أمر أولا بصنع الفلك فصنعه ، ولم يذكر لنا السياق الغرض من صنعه ، ولم يذكر أنه أطلع نوحا على هذا الغرض كذلك . ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ) . . أمر بالمرحلة التالية .
( قلنا : احمل فيها من كل زوجين اثنين ، وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ) . .
ومرة أخرى تتفرق الأقوال حول ( من كل زوجين اثنين ) وتشيع في الجو رائحة الإسرائيليات قوية . أما نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتط حول النص : ( احمل فيها من كل زوجين اثنين ) . . مما يملك نوح أن يمسك وأن يستصحب من الأحياء . وما وراء ذلك خبط عشواء . .
( وأهلك - إلا من سبق عليه القول - ) . .
{ حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ 40 وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ 41 وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَ نَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ 42 قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ 43 وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 44 } .
وفار التنور : أي : نبع الماء وتدفق ، من التنور الذي يخبز فيه الخبز ، اتفقت فيه لغة العرب والعجم ، ويعبر عنه اليوم بالفرن . وقيل : وجه الأرض .
وأهلك : أهل بيت الرجل : نساؤه ، وأولاده ، وأزواجهم .
إلا من سبق عليه القول : أي : منهم بالإهلاك ، والإغراق ، وهو ولده كنعان ، وزوجة نوح عليه السلام ، وأخذ معه سام ، وحام ، ويافث ، وزوجاتهم الثلاثة .
إلا قليل : قيل : كانوا ثمانين ، نصفهم رجال ، ونصفهم نساء .
{ حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ . . . } الآية .
أي : حتى إذا حان وقت أمرنا بالهلاك للكافرين ؛ تتابع المطر من السماء ، ونبع من وجه الأرض ، أو من موقد الخبر ، وكان ذلك علامة للمؤمنين على بدء الطوفان .
وقال تعالى في سورة القمر : { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ } . ( القمر : 10 14 ) .
كان بدء الطوفان بقدرة الله ، مظهرا من مظاهر عظمته وقدرته ؛ فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى .
جاء في المصحف المفسر للأستاذ محمد فريد وجدي :
نقول : { فار التنور } . معناه الحرفي : نبع التنور ، قال المفسرون : ومعناه : أنه نبع الماء من التنور ؛ إعجاز . وأنا أرى أن { فار التنور } . من الكنايات الكثير أمثالها في لغتنا ، مثل : طفح الكيل ، وطفّ الصوع ، وحمى الوطيس ، وفاض الإناء ؛ وكلها تدل على بلوغ الأمر غاية شدته وقرب انفجاره . 37 ا ه .
وعن ابن عباس : التنور وجه الأرض . أي : صارت الأرض عيونا ؛ حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء .
{ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } .
أي : قلنا لنوح : احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوانات زوجين اثنين ، ذكرا وأنثى ؛ للحفاظ على أصل النوع الحيواني .
{ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ } . أي : واحمل فيها أهل بيتك ذكرانا وإناثا .
{ إلا من سبق عليه القول } . بأنهم من المغرقين بسبب ظلمهم ، وهم : زوجة نوح ، و ابنها منه : يام ، أو كنعان ؛ وخذ معك كل من آمن من الرجال والنساء .
{ وما آمن معه إلا قليل } . ولم يؤمن بنوح إلا عدد قليل من الرجال والنساء ، رغم طول المدة التي مكثها فيهم ، فقد مكث يدعوهم إلى الإيمان تسعمائة وخمسين عاما ؛ وشاء الله ألا تتفتح قلوب أكثرهم لدعوة الإيمان ؛ فآمن به عدد قليل ، قيل : كانوا ستة أو ثمانية رجال ونساؤهم .
وقال ابن عباس : كانوا ثمانين نفسا ، منهم نساؤهم . ولم ير الحق سبحانه وتعالى حاجة لبيان العدد ، لقلتهم التي لا تستحق الذكر ، ولم يبين أنواع الحيوانات المحمولة ، ولا كيفية حملها فذلك متروك للبشر .
{ حتى إذا جاء أمرنا } غاية لقوله : { ويصنع الفلك } { وفار التنور } أي : فار بالماء وجعل الله تلك العلامة لنوح ليركب حينئذ في السفينة ، والمراد ب{ التنور } الذي يوقد فيه عند ابن عباس وغيره ، وروي : أنه كان تنور آدم خلص إلى نوح ، وقيل : { التنور } وجه الأرض .
{ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } المراد بالزوجين : الذكر والأنثى من الحيوان ، وقرئ { من كل } بغير تنوين فعمل { احمل } في اثنين ومن قرأ بالتنوين عمل { احمل } في زوجين وجعل اثنين نعت له على جهة التأكيد .
{ وأهلك } أي : قرابتك ، وهو معطوف على ما عمل فيه { احمل } .
{ إلا من سبق عليه القول } أي : من قضى عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته .
{ ومن آمن } معطوف على أهلك أي : احمل أهلك ومن آمن من غيرهم .
{ وما آمن معه إلا قليل } قيل : كانوا ثمانين ، وقيل : عشرة ، وقيل : ثمانية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.