ولا بد أن يكون القوم قد عجبوا - كما عجب قوم نوح من قبل - من هذا الاختيار ، ومن تلك الرسالة ، فإذا هود يكرر لهم ما قاله نوح من قبل ، كأنما كلاهما روح واحدة في شخصين :
( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ؟ ) . .
ثم يزيد عليه ما يمليه واقعهم . . واقع استخلافهم في الأرض من بعد قوم نوح ، وإعطائهم قوة في الأجسام وضخامة بحكم نشأتهم الجبلية ، وإعطائهم كذلك السلطان والسيطرة :
( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ، وزادكم في الخلق بسطة . فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) . . فلقد كان من حق هذا الاستخلاف ، وهذه القوة والبسطة ، أن تستوجب شكر النعمة ، والحذر من البطر ، واتقاء مصير الغابرين . وهم لم يأخذوا على الله عهداً : أن تتوقف سنته التي لا تتبدل ، والتي تجري وفق الناموس المرسوم ، بقدر معلوم . وذكر النعم يوحي بشكرها ؛ وشكر النعمة تتبعه المحافظة على أسبابها ؛ ومن ثم يكون الفلاح في الدنيا والآخرة .
لينذركم : الإنذار : هو الإخبار مع تخويف من العاقبة .
ءالاء الله : نعمه وفضله الكثير .
69- أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم . . . الآية .
أي : أكذبتم وتعجبتم أن جاءتكم هداية الله ورسالته ، على لسان رجل منكم ، تعرفون صدقه ونسبه وحسبه ؟
إن ما عجبتم له ليس موقع عجب ، بل هو عين الحكمة ، فقد اقتضت رحمة الله أن يرسل لعباده من بينهم ، من يرشدهم إلى الطريق القويم . الله أعلم حيث يجعل رسالته . ( الأنعام : 124 ) .
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح .
أي : جعلكم سكان الأرض بعد هلاك قوم نوح ، أو جعلكم ملوكا مستخلفين في الأرض من بعد قوم نوح ، الذين أغرقوا بالطوفان .
أي : زادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة ، أو زادكم بسطة في قوة أبدانكم ، وضخامة أجسامكم ، ومن حق هذا الاستخلاف وتلك القوة أن تقابلا بالشكر لله رب العالمين .
قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب :
( والبسطة في الخلق : الزيادة في بناء الجسد وقوته ، وهذه نعمة من نعم الله ، إذا صادفت عقلا راشدا ، وقلبا سليما ) ( 28 ) .
فاذكروا ءالاء الله لعلكم تفلحون .
أي : تذكروا نعم الله عليكم ، حيث جعلكم سكان الأرض بعد هلاك قوم نوح ، أو جعلكم ملوكا ، فاشكروا نعم الله عليكم ؛ حتى يزيدكم من نعمه ويكون لكم الفلاح والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة .
{ أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ } أي : كيف تعجبون من أمر لا يتعجب منه ، وهو أن اللّه أرسل إليكم رجلا منكم تعرفون أمره ، يذكركم بما فيه مصالحكم ، ويحثكم على ما فيه النفع لكم ، فتعجبتم من ذلك تعجب المنكرين .
{ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي : واحمدوا ربكم واشكروه ، إذ مكن لكم في الأرض ، وجعلكم تخلفون الأمم الهالكة الذين كذبوا الرسل ، فأهلكهم اللّه وأبقاكم ، لينظر كيف تعملون ، واحذروا أن تقيموا على التكذيب كما أقاموا ، فيصيبكم ما أصابهم ، { و } اذكروا نعمة اللّه عليكم التي خصكم بها ، وهي أن { زَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً } في القوة وكبر الأجسام ، وشدة البطش ، { فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ } أي : نعمه الواسعة ، وأياديه المتكررة { لَعَلَّكُمْ } إذا ذكرتموها بشكرها وأداء حقها { تُفْلِحُونَ } أي : تفوزون بالمطلوب ، وتنجون من المرهوب ، فوعظهم وذكرهم ، وأمرهم بالتوحيد ، وذكر لهم وصف نفسه ، وأنه ناصح أمين ، وحذرهم أن يأخذهم اللّه كما أخذ من قبلهم ، وذكرهم نعم اللّه عليهم وإدرار الأرزاق إليهم ، فلم ينقادوا ولا استجابوا .
قوله تعالى : { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم } ، يعني نفسه .
قوله تعالى : { لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء } ، يعني في الأرض .
قوله تعالى : { من بعد قوم نوح } ، أي : من بعد إهلاكهم .
قوله تعالى : { وزادكم في الخلق بصطة } ، أي : طولاً وقوة . قال الكلبي والسدي : كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع ، وقامة القصير ستون ذراعاً ، وقال أبو حمزة الثمالي : سبعون ذراعاً ، وقال مقاتل : كان طول كل رجل اثني عشر ذراعا ، وقال وهب : كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة ، كان عين الرجل يفرخ فيها الضباع ، وكذلك مناخرهم .
قوله تعالى : { فاذكروا آلاء الله } ، نعم الله ، واحدها ألى وإلى ، مثل معىً وأمعاء ، وقفا وأقفاء ، ونظيرها : { آناء الليل } ، واحدها أنى وإنى .
قوله : { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } أي أتعجبون من أن ينزل الله رسالته فيها موعظة وتذكير لكم على رجل من جنسكم تعرفون نسبه وخلقه لكي ينذركم بأس الله ويخوفكم عقابه فتهتدوا وتثوبوا إلى الله عابدين طائعين ؟ !
قوله : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة } إذ ، في محل نصب مفعول لا ذكروا ؛ أي اذكروا وقت استخلافكم .
فإن هودا عليه السلام يدعوا قومه أن يتذكروا منن اله عليهم ، لا رجم أنها منن عظمة تستوجب منهم الشكران لله والثناء عليه ؛ فقد جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح يخلفونهم في مساكنهم وفي الأرض من بعدهم . أو أنه جعلهم من بعدهم ملوكا وسادة . وكذلك ( زادهم في الخلق بسطة ) أي قوة وزيادة في الجسم ، أو طولا في الخلق وعظمته في الجسم . فقد قيل : كانت قامة الطويلة منهم مائة ذراع وقامة القصير ستين ذراعا . وقيل : كانت هامة الرجل منهم مثل القبة العظيمة . وقيل : كانوا كأنهم النخل الطوال ، وقيل غير ذلك من الأوصاف لقوم عاد في عظمة طولهم وضخامة أجسادهم وقوتهم الهائلة بما يميزهم في ذلك عن غيرهم من الناس . وذلك من منن الله عليهم التي تستوجب منهم الذكرى والشكر لله بإفادة في الإلهية والعبادة .
قوله : { فاذكروا الآلاء الله لعلكم تفلحون } الآلاء : النعم . وهي جمع ومفرده إلي ، بالكسر فسكون على وزن حمل . أو ألي ، بالضم فسكون على وزن قفل وأو إلى بالكسر ففتح ، مقصور . وفي الآية بيان لدعوة هود عليه الصلاة والسلام قومه أن يتذكروا ما أسبغ الله عليهم من نعمه العظيمة المميزة ، وذلك لما في تذكر هذه النعم ما يفضي إلى شكرهم الله واعترافهم بفضله وعطائه . ومن شكر الله واعتراف له بالفضل والمنة فقد أدرك الحقيقة ، وأيقن أن الله وحده المعبود دون أحد سواه من خلقه العبيد{[1448]} .