ثم نمضي مع السياق في أحكام الطلاق :
( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا . . إن ظنا أن يقيما حدود الله . وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) . .
إن الطلقة الثالثة - كما تبين - دليل على فساد أصيل في هذه الحياة لا سبيل إلى إصلاحه من قريب - إن كان الزوج جادا عامدا في الطلاق - وفي هذه الحالة يحسن أن ينصرف كلاهما إلى التماس شريك جديد . فأما إن كانت تلك الطلقات عبثا أو تسرعا أو رعونة ، فالأمر إذن يستوجب وضع حد للعبث بهذا الحق ، الذي قرر ليكون صمام آمن ، وليكون علاجا اضطراريا لعلة مستعصية ، لا ليكون موضعا للعبث والتسرع والسفاهة .
ويجب حينئذ أن تنتهي هذه الحياة التي لا تجد من الزوج احتراما لها ، واحتراسا من المساس بها .
وقد يقول قائل : وما ذنب المرأة تهدد حياتها وأمنها واستقرارها بسبب كلمة تخرج من فم رجل عابث ؟ ولكننا نواجه واقعا في حياة البشر . فكيف يا ترى يكون العلاج ، إن لم نأخذ بهذا العلاج ؟ تراه يكون بأن نرغم مثل هذا الرجل على معاشرة زوجة لا يحترم علاقته بها ولا يوقرها ؟ فنقول له مثلا : إننا لا نعتمد طلاقك هذا ولا نعترف به ولا نقره ! وهذه هي امرأتك على ذمتك فهيا وأمسكها ! . . كلا إن في هذا من المهانة للزوجة وللعلاقة الزوجية ما لا يرضاه الإسلام ، الذي يحترم المرأة ويحترم علاقة الزوجية ويرفعها إلى درجة العبادة لله . . إنما تكون عقوبته أن نحرمه زوجه التي عبث بحرمة علاقاتها معه ؛ وأن نكلفه مهرا وعقدا جديدين أن تركها تبين منه في الطلقتين الأوليين ؛ وأن نحرمها عليه في الطلقة الثالثة تحريما كاملا - إلا أن تنكح زوجا غيره - وقد خسر صداقها وخسر نفقته عليها ؛ ونكلفه بعد ذلك نفقة عدة في جميع الحالات . . والمهم أن ننظر إلى واقع النفس البشرية ؛ وواقع الحياة العملية ؛ لا أن نهوم في رؤى مجنحة ليست لها أقدام تثبت بها على الأرض ، في عالم الحياة !
فإذا سارت الحياة في طريقها فتزوجت بعد الطلقة الثالثة زوجا آخر . ثم طلقها هذا الزوج الآخر . . فلا جناح عليها وعلى زوجها الأول أن يتراجعا . . ولكن بشرط :
( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) . .
فليست المسألة هوى يطاع ، وشهوة تستجاب . وليسا متروكين لأنفسهما وشهواتهما ونزواتهما في تجمع أو افتراق . إنما هي حدود الله تقام . وهي إطار الحياة الذي إن أفلتت منه لم تعد الحياة التي يريدها ويرضى عنها الله .
( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) . .
فمن رحمته بالعباد أنه لم يترك حدوده غامضة ولا مجهولة . إنما هو يبينها في هذا القرآن . يبينها لقوم يعلمون فالذين يعلمون حق العلم هم الذين يعلمونها ويقفون عندها ؛ وإلا فهو الجهل الذميم ، وهي الجاهلية العمياء !
{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إ ظنا أن يقيما حدود الله يبينها لقوم يعلمون( 230 ) }
بين الله سبحانه في الآيات السابقة طريق إيقاع الطلاق وأنه يكون على دفعات لا دفعة واحدة .
ثم اتبع ذلك بيان حكم الفراق إذا كان بافتداء المرأة نفسها من الرجل .
وفي هذه الآية الكريمة يبين الله سبحانه حكم الطلاق المكمل الثلاث فقال تعالى :
{ فإن طلقها فلا تحل له من حتى تنكح زوجا غيره . . . }
أي فإن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له مراجعتها بعد كل منهما ، فإنه في هذه الحالة تكون زوجته محرمة عليه ، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا شرعيا صحيحا بأن يدخل بها ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم .
{ فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله } .
فإن طلقها الزوج الثاني ، وانقضت عدتها منه فلا إثم على المرأة وزجها الأول أن يتراجعا بعقد جديد إن ظنا أن يقيما حدود الله ويتعاشرا بالمعروف ويحرص كل منهما على القيام بواجب الزوجية .
قال سعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير : النكاح في الآية : العقد الصحيح فهو كاف في التحليل للأول وإن لم يجامعهما ، ما لم يرد بالعقد مجرد إحلالها للأول . وإطلاق النكاح على العقد معروف لغة وشرعا . ولكن هذا الرأي ضعيف لمخالفته لما جاءت به السنة الصحيحة ، وللحكمة المقصودة من هذا الزواج ، وهي تخويف الناس من البت في الطلاق حتى لا تصير نساؤهم إلى هذا المصير ، ولتأديب من بت طلاق امرأته .
" روى الإمام أحمد عن عائشة قالت : دخلت امرأة رفاعة القرضي ، وأنا وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن رفاعة طلقني ألبتة ، وأن عبد الرحمان بن الزبير تزوجني ، وإنما عنده مثل الهدبة ، وأخذت هدبة من جلبابها ، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له فقال : يا أبا بكر ، ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " رواه البخاري ، وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم : " إن رفاعة طلقها آخر ثلاث طلقات " وقد رواه الجماعة إلا أبا داود( 262 ) .
وإذا تزوجها الزوج الثاني بقصد إحلالها للزوج لأول فقد قال أبو حنيفة وأصحابه : النكاح جائز للأول إن دخل بها الثاني وطلقها وله أن يمسكها إن شاء .
وفي رواية أخرى عنهم لا تحل للأول إن تزوجها ليحلها له . ولم يختلفوا في أن نكاح الزوج الثاني صحيح .
وحكى الماوردي عن الشافعي : أنه إن شرطا التحليل قبل العقد ، صح النكاح وأحلها للأول وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول .
وقد جاء في تفسير القرطبي ما يأتي : " قال ابن العربي : ما مرت في الفقه مسألة أعسر منها ، وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها ؟ فإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد . وإن قلنا الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال لأنه آخر ذوق العسيلة على مقالة الحسن . قال ابن المنذر : ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد ابن المسيب قال : أما الناس فيقولون : لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني ، وأنا أقول : إذا تزوجها تزوجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها ، فلا بأس أن يتزوجها الأول . وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج ، والستة مستغنى بها عما سواها( 253 ) .
من الناس من يتخذ آيات الله هزوا فإذا حرمت المرأة على زوجها بعد الطلاق ثلاثا تحايل على إحلالها للزوج الأول بزواج صوري . وقد ورد الأحاديث الصحيحة تنهي على هذا العمل . قال ابن كثير في تفسيره :
( فصل ) والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة قاصدا لدوام عشرتها ، كما هو المشروع من التزويج ، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطئا مباحا ، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائضا أو نفساء ، أو والزوج صائم أو محرم أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء .
واشترط الحسن البصري فيما حكاه عن الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني ، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة والسلام " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " .
فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه ، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة فروى الإمام أحمد عن عبد الله قال :
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة ، والواصلة والمستوصلة ، والمحلل والحلل له وآكل الربا وموكله " . رواه الترمذي والنسائي . ( '264 ) .
ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ، قال : والعمل على هذا هند أهل العلم من الصحابة منهم : عمر وعثمان وبن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : هو المحلل ، لعن الله المحلل والمحلل له " ( 265 ) .
وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له " ( 266 ) .
وروى الحاكم عن نافع قال : " جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه هل تحل للأول ؟ فقال : لا ، إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه( 267 ) وهذه الصيغة مشعرة بالرفع .
وروي عن عمر أنه قال : لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما .
وروى البيهقي عن سليمان بن يسار : أن عثمان بن عفاف رفع إليه رجل تزوج امرأته ليحلها لزوجها ، ففرق بينهما وكذا روى عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة " ( 268 ) .
{ تلك حدود الله يبينها لقوم لا يعلمون }
أي وتلك الأحكام المذكورة التي تتصل بالنكاح والطلاق والرجعة والخلع ، وغير ذلك هي حدود الله وأحكامه بينها بيانا واضحا مفصلا ، لقوم يعلمون حقها وأهميتها ، فيحافظون عليها ويتعهدون بتنفيذها ، وذلك لا يدركه إلا عالم متدبر أما الجاهل فلا ينظر إلى العواقب ولا يحافظ على حدود الله .
وتكررت جملة : { تلك حدود الله } في أحكام الطلاق لإبراز أهميتها ، وإظهار الذنب الكبير في مخالفتها .
{ فإن طلقها } هذه هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله :{ الطلاق مرتان } .
{ حتى تنكح زوجا غيره } أجمعت الأئمة على أن النكاح هنا هو العقد مع الدخول والوطىء ، لقوله صلى الله عليه وسلم للمطلقة ثلاثا حين أرادت الرجوع إلى مطلقها قبل أن يمسها الزوج الآخر : " لا ، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " ، وروي عن سعيد بن المسيب : أن العقد يحلها دون وطىء ، وهو قول مرفوض لمخالفته للحديث ، وخرقه للإجماع ، وإنما تحل عند مالك إذا كان النكاح صحيحا لا شبهة فيه ، والوطء مباحا في غير حيض ولا إحرام ولا اعتكاف ولا صيام ، خلافا لابن الماجشون في الوطء غير المباح ، وأما نكاح المحلل فحرام ، ولا تحل الزوجة لزوجها عند مالك ، خلافا لأبي حنيفة والمعتبر في ذلك نية المحلل لا نية المرأة ، ولا المحلل له ، وقال قوم من نوى التحليل منهم أفسد .
{ فإن طلقها } يعني هذا الزوج الثاني .
{ فلا جناح عليهما } أي : على الزوجة والزوج الأول .
{ أن يقيما حدود الله } أي : أوامره فيما يجب من حقوق الزوجة .