والحكم التالي يختص بعدد الطلقات ، وحق المطلقة في تملك الصداق ، وحرمة استرداد شيء منه عند الطلاق ، إلا في حالة واحدة : حالة المرأة الكارهة التي تخشى أن ترتكب معصية لو بقيت مقيدة بهذا الزواج المكروه . وهي حالة الخلع التي تشتري فيها المرأة حريتها بفدية تدفعها :
( الطلاق مرتان . فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا . إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله . فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به . تلك حدود الله فلا تعتدوها . ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) . .
الطلاق الذي يجوز بعده استئناف الحياة مرتان . فإذا تجاوزهما المتجاوز لم يكن إلى العودة من سبيل إلا بشرط تنص عليه الآية التالية في السياق . وهو أن تنكح زوجا غيره ، ثم يطلقها الزوج الآخر طلاقا طبيعيا لسبب من الأسباب ، ولا يراجعها فتبين منه . . وعندئذ فقط يجوز لزوجها الأول أن ينكحها من جديد ، إذا ارتضته زوجا من جديد .
وقد ورد في سبب نزول هذا القيد ، أنه في أول العهد بالإسلام كان الطلاق غير محدد بعدد من المرات . فكان للرجل أن يراجع مطلقته في عدتها ، ثم يطلقها ويراجعها . هكذا ما شاء . . ثم إن رجلا من الأنصار اختلف مع زوجته فوجد عليها في نفسه ، فقال : والله لا آويك ولا أفارقك . قالت : وكيف ذلك ؟ قال : أطلقك ، فإذا دنا أجلك راجعتك . فذكرت ذلك للرسول [ ص ] فأنزل الله عز وجل : ( الطلاق مرتان ) . .
وحكمة المنهج الرباني الذي أخذ به الجماعة المسلمة مطردة في تنزيل الأحكام عند بروز الحاجة إليها . . حتى استوفى المنهج أصوله كلها على هذا النحو . ولم يبق إلا التفريعات التي تلاحق الحالات الطارئة ، وتنشىء حلولا مستمدة من تلك الأصول الشاملة .
وهذا التقييد جعل الطلاق محصورا مقيدا ؛ لا سبيل إلى العبث باستخدامه طويلا . فإذا وقعت الطلقة الأولى كان للزوج في فترة العدة أن يراجع زوجه بدون حاجة إلى أي إجراء آخر . فأما إذا ترك العدة تمضي فإنها تبين منه ؛ ولا يملك ردها إلا بعقد ومهر جديدين . فإذا هو راجعها في العدة أو إذا هو أعاد زواجها في حالة البينونة الصغرى كانت له عليها طلقة أخرى كالطلقة الأولى بجميع أحكامها . فأما إذا طلقها الثالثة فقد بانت منه بينونة كبرى بمجرد إيقاعها فلا رجعة فيها في عدة ، ولا عودة بعدها إلا أن ينكحها زوجا آخر . ثميقع لسبب طبيعي أن يطلقها . فتبين منه لأنه لم يراجعها . أو لأنه استوفى عليها عدد مرات الطلاق . فحينئذ فقط يمكن أن تعود إلى زوجها الأول .
إن الطلقة الأولى محك وتجربة كما بينا . فأما الثانية فهي تجربة أخرى وامتحان أخير . فإن صلحت الحياة بعدها فذاك . وإلا فالطلقة الثالثة دليل على فساد أصيل في حياة الزوجية لا تصلح معه حياة .
وعلى أية حال فما يجوز أن يكون الطلاق إلا علاجا أخيرا لعلة لا يجدي فيها سواه . فإذا وقعت الطلقتان : فإما إمساك للزوجة بالمعروف ، واستئناف حياة رضية رخية ؛ وإما تسريح لها بإحسان لا عنت فيه ولا إيذاء . وهو الطلقة الثالثة التي تمضي بعدها الزوجة إلى خط في الحياة جديد . . وهذا هو التشريع الواقعي الذي يواجه الحالات الواقعة بالحلول العملية ؛ ولا يستنكرها حيث لا يجدي الاستنكار ، ولا يعيد خلق بني الإنسان على نحو آخر غير الذي فطرهم الله عليه . ولا يهملها كذلك حيث لا يجدي الإهمال !
ولا يحل للرجل أن يسترد شيئا من صداق أو نفقة أنفقها في أثناء الحياة الزوجية في مقابل تسريح المرأة إذا لم تصلح حياته معها . ما لم تجد هي أنها كارهة لا تطيق عشرته لسبب يخص مشاعرها الشخصية ؛ وتحس أن كراهيتها له ، أو نفورها منه ، سيقودها إلى الخروج عن حدود الله في حسن العشرة ، أو العفة ، أو الأدب . فهنا يجوز لها أن تطلب الطلاق منه ؛ وأن تعوضه عن تحطيم عشه بلا سبب متعمد منه ؛ برد الصداق الذي أمهرها إياه ، أو بنفقاته عليها كلها أو بعضها لتعصم نفسها من معصية الله وتعدي حدوده ، وظلم نفسها وغيرها في هذه الحال . وهكذا يراعي الإسلام جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس ؛ ويراعي مشاعر القلوب الجادة التي لا حيلة للإنسان فيها ؛ ولا يقسر الزوجة على حياة تنفر منها ؛ وفي الوقت ذاته لا يضيع على الرجل ما أنفق بلا ذنب جناه .
ولكي نتصور حيوية هذا النص ومداه ، يحسن أن نراجع سابقة واقعية من تطبيقه على عهد رسول الله [ ص ] تكشف عن مدى الجد والتقدير والقصد والعدل في هذا المنهج الرباني القويم .
روى الإمام مالك في كتابه : الموطأ . . أن حبيبة بنت سهل الأنصاري كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس . وأن رسول الله [ ص ] خرج في الصبح ، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس . فقال رسول الله [ ص ] : " من هذه ؟ " قالت : أنا حبيبة بنت سهل ! فقال : " ما شأنك ؟ " فقالت : لا أنا ولا ثابت بن قيس - لزوجها - فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله [ ص ] : " هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر " . . فقالت حبيبة : يا رسول الله ، كل ما أعطاني عندي . فقال رسول الله [ ص ] : " خذ منها " فأخذ منها وجلست في أهلها .
وروى البخاري - بإسناده - عن ابن عباس رضي الله عنهما - أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي [ ص ] فقالت : يا رسول الله . ما اعيب عليه في خلق ولا دين ، ولكن أكره الكفر في الإسلام . فقال رسول الله [ ص ] : " أتردين عليه حديقته ؟ " [ وكان قد أمهرها حديقة ] قالت : نعم . قال رسول الله [ ص ] : " أقبل الحديقة وطلقها تطليقة " . .
وفي رواية أكثر تفصيلا رواها ابن جرير بإسناد - عن أبي جرير أنه سأل عكرمة : هل كان للخلع أصل ؟ قال : كان ابن عباس يقول : إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي . إنها أتت رسول الله [ ص ] فقالت : يا رسول الله ، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا . إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها . فقال زوجها : يا رسول اللهإني قد أعطيتها أفضل مالي : حديقة لي . فإن ردت علي حديقتي . قال : ما تقولين ؟ قالت : نعم وإن شاء زدته . قال : ففرق بينهما . .
ومجموعة هذه الروايات تصور الحالة النفسية التي قبلها رسول الله [ ص ] وواجهها مواجهة من يدرك أنها حالة قاهرة لا جدوى من استنكارها وقسر المرأة على العشرة ؛ وأن لا خير في عشرة هذه المشاعر تسودها . فاختار لها الحل من المنهج الرباني الذي يواجه الفطرة البشرية مواجهة صريحة عملية واقعية ؛ ويعامل النفس الإنسانية معاملة المدرك لما يعتمل فيها من مشاعر حقيقية .
ولما كان مرد الجد أو العبث ، والصدق أو الاحتيال ، في هذه الأحوال . . هو تقوى الله ، وخوف عقابه . جاء التعقيب يحذر من اعتداء حدود الله :
( تلك حدود الله فلا تعتدوها . ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) . .
ونقف هنا وقفة عابرة أمام اختلاف لطيف في تعبيرين قرآنيين في معنى واحد ، حسب اختلاف الملابستين :
في مناسبة سبقت في هذه السورة عند الحديث عن الصوم . ورد تعقيب : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) . . وهنا في هذه المناسبة ورد تعقيب : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) . .
في الأولى تحذير من القرب . وفي الثانية تحذير من الاعتداء . . فلماذا كان الاختلاف ؟
في المناسبة الأولى كان الحديث عن محظورات مشتهاة :
( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم . . هن لباس لكم وأنتم لباس لهن . . علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ، فتاب عليكم وعفا عنكم ، فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم . وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . ثم أتموا الصيام إلى الليل ، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد . . تلك حدود الله فلا تقربوها ) . .
والمحظورات المشتهاة شديدة الجاذبية . فمن الخير أن يكون التحذير من مجرد الاقتراب من حدود الله فيها ، اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها إذا اقترب الإنسان من مجالها ووقع في نطاق حبائلها !
أما هنا فالمجال مجال مكروهات واصطدامات وخلافات . فالخشية هنا هي الخشية من تعدي الحدود في دفعة من دفعات الخلاف ؛ وتجاوزها وعدم الوقوف عندها . فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة . بسبب اختلاف المناسبة . . وهي دقة في التعبير عن المقتضيات المختلفة عجيبة !
{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون( 229 ) }
الطلاق : اسم بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم ، والمراد به حل العقدة بين الزوجين بألفاظ مخصوصة .
فإمساك بمعروف : المراد به رجعة الزوجة بعد طلاقها مع أداء حقوقها وحسن عشرتها .
أو تسريح بإحسان : إخلاء سبيل الزوجة مع أداء حقوقها المالية وحفظ أسرارها وعدم الإساءة إليها .
الاعتداء : تجاوز الحد في قول أو فعل .
الظلم : وضع شيء في غير موضعه .
" ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد ، وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة ، وكان هذا في أول الإسلام برهة ، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق ، فإذا كادت تحل من طلاقها راجعها ما شاء . فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك ولا أدعك تحلين ، قالت وكيف ؟ قال : أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك ، فشكت المرأة ذلك إلى عائشة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدة الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تحديد مهر وولي ونسخ ما كانوا عليه( 248 ) " .
الطلاق مرتان يكون للزوج بعد كل واحدة منهما الحق في أن يمسك زوجته برجعتها في العدة أو إعادتها إلى عصمته بعقد جديد ، وفي هذا الحال يجب أن يكون قصد الإمساك بالعدل والمعاملة الحسنة ، أو أن ينهي الحياة الزوجية مع المعاملة الحسنة وإكرامها من غير مفاجأة ، ولا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا مما أعطيتموهن شيئا إلا عند عدم إقامة حقوق الزوجية التي بينها الله سبحانه وتعالى وألزم بها ، فإن خفتم يا معشر المسلمين ألا تؤدي الزوجات حقوق الزوجية سليمة كما بينها الله تعالى فقد شرع الله للزوجة أن تقدم مالا في مقابل افتراقها من زوجها ، وهذه هي أحكم الله المقررة فلا تخالفوها .
{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . . . }
أي الطلاق المشروع مرتان أي مرة ثم مرة ، فللرجل أن يطلق زوجته ، ثم يراجعها أثناء العدة إذا شاء دون توقف على رضاها ، ثم له أن يطلقها مرة ثانية أثناء العدة إذا شاء دون توقف على رضاها كذلك ، وكل طلقة من هاتين الطلقتين تسمى طلقة رجعية .
أما إذا أمضت العدة بعد الطلقة الأولى أو الثانية دون مراجعة لها فإن الطلاق يصبح بائنا ، فلا يعود إليه ،
أما إذا أمضت العدة بعد الطلقة الأولى أو الثانية دون مراجعة لها فإن الطلاق يصبح بائنا ، فلا يعود إليه ، إلا بعقد ومهر جديدين ، وبرضا الزوجة أو وليها فإذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين فإنها تصبح حراما عليه ، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره كما تشير الآية التالية .
ومعنى إمساكها بالمعروف بعد الطلقة الثانية أن يراجعها مع حسن العشرة والمودة والرحمة ، فلذلك هو المعروف عند أرباب المروءات وفي لسان الشرع ونظر العقل .
" ومعنى تسريحها بإحسان بعد الطلقة الثانية أن يتركها دون مراجعة أو أن يطلقها الثالثة وأن يؤدي لها حقوقها من نفقة العدة وأجرة الرضا والحضانة لولده وجبر خاطر وحسن المقالة " ( 249 ) .
الحكمة في جعل الطلاق الرجعي مرتين :
الحياة الزوجية شركة تقوم على التعاون . من الله بها على عباده وحث الإسلام على حسن العشرة والمكارمة بين الزوجين .
وقد تسوء الحياة ولا يتفق الزوجان ولا يتقابلان فأباح الإسلام أن يطلق الرجل زوجته طلقة رجعية . وفي خلال العدة ربما ظهرت محبة الرجل للمرأة بعد فراقها ، أو استبانت له الحاجة ربما ظهرت محبة الرجل للمرأة بعد فراقها ، أو استبانت له الحاجة إليها وعظمت المشقة عليه في تركها والبعد عنها وقد تكون المرأة سادرة في كبريائها وخيلائها ، ولا تؤدي ما ينبغي للرجل من الحقوق والواجبات فإذا هي طلقت تذكرت مضار خطئها وأحسنت بما كان فيه من عيوب في المعاملات الزوجية والشؤون المنزلية وتمنت أن لو كانت لها عودة تمكنها من إصلاح ما سلف منها . فإذا أبيح لها العودة إلى الحياة الزوجية كان في هذا فرصة استدراك ما فات والعمل على الطريق السوي فيما هو آت .
وقد يحدث أن يعود الرجل سيرته الأولى أو يحدث من الزوجة ما يدعو إلى الفراق ثانية فيطلقها حين حدة الغضب مرة أخرى ثم يندم ، فأبيح له العودة مرة أخرى .
فإذا عاد إلى الطلاق مرة ثانية استبان أن رباط الزوجية قد وهن ، وأن النفور بينهما قد استحكم فيجدر أن يكون الفراق لا رجعة فيه مع أداء الزوج لحقوق الزوجة والإحسان إليها عند الفراق وعدم الإساءة إليها .
وفي هذا التشريع بذلك الترتيب غاية الرأفة والرحمة من الله بعباده حفاظا على رباط الأسرة وسعادة المجتمع .
وقد اختلف الأئمة فيمن يوقع الطلاق ثلاثا مرة واحدة .
فذهب بعضهم إلى أنه يقع طلقة واحدة .
ومذهب الأئمة الأربعة : أنه يقع ثلاث طلقات .
وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية في بعض البلاد العربية بالرأي الأول إتباعا لرأي بعض كبار الصحابة وكبار التابعيين .
وقد ساق القرطبي في تفسيره أدلة الفريقين بإسهاب . ورجح مذهب الأئمة الأربعة .
كما وردت أدلة الفريقين في أحكام القرآن للجصاص ، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ، ونيل الأوطار للشوكاني ، وأحكام القرآن لابن عربي وغيرها .
وقد روى الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس قال : كان الطلاق في عهد الرسول صلى الله عيه وسلم وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاثة واحدة فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان فيه أناة فلو أمضيناه عليهم( 250 ) .
{ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن خافا ألا يقيما حدود الله }
ولا يحل للزوج أن يأخذ شيئا من صداق الزوجة ، الذي أوجبه الله ، لكي يبقيها في عصمته ، أو لكي يطلقها ، لأن ذلك مناف للمعروف والإحسان الذي أمر الله به والذي هو لائق بصلات المؤمنين بعضهم مع بعض فضلا عن الزوجين .
ومثل الصداق في الحكم سائر أموالهن ، وتخصيص الصداق بالذكر لرعاية العادة أو للتنبيه على أن تحريم الأخذ من غيره أولى .
قال ابن كثير وقوله : { ولا يحل أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ليفتدين منكم بما أعطيتموهن إلا من صدقة أو ببعضه .
كما قال تعالى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . ( النساء : 19 ) .
فأما إن وهبته المرأة شيئا من طيب نفس منها فقال تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } . ( النساء : 4 ) .
وأما إذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته ، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ولا حرج عليها في بذلها له ، ولا علية في قبولها ذلك منها ولهذا قال تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به . . . } الآية .
وأما إذا لم يكن عذر وسألت الافتداء منه ، فقد روى الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " وهكذا رواه أبو داود وابن ماجة وابن جرير( 251 ) .
وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' المختلعات والمنتزعات هن المنافقات " . ( 252 )
الخلع هو أن تفتدي المرأة نفسها من زوجها بمال .
" وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أنه : هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاه ؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } . وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وغيرهم( 253 ) وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبى ثور واختاره ابن جرير .
" وقال أصحاب أبى حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها ولا تجوز الزيادة عليه ، فإن ازداد جاز في القضاء . وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا فإن أخذ جاز في القضاء " . ( 254 )
وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق : أن يأخذ أكثر مما أعطاها . وقد قول سعيد بن المسيب وعطاء والزهري وغيرهم( 255 ) .
روى البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكن لا أطيقه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتريدين عليه حديقته ؟ قالت نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقبل الحديقة وطلقها تطليقا( 256 ) .
واستدلت طائفة من الفقهاء بحديث امرأة ثابت المذكور على أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر فإنها تقول : إنها لا تعتب عليه في خلق ولا دين ولمنها لا تطيقه . وقالوا إن الآية لم تذكر الخوف من عدم إقامة حدود الله على جهة الشرط ، بل لأنه الغالب( 257 ) .
وذكر ابن جرير أن ابن عباس قال : إن أول خلع كان في الإسلام أخت( 258 ) عبد الله بن أبى : أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، لا يجمع رأسي ورأسه شيئا أبدا ، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها . قال زوجها : يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي –حديقة-فلترد علي حديقتي ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ما تقولين ) ؟ قالت : نعم وإن شاء الله زدته . قال : ففرق بينهما " ( 259 ) . وقيل هذه الآية نزلت في شأنهما .
قال القرطبي : " وهذا لحديث أصل في الخلع وعليه جمهور الفقهاء . قال مال : لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم وهو الأمر المجتمع عليه عندنا وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها ولم تؤت من قبله وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأته ثابت ابن قيس ، وإن كان النشوز من قبله بأي يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها( 260 ) .
{ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به . . . }
لقد طلب الله أن يكون تسريح المرأة بإحسان ونهي أن يأخذوا شيئا مما آتهن من المهر أو غيره ثم بين أنه لا يحل الأخذ إلا في حالة الخوف ألا يقيما حدود الله فإذا حصل الخوف جاز للمرأة أن تفتدي من زوجها بالخلع ، وجاز للرجل أ يأخذ هذا الفداء لا إثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في إعطائه إياه .
" واختلف العلماء في الخلع : هل هو طلاق : فيعد طلقة ؟ أم هو فسخ فلا يعد طلقة .
فقال مالك والشافعي في أحد قوليه ، وأبو حنيفة والثوري وغيرهم هو طلاق بائن فيعد طلقة .
وقالت طائفة : هو فسخ لا ينقص عدد الطلاق إلا أن ينويه ، وبه قال ابن عباس وأحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحاق ولهم في ذلك أدلتهم .
ويترتب على هذا الخلاف : أن من طلق زوجته تطليقتين ثم خالعها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك عند ابن عباس ومن يرى رأيه لأنه لم يقع منه سوى تطليقتين والخلع لغو ومن جعله طلاقا لم يجز له أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره ، على القول بأنه طلقة بائنة ، يجوز للزوج أن يعود بعده لزوجته إذا لم يبقه طلقتان : بأن لم يسبقه طلاق أصلا ، أو سبقه طلقة واحدة . ولكنه لا يعود إلا بعقد ومهر جديدين .
قال القرطبي : والصحيح أن الخلع طلاق لا فسخ .
قال القاضي إسماعيل ابن إسحاق : كيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته : طلقني على مال فطلقها إنه لا يكون طلاقا وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء فطلقت فسها كان طلاقا-261 ) .
{ تلك حدود الله فلا تعتدوها . . . }
ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع حدود الله فلا تتجاوزوا ما أحله لكم إلى ما حرمه عليكم ، وما أمرتكم به إلى ما نهيتكم عنه .
{ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون }
ومن يترك أحكام الله التي شرعها وبينها لعباده ، فإنه ظالم لنفسه وغيره متبع لهواه .
والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وفعل ما لا ينبغي فعله . والظلم مخرب للعمران مبيد للأمم ولاسيما ظلم الأزواج للأزواج إذ الرابطة بينهما أمتن الروابط وأحكمها ، فأي رجاء في الأمة إذا انحلت فيها عري تلك الرابطة ؟ وهي أشد وأمتن تلك الروابط ؟ .
{ الطلاق مرتان } بيان لعدد الطلاق الذي يرتجع منه دون زوج آخر وقيل : بيان لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه ، وهو طلاق السنة .
{ فإمساك } ارتجاع وهو مرفوع بالابتداء أو بالخبر .
{ بمعروف } حسن المعاشرة وتوفية الحقوق .
{ أو تسريح } هو تركها حتى تنقضي العدة فتبين منه .
{ بإحسان } المتعة ، وقيل : التسريح هنا الطلقة الثالثة بعد الاثنتين ، وروي في ذلك حديث ضعيف وهو بعيد لأن قوله تعالى بعد ذلك .
{ فإن طلقها } هو الطلقة الثالثة ، وعلى ذلك يكون تكرارا ، والطلقة الرابعة لا معنى لها .
{ ولا يحل لكم أن تأخذوا } الآية نزلت بسبب ثابت بن قيس : اشتكت منه امرأته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها : " أتردين عليه حديقته " . قالت : نعم فدعاه فطلقها على ذلك ، وحكمها على العموم وهو خطاب للأزواج في حكم الفدية ، وهي الخلع ، وظاهرها أنه لا يجوز الخلع إلا إذا خاف الزوجان .
{ ألا يقيما حدود الله } وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما ، ثم إن المخالعة على أربعة أحوال :
الأول : أن تكون من غير ضرر من الزوج ولا من الزوجة : فأجازه مالك وغيره لقوله تعالى :{ فإن طبن لكم عن شيء }[ النساء :4 ] ومنعها قوم لقوله تعالى :{ إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله } .
والثاني : أن يكون الضرر منهما جميعا ، فمنعه مالك في المشهور لقوله تعالى :{ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن }[ النساء :19 ] . وأجازه الشافعي لقوله تعالى :{ إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله } .
والثالث : أن يكون الضرر من الزوجة خاصة ، فأجازه الجمهور لظاهر هذه الآية .
والرابع : أن يكون الضرر من الزوج خاصة : فمنعه الجمهور لقوله تعالى :{ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج }[ النساء :20 ] وأجازه أبو حنيفة مطلقا ، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسنة .