في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (178)

178

( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى : الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى . فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان . ذلك تخفيف من ربكم ورحمة . فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم . ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) . .

النداء للذين آمنوا . . بهذه الصفة التي تقتضي التلقي من الله ، الذي آمنوا به ، في تشريع القصاص . وهو يناديهم لينبئهم أن الله فرض عليهم شريعة القصاص في القتلى ، بالتفصيل الذي جاء في الآية الأولى . وفي الآية الثانية يبين حكمة هذه الشريعة ، ويوقظ فيهم التعقل والتدبر لهذه الحكمة ، كما يستجيش في قلوبهم شعور التقوى ؛ وهو صمام الأمن في مجال القتلى والقصاص .

وهذه الشريعة التي تبينها الآية : أنه عند القصاص للقتلى - في حالة العمد - بقتل الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى .

( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) . .

وهذ العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني . ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه ، فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضى والمودة . ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان وإجمال وإكمال . تحقيقا لصفاء القلوب ، وشفاء لجراح النفوس ، وتقوية لأواصر الأخوة بين البقية الأحياء .

وقد امتن الله على الذين آمنوا بشريعة الدية هذه بما فيها من تخفيف ورحمة :

( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) . .

ولم يكن هذا التشريع مباحا لبني إسرائيل في التوراة . إنما شرع للأمة المسلمة استبقاء للأرواح عند التراضي والصفاء .

( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) . .

وفوق العذاب الذي يتوعده به في الآخرة . . يتعين قتله ، ولا تقبل منه الدية . لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول ، نكث للعهد ، وإهدار للتراضي ، وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب ، ومتى قبل ولي الدم الدية ، فلا يجوز له أن يعود فينتقم ويعتدي .

ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام ؛ وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ؛ ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع . . إن الغضب للدم فطرة وطبيعة . فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص . فالعدل الجازم هو الذي يكسر شرة النفوس ، ويفثأ حنق الصدور ، ويردع الجاني كذلك عن التمادي ، ولكن الإسلام فيالوقت ذاته يحبب في العفو ، ويفتح له الطريق ، ويرسم له الحدود ، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع ، لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق .

وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة . نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . الآية . . قال ابن كثير في التفسير : " وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم . حدثنا أبو زرعة . حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير . حدثني عبد الله بن لهيعة . حدثني عطاء بن دينار . عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى )- يعني إذا كان عمدا - الحر بالحر . . . وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية - قبل الإسلام بقليل . فكان بينهم قتل وجراحات ، حتى قتلوا العبيد والنساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا . فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال ، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم ، والمرأة منا الرجل منهم . . فنزل فيهم : ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) . . منسوخة نسختها : ( النفس بالنفس ) . . وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله : ( النفس بالنفس )

والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس . . وأن لكل منهما مجالا غير مجال الأخرى . وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين ، أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك . فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدا . . فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي - كحالة ذينك الحيين من العرب - حيث تعتدي أسرة على أسرة ، أو قبيلة على قبيلة ، أو جماعة على جماعة . فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء . . فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك ، والعبد من هذه بالعبد من تلك ، والأنثى من هذه بالأنثى من تلك . وإلا فكيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة ؟

وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية ، ولا تعارض في آيات القصاص .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (178)

القصاص

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم( 178 ) ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون( 179 ) }

المفردات :

القصاص : المساواة والمماثلة ، وأصله من قص أثره إذا تبعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار .

القتلى : جمع قتيل ، والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى ، فالحر يقتل الحر ، والعبد يقتل العبد والأنثى بالأنثى .

التفسير :

{ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } .

وهذا العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني ، ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضا والمودة ، ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان ، وإجمال وإكمال تحقيقا لصفاء القلوب ، وشفاء لجراح النفوس وتقوية لأواصر الأخوة بين بقاء الأحياء ، وقد امتن الله على المؤمنين بهذا التشريع وبين ما فيه من رحمة بالأمة .

قال ابن عباس : { ذلك تخفيف من ربك ورحمة } . إشارة إلى الحكم بشرع القصاص والدية والعفو .

فإن هذه الأمة خيرت بينها توسعة وتيسيرا ولم يكن لليهود إلا القصاص ، ولم يكن للنصارى إلا العفو ، وإثبات الخيرة فضل من الرحمة في حقنا لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجا إلى المال وقد يكون القود آثر عنده إذا كان راغبا في التشفي ودفع الشر القاتل عن نفسه وقد يؤثر ثواب الآخرة فيعفوا عن القصاص وعن بدله جميعا وهو الدية( 44 ) .

{ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }

أي نوع من العذاب عديد الألم في الآخرة .

وعن قتادة : ( العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ، ولا يقبل منه الدية ) لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول نكث للعهود وإهدار للتراضي ، وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب ، ومتى قبل ولي الدم الدية ، فلا يجوز له أن بعود فينتقم ويعتدي .

ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام ، وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع : إن الغضب للدم فطرة وطبيعية . فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص . فالعدل الجازم هو الذي يكسر شره النفوس ، ويفتأ حنق الصدور ، ويردع الجاني كذلك عن التمادي . ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو ويفتح له الطريق ، ويرسم له الحدود ، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق .

وتذكر بعض الروايات أنة هذه الآية منسوخة . نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . . ( المائدة : 45 ) .

قال ابن كثير في التفسير : وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } . يعني إذا كان عمدا الحر بالحر ، وذلك أن حيين من العرب اقتتلا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل . فكان بينهما قتلى وجراحات حتى قتل العبيد النساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال ، فحلفوا ن يرضوا حتى يقتل بالعبد من ا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، فنزل فيهم { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } . منسوخة بقوله : { النفس بالنفس } .

وإذا علمنا أن النسخ في القديم كان يطلق على مجرد التخصيص أو التوضيح . . .

ولم يكن يعني النسخ عند الأصوليين : " وهو رفع حكم شرعي لاحق لحكم شرعي سابق " .

إذا علمن هذا ، وراعينا سبب النزول أدركنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس ، وأن لكل منها مجالا غير مجال الأخرى ، وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين ، أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين فيؤخذ الجاني ما دام لقتل عمدا ، فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء لجماعي كحالة ذينك الحيين من العرب حيث تعتدي أسرة على أسرة وقبيلة على قبيلة ، أو جماعة على جماعة . فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء ، فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه كالحر من تلك ، والعبد من هذه بالعبد من تلك ، والأنثى من هذه كالأنثى من تلك ، وإلا كيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة ؟ .

وإذ صح هذا انظر لا يكون هنا نسخ لهذه الآية ، ولا تعارض في آيات القصاص .