في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ} (180)

178

ثم يجيء تشريع الوصية عند الموت . . والمناسبة في جوها وجو آيات القصاص حاضرة :

كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت - إن ترك خيرا - الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين . فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه . إن الله سميع عليم . فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه . إن الله غفور رحيم . .

وهذه كذلك كانت فريضة . الوصية للوالدين والأقربين . إن كان سيترك وراءه خيرا . وفسر الخير بأنه الثروة . واختلف في المقدار الذي تجب عنده الوصية . والأرجح أنها مسألة اعتبارية بحسب العرف . فقال بعضهم لا يترك خيرا من يترك أقل من ستين دينارا ، وقيل ثمانين وقيل أربعمائة . وقيل ألف . . والمقدار الذي يعتبر ثروة تستحق الوصية لا شك يختلف من زمان إلى زمان ، ومن بيئة إلى بيئة .

وقد نزلت آيات المواريث بعد نزول آيات الوصية هذه . وحددت فيها أنصبة معينة للورثة ، وجعل الوالدان وارثين في جميع الحالات . ومن ثم لم تعد لهما وصية لأنه لا وصية لوارث . لقوله [ ص ] : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " . أما الأقربون فقد بقي النص بالقياس إليهم على عمومه . فمن ورثته آيات الميراث فلا وصية له ؛ ومن لم يرث بقي نص الوصية هنا يشمله . . وهذا هو رأي بعض الصحابة والتابعين نأخذ به .

وحكمة الوصية لغير الورثة تتضح في الحالات التي توجب فيها صلة القرابة البر ببعض الأقارب ، على حين لا تورثهم آيات الميراث لأن غيرهم يحجبهم . وهي لون من الوان التكافل العائلي العام في خارج حدود الوراثة . ومن ثم ذكر المعروف وذكر التقوى :

( بالمعروف حقا على المتقين ) . .

فلا يظلم فيها الورثة ، ولا يهمل فيها غير الورثة ؛ ويتحرى التقوى في قصد واعتدال ، وفي بر وإفضال . . ومع هذا فقد حددت السنة نسبة الوصية ، فحصرتها في الثلث لا تتعداه والربع أفضل . كي لا يضار الوارث بغير الوارث . وقام الأمر على التشريع وعلى التقوى ، كما هي طبيعة التنظيمات الاجتماعية التي يحققها الإسلام في تناسق وسلام .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ} (180)

الوصية

{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين( 180 ) فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم( 181 ) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم( 182 ) }

المفردات :

كتب : فوض .

خيرا : مالا كثيرا .

الوصية : الإيصاء والتوصية وتطلق على الموصى به من عين أو عمل .

المعروف : ما لا يستنكره الماس لقتله بالنسبة إلى ذلك الخير أو لكثرته التي تضر بالورثة ، وتقدر الكثرة باعتبار العرف وتقاس بحسب حال الشخص لدى الناس .

التفسير :

{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين } .

كتب الله عليكم أيها المؤمنون أنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت من مرض ثقيل ، أو شيخوخة مضعفة وكان عنده مال كثير قد جمعه من طريق حلال أن يوصي بجانب منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم وحاجتهم ، وأن تكون وصيته لهم بالعدل الذي لا مضارة فيه بين الأقارب والوصية على هذا الوجه تعتبر حقا واجبا على المتقين الذين اتخذوا التقوى والخشية من اله طريقا لهم .

والمراد بالمعروف هنا العدل الذي جاءت به الشريعة بألا يتجاوز بالوصية الثلث ، وألا يوصى الأغنياء ويترك الفقراء ، أو يوصى للقريب ويترك الأقرب مع أنه أشد فقرا ومسكنة .

قال القرطبي : اختلف العلماء في هذه الآية هل منسوخة أو محكمة فقيل هي محكمة ، ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين وفي القرابة غير الورثة ، قال الضحاك وطاوس الحسن واختاره الطبري( 51 ) .

" وجمهور المفسرين القدماء وفي مقدمتهم ابن عباس وابن عمروا على أن هذه الآية منسوخة بآيات الميراث في سورة النساء وسندهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فقال : " إن الله قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث فلا تجوز لوارث وصية " ( 52 ) أخرجه أحمد والترمذي وصححه ، والنسائي وابن ماجه ، وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبيهقي في سننه عن أبى أمامة الباهلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيه لوارث " ( 53 ) .

فهذا الحديث وذاك ، فهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن آية المواريث نسخت وجوب الوصية للوالدين والأقربين المأخوذة من هذه الآية( 54 ) .

وحكمة الوصية لغير الوارث تتضح في الحالات التي يحجب فيها بعض الأقارب من الميراث ، لأن وجود الأصل الوارث والفرع الوارث كالأب والابن يحجب الحواشي كالأعمام والأخوال .

فالوصية لون من ألوان التكافل العائلي العام في خارج حدود الوراثة .

وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " قال ابن عمر : ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا عندي وصيتي( 55 ) .