في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (67)

يمضي هذا الدرس في بيان حال أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - وكشف الانحراف فيما يعتقدون ، وكشف السوء فيما يصنعون ؛ في تاريخهم كله - وبخاصة اليهود - كما يمضي في تقرير نوع العلاقة بنيهم وب إنه الأمر الجازم الحاسم للرسول [ ص ] أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملا ، وألا يجعل لأي اعتبار من الاعتبارات حسابا وهو يصدع بكلمة الحق . . هذا ، وإلا فما بلغ وما أدى وما قام بواجب الرسالة . . والله يتولى حمايته وعصمته من الناس ، ومن كان الله له عاصما فماذا يملك له العباد المهازيل !

إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم ! إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة ؛ وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء ؛ وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل ؛ فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء ؛ ولا تراعي مواقع الرغبات ؛ إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ . .

وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى . . وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان ؛ وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة !

( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) . .

وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة . . والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها ، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق !

إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة ، لا يعني الخشونة والفظاظة ؛ فقد أمر الله رسوله [ ص ] أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق . فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه . والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة ، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها . فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول . . ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول [ ص ] يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة ، فكان مأمورا أن يقول : ( يا أيها الكافرون : لا أعبد ما تعبدون . . ) فيصفهم بصفتهم ؛ ويفاصلهم في الأمر ، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه ، ولا يدهن فيدهنون ، كما يودون ! ولا يقول لهم : إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه ، بل يقول لهم : إنهم على الباطل المحض ، وإنه على الحق الكامل . . فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة ، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة . .

وهذا النداء ، وهذا التكليف ، في هذه السورة :

( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته - والله يعصمك من الناس . . إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (67)

المفردات :

يعصمك : يحفظك وينجيك .

التفسير :

67- يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ . . .

وردت روايات في سبب نزول هذه الآية منها : أن رجلا حاول قتل النبي صلى الله عليه وسلم فحال بينه وبين ما يريد ، فأنزل الله تعالى هذه الآية كما ورد في تفسير ابن كثير وأورد الفخر الرازي عشرة أقوال في سبب نزولها ثم قال : واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمل الآية على أن الله تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير ، وما بعدها بكثير لما كان كلاما عن اليهود و النصارى ، امتنع القاء هذه الاية الواحدة على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها . . .

فالآية عامة لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالمضي في تبليغ رسالته بدون خوف من أعدائه .

لقد ناداه الله بعنوان الرسالة في هذه السورة الكريمة مرتين .

دعاه في الأولى منها إلى عدم الحزن على مسارعة الكفار في إنكار رسالته .

ودعاه في هذه الآية إلى تبليغ جميع ما أنزل عليه من الآيات البينات ؛ لعموم رسالته للبشر أجمعين .

والمعنى : يأيها الرسول الكريم المرسل ، إلى الناس جميعا ، بلغ . أي : أوصل إليهم ما أنزل إليك من ربك . أي : كل ما أنزل إليك من ربك من الأوامر والنواهي والأحكام والآداب والأخبار . . دون أن تخشى أحدا إلا الله .

وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ . وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك من ربك ؛ كنت كمن لم يبلغ شيئا مما أوحاه الله إليه ، لأن ترك بعض الرسالة يعتبر تركا لها كلها ، وتقصيرا في أداء الأمانة ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أو يقصر في حق الله تعالى .

جاء في الصحيحين أن سائلا سأل الإمام عليا رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما كان في كتاب الله ؟ فقال : لا والذي فلق الحبو وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن . {[292]} .

وروى البخاري والترمذي : " من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب " {[293]} .

لقد قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . ( الحجر : 9 ) وفيها دلالة على ان الله تعالى تكفل بحفظ كتابه الذي أمر الرسول بتبلغه فبلغه .

قال الزهري- فيما رواه البخاري_ من الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم ، وقد شهدت أمته له بتبليغ الرسالة في حجة الوداع ، وقد أدى هذه الشهادة أربعون ألفا حضروا معه حجة الوداع .

وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . أي : بلغ الرسالة والله تعالى- يحفظ من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشيء من شبهاتهم واعتراضاتهم ، ويصون حياتك من أن يعتدي عليها أحد بالقتل أو الإهلاك .

وهذا لا ينافي ما تعرض له- صلى الله عليه وسلم-من بأساء و ضراء و أذى بدني ، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه ، و شج وجهه ، و كسرت رباعيته في غزوة أحد ، و المراد بالناس هنا : المشركون و المنافقون و اليهود ومن على شاكلتهم في الكفر و الضلال و العناد .

ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد عصم الله تعالى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يصيبنا قتل أو إهلاك على أيدي الناس مهما دبروا له من مكر وكيد ، لقد نجاه من كيدهم عندما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة .

ونجاه من كيد اليهود عندما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم .

ونجاة من مكرهم عندما وضعت إحدى نسائهم السم في طعام قدم إليه ، إلى غير ذلك من الأحداث التي نجاه الله منها .

وقد أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى نزلت وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : " أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله "

إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . تذييل قصد به تعليل عصمته صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت قلبه ، أي : إن الله – تعالى- لا يهدي القوم الكافرين إلى طريق الحق بسبب عنادهم وإيثارهم العمى على الرشد . . . ولا يواصلهم إلى ما يريدون من قتلك ، ومن القضاء على دعوتك بل سينصرك عليهم ويجعل العاقبة لك .


[292]:لا والذي فلق الحب وبرأ النسمة: رواه البخاري في الجهاد (3047) وفي الديات (6915،6903) والترمذي في الديات (1412) والنسائي في القسامة (4735) والدرامي في الديات (2356) وأحمد في مسنده (600) من حديث أبي جحيفة قال قلت لعلي يا أمير المؤمنين هل عندكم سوداء في بيضاء ليس في كتاب الله قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما علمته إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في الصحيفة قلت وما في الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مؤمن بكافر. وقال أبو عيسى حديث على حديث حسن صحيح ورواه مسلم في الإيمان (78) من حديث أبي ذر قال قال على والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلى أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.
[293]:من حدثك أن محمدا صلى الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا: رواه البخاري في تفسير القرآن (2356) وفي التوحيد (7531) ومسلم في الإيمان (177) والترمذي في تفسير القرآن (3278،3068) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب والله يقول{يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك} الآية.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (67)

{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أمر بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال ، لأنه كان قد بلغ وإنما أمر هنا ألا يتوقف عن شيء مخافة أحد .

{ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } هذا وعيد على تقدير عدم التبليغ ، وفي ارتباط هذا الشرط مع جوابه قولان :

أحدهما : أن المعنى إن تركت منه شيئا ، فكأنك لم تبلغ شيئا ، وصار ما بلغت لا يعتد به ، فمعنى إن لم تفعل : إن لم تستوف التبليغ على الكمال ، والآخر : أن المعنى إن لم تبلغ الرسالة وجب عليك عقاب من كتمها ، ووضع السبب موضع المسبب .

{ والله يعصمك من الناس } وعد وضمان للعصمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف أعداءه ويحترس منهم في غزواته وغيرها ، فلما نزلت هذه الآية قال : " يا أيها الناس انصرفوا فإن الله قد عصمني وترك الاحتراس " .