ويمضي إبراهيم في دعائه يذكر إسكانه لبعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور للبيت المحرم ، ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا القفر الجدب ليقوموا بها :
( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) . .
فهذا هو الذي من أجله أسكنهم هناك ، وهذا هو الذي من أجله يحتملون الجدب والحرمان .
فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم . .
وفي التعبير رقة ورفرفة ، تصور القلوب رفافة مجنحة ، وهي تهوي إلى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادى الجديب . إنه تعبير ندي يندي الجدب برقة القلوب . .
عن طريق تلك القلوب التي ترف عليهم من كل فج . . لماذا ؟ أليأكلوا ويطعموا ويستمتعوا ؟ نعم ! ولكن لينشأ عن ذلك ما يرجوه إبراهيم الشكور :
وهكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام . . إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة لله . ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض . . إنه شكر الله المنعم الوهاب .
وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة واضحة في موقف قريش جيرة البيت المحرم . . فلا صلاة قائمة لله ، ولا شكر بعد استجابة الدعاء ، وهوي القلوب والثمرات !
بواد : الوادي : كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل . والمراد به هنا : ما يحيط بالبيت الحرام .
تهوي إليهم : تسرع إليهم شوقا وحبا . يقال : هوى إليه يهوي هويا بضم الهاء ؛ إذا أسرع في السير .
{ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم . . . } .
عندما ترك إبراهيم هاجر ، وابنها إسماعيل ، وهو رضيع ؛ ليقيما في وادي مكة ، وليس بمكة في ذلك الوقت زرع ولا ماء ، ثم اتجه إبراهيم إلى ربه وقلبه يتحرق إشفاقا على زوجته وابنه فقال :
{ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } .
أي : ربنا إني استجابة لأمرك ؛ أسكنت بعض ذريتي ، بواد لا ماء فيه ولا زرع ، عند المكان الذي أعدته لبيتك المحرم ، رغبة في جوار بيتك ، وأملا في رعايتك وفضلك لهم .
{ ربنا ليقيموا الصلاة } . أي أسكنتهم بجوار بيتك المحرم ؛ ليتفرغوا لإقامة الصلاة في جوار بيتك ، وليعمروه بذكرك وطاعتك ، ودلت هذه الآية : أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة في غيرها .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة )29 .
{ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } .
أي : حرك الرغبة في قلوب بعض الناس ، من المؤمنين ؛ لتشتاق لزيارة هذا البيت ، وقد استجاب الله أيضا لهذه الدعوة ، وإنك لترى عجبا في موسم الحج ، وفي شهر رمضان ، بل وفي سائر شهور العام ؛ مئات وآلاف من الناس ، يقدمون معتمرين وحاجين وزائرين ، وطائفين وراكعين وساجدين ، ومعتكفين بهذا البيت العتيق ، وقد استقر في قلوبهم الإيمان والتبتل ، وظهر على وجوههم الصلاح وسيما العبادة .
{ وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } .
أي : وارزق من تركتهم وديعة في جوار بيتك ، من الثمرات المختلفة ما يغنيهم ويشبعهم ؛ لعلهم بهذا العطاء الجزيل ؛ يزدادون شكرا لك ، ومسارعة في طاعتك وعبادتك .
وقد استجاب الله دعاء إبراهيم فجعل البيت الحرام حرما آمنا ، تجبى إليه ثمرات كل شيء ؛ رزقا من لدنه .
وترى في البيت الحرام ، وحوله في مكة أم القرى أعجوبة الأعاجيب ، وهي اجتماع الفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية والشتوية في يوم واحد ، وبجودة متميزة ، وكثرة كافية ، في بلد غير ذي زرع ، وتجبى إليه الثمار من الشرق والغرب ؛ ليصبح من أغنى البلاد بالثمار والخيرات ، وسائر صنوف النعم .
ولقد كان من آثار دعوة إبراهيم عليه السلام ، أن هاجر عندما نفذ الماء منها ورأت رضيعها يتلوى من العطش ، صعدت على الصفا تبحث عن قادم ، ثم انطلقت إلى المروة باحثة عن قادم من البشر ، وكررت ذلك سبع مرات ، وجعل ذلك من مناسك الحج ؛ تخليدا لذكرى هاجر ، ثم أرسل الله ملاكا ، فحفر عند زمزم حتى ظهر الماء ؛ فشربت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة ، فإن هاهنا بيت الله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وأن الله لن يضيع أهله ، ثم إنه مرت بهم رفقة من قبيلة جرهم ؛ فقالوا لأم إسماعيل : أشركينا في مائك ؛ نشركك في ألباننا ؛ ففعلت ، فلما أدرك إسماعيل عليه السلام زوجوه امرأة منهم .
وقد زار إبراهيم عليه السلام ولده إسماعيل ، فوجده قد خرج للصيد ، ووجد زوجته شاكية متبرمة بالحياة معه ، فقال لها : إذا جاء إسماعيل ؛ قولي له : الشيخ يقرئك : السلام ، ويطلب منك أن تغير عتبة الدار ؛ فقال إسماعيل هذا أبي وقد أمرني أن أطلقك ؛ فطلقها إسماعيل وتزوج امرأة أخرى ، ولما زاره إبراهيم وجد زوجة راضية قانعة مؤمنة ، فقال لها : قولي لإسماعيل : ثبت عتبة الدار ، فقال لها إسماعيل : ذاك أبي وقد أمرني ألا أطلقك30 .
{ 37 } { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ }
وذلك أنه أتى ب " هاجر " أم إسماعيل وبابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو في الرضاع ، من الشام حتى وضعهما في مكة وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن ، ولا داع ولا مجيب ، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء فقال -متضرعا متوكلا على ربه : { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي } أي : لا كل ذريتي لأن إسحاق في الشام وباقي بنيه كذلك وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته ، وقوله : { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } أي : لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة .
{ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاة } أي : اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة لأن إقامة الصلاة من أخص وأفضل العبادات الدينية فمن أقامها كان مقيما لدينه ، { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } أي : تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه .
فأجاب الله دعاءه فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا صلى الله عليه وسلم حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي وإلى ملة أبيهم إبراهيم فاستجابوا له وصاروا مقيمي الصلاة .
وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب ، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام ، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه ، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة .
{ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } فأجاب الله دعاءه ، فصار يجبي إليه ثمرات كل شيء ، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت والثمار فيها متوفرة والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب .
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون
[ ربنا إني أسكنت من ذريتي ] أي بعضها وهو إسماعيل مع أمه هاجر [ بواد غير ذي زرع ] هو مكة [ عند بيتك المحرم ] الذي كان قبل الطوفان [ ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة ] قلوبا [ من الناس تهوي ] تميل وتحن [ إليهم ] قال ابن عباس لو قال أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم [ وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ] وقد فعل بنقل الطائف إليه