وبمناسبة الاختلاف بعد الرسل والاقتتال ، والكفر بعد مجيء البينات والإيمان . . بهذه المناسبة تجيء آية تتضمن قواعد التصور الإيماني ، وتذكر من صفات الله سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته ، وأوضح سماته . وهي آية جليلة الشأن ، عميقة الدلالة ، واسعة المجال :
( الله لا إله إلا هو الحي القيوم . لا تأخذه سنة ولا نوم . له ما في السماوات وما في الأرض . من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . وسع كرسيه السماوات والأرض ، ولا يؤوده حفظهما . وهو العلي العظيم ) . .
وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية . ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور ، فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل إلهام . الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله ، ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس ، ويتضح ، ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس ، ترتكن إلى الوضوح واليقين .
ولقد تحدثت فيما سبق عند تفسير سورة الفاتحة في أول الجزء الأول من هذه الطبعة من الظلال ، عن الأهمية البالغة لوضوح صفة الله - سبحانه - في الضمير الإنساني . بما أن الركام الذي كان يرين على هذا الضمير من تصورات الجاهلية كان معظمه ناشئا من غموض هذه الحقيقة ، ومن غلبة الخرافة والأسطورة عليها ؛ ومن الغبش التي يغشيها حتى في فلسفة أكبر الفلاسفة . . حتى جاء الإسلام فجلاها هذا الجلاء ، وأنقذ الضمير البشري من ذلك الركام الثقيل ، ومن ذلك الضلال والخبط في الظلماء !
وكل صفة من هذه الصفات التي تضمنتها هذه الآية تمثل قاعدة يقوم عليها التصور الإسلامي الناصع ، كما يقوم عليها المنهج الإسلامي الواضح .
فهذه الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة - بعد الرسل - كعقيدة التثليث المبتدعة من المجامع الكنسية بعد عيسى - عليه السلام - ولا لأي غبش مما كان يرين على العقائد الوثنية التي تميل إلى التوحيد ، ولكنها تلبسه بالأساطير ، كعقيدة قدماء المصريين - في وقت من الأوقات - بوحدانية الله ، ثم تلبيس هذه الوحدانية بتمثل الإله في قرص الشمس ! ووجود آلهة صغيرة خاضعة له !
هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي ؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها . فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية والعبادة . فلا يكون إنسان عبدا إلا لله ، ولا يتجه بالعبادة إلا لله ، ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله ، وما يأمره الله به من الطاعات . وعن هذا التصور تنشأ قاعدة : الحاكمية لله وحده . فيكون الله وحده هو المشرع للعباد ؛ ويجيء تشريع البشر مستمدا من شريعة الله . وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله ؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله ، ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله . . وهكذا إلى آخرما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء .
والحياة التي يوصف بها الإله الواحد هي الحياة الذاتية التي لم تأت من مصدر آخر كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق . ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - بالحياة على هذا المعنى . كما أنها هي الحياة الأزلية الأبدية التي لا تبدأ من مبدأ ولا تنتهي إلى نهاية ، فهي متجردة عن معنى الزمان المصاحب لحياة الخلائق المكتسبة المحددة البدء والنهاية . ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - كذلك بالحياة على هذا المعنى . ثم إنها هي الحياة المطلقة من الخصائص التي اعتاد الناس أن يعرفوا بها الحياة . فالله - سبحانه - ليس كمثله شيء ، ومن ثم يرتفع كل شبه من الخصائص التي تتميز بها حياة الأشياء ، وتثبت لله صفة الحياة مطلقة من كل خصيصة تحدد معنى الحياة في مفهوم البشر . . وتنتفي بهذا جميع المفهومات الأسطورية التي جالت في خيال البشر !
أما صفة( القيوم ) . . فتعني قيامه - سبحانه - على كل موجود . كما تعني قيام كل موجود به فلا قيام لشيء إلا مرتكنا إلى وجوده وتدبيره . . لا كما كان أكبر فلاسفة الإغريق - أرسطو - يتصور أن الله لا يفكر في شيء من مخلوقاته ، لأنه تعالى أن يفكر في غير ذاته ! ويحسب أن في هذا التصور تنزيها لله وتعظيما ؛ وهو يقطع الصلة بينه وبين هذا الوجود الذي خلقه . . وتركه . . فالتصور الإسلامي تصور إيجابي لا سلبي . يقوم على أساس أن الله - سبحانه - قائم على كل شيء ، وأن كل شيء قائم في وجوده على إرادة الله وتدبيره . . ومن ثم يظل ضمير المسلم وحياته ووجوده ووجود كل شيء من حوله مرتبطا بالله الواحد ؛ الذي يصرف أمره وأمر كل شيء حوله ، وفق حكمة وتدبير ، فيلتزم الإنسان في حياته بالمنهج المرسوم القائم على الحكمة والتدبير ؛ ويستمد منه قيمه وموازينه ، ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين .
وهذا توكيد لقيامه - سبحانه - على كل شيء ، وقيام كل شيء به . ولكنه توكيد في صورة تعبيرية تقرب للإدراك البشري صورة القيام الدائم . في الوقت الذي تعبر فيه هذه الصورة عن الحقيقة الواقعة من مخالفة الله - سبحانه - لكل شيء . . ( ليس كمثله شيء ) . . وهي تتضمن نفي السنة الخفيفة أو النوم المستغرق ، وتنزهه - سبحانه - عنهما إطلاقا . .
وحقيقة القيام على هذا الوجود بكلياته وجزئياته في كل وقت وفي كل حالة . . حقيقة هائلة حين يحاول الإنسان تصورها ، وحين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عد من الذرات والخلايا والخلائق والأشياء والأحداث في هذا الكون الهائل ؛ ويتصور - بقدر ما يملك - قيام الله - سبحانه - عليها ؛ وتعلقها في قيامها بالله وتدبيره . . إنه أمر . . أمر لا يتصوره الإدراك الإنساني . وما يتصوره منه - وهو يسير - هائل يدير الرؤوس . ويحير العقول ، وتطمئن به القلوب . .
( له ما في السماوات وما في الأرض ) . .
فهي الملكية الشاملة . كما أنها هي الملكية المطلقة . . الملكية التي لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة . وهي مفهوم من مفاهيم الألوهية الواحدة . فالله الواحد هو الحي الواحد ، القيوم الواحد ، المالك الواحد وهي نفي للشركة في صورتها التي ترد على أذهان الناس ومداركهم . كما أنها ذات أثر في إنشاء معنى الملكية وحقيقتها في دنيا الناس . فإذا تمحضت الملكية الحقيقية لله ، لم يكن للناس ملكية ابتداء لشيء . إنما كان لهم استخلاف من المالك الواحد الأصلي الذي يملك كل شيء . ومن ثم وجب أن يخضعوا في خلافتهم لشروطالمالك المستخلف في هذه الملكية . وشروط المالك المستخلف قد بينها لهم في شريعته ؛ فليس لهم أن يخرجوا عنها ؛ وإلا بطلت ملكيتهم الناشئة عن عهد الاستخلاف ، ووقعت تصرفاتهم باطلة ، ووجب رد هذه التصرفات من المؤمنين بالله في الأرض . . وهكذا نجد أثر التصور الإسلامي في التشريع الإسلامي ، وفي واقع الحياة العملية التي تقوم عليه . وحين يقول الله في القرآن الكريم : ( له ما في السماوات وما في الأرض ) . فإنه لا يقرر مجرد حقيقة تصورية اعتقادية ؛ إنما يضع قاعدة من قواعد الدستور للحياة البشرية ونوع الارتباطات التي تقوم فيها كذلك .
على أن مجرد استقرار هذه الحقيقة في الضمير . . مجرد شعور الإنسان بحقيقة المالك - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض . . مجرد تصور الإنسان لخلو يده هو من ملكية أي شيء مما يقال : إنه يملكه ؛ ورد هذه الملكية لصاحبها الذي له ما في السماوات وما في الأرض . . مجرد إحساسه بأن ما في يده عارية لأمد محدود ، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها له في الأجل المرسوم . . مجرد استحضار هذه الحقائق والمشاعر كفيل وحده بأن يطامن من حدة الشره والطمع ، وحدة الشح والحرص ، وحدة التكالب المسعور . وكفيل كذلك بأن يسكب في النفس القناعة والرضى بما يحصل من الرزق ؛ والسماحة والجود بالموجود ؛ وأن يفيض على القلب الطمأنينة والقرار في الوجدان والحرمان سواء ؛ فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع ؛ ولا يتحرق القلب سعارا على المرموق المطلوب !
( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ ) . .
وهذه صفة أخرى من صفات الله ؛ توضح مقام الألوهية ومقام العبودية . . فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية ؛ لا يتعدونه ولا يتجاوزونه ، يقفون في مقام العبد الخاشع الخاضع ؛ الذي لا يقدم بين يدي ربه ؛ ولا يجرؤ على الشفاعة عنده ، إلا بعد أن يؤذن له ، فيخضع للإذن ويشفع في حدوده . . وهم يتفاضلون فيما بينهم ، ويتفاضلون في ميزان الله . ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد . .
إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية . يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الاستفهام الاستنكارية ؛ التي توحي بأن هذا أمر لا يكون ؛ وأنه مستنكر أن يكون . فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ؟ وفي ظل هذه الحقيقة تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، فزعموا لله - سبحانه - خليطا يمازجه أو يشاركه بالبنوة أو بغيرها من الصور في أي شكل وفي أي تصور ، أو زعموا له - سبحانه - اندادا يشفعون عنده فيستجيب لهم حتما . أو زعموا له - سبحانه - من البشر خلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له . . في ظل هذه الحقيقة تبدو تلك التصورات كلها مستنكرة مستبعدة لا تخطر على الذهن ؛ ولا تجول في الخاطر ، ولا تلوح بظلها في خيال !
وهذه هي النصاعة التي يتميز بها التصور الإسلامي ؛ فلا تدع مجالا لتلبيس أو وهم ، أو اهتزاز في الرؤية ! الألوهية الوهية . والعبودية عبودية . ولا مجال لالتقاء طبيعتهما أدنى التقاء . والرب رب ، والعبد عبد . ولا مجال لمشاركة في طبيعتهما ولا التقاء .
فأما صلة العبد بالرب ، ورحمة الرب للعبد ، والقربى والود والمدد . . فالإسلام يقررها ويسكبها في النفس سكبا ؛ ويملأ بها قلب المؤمن ويفيضها عليه فيضا ؛ ويدعه يعيش في ظلالها الندية الحلوة . دون ما حاجة إلى خلط طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية . ودون ما حاجة إلى الغبش والركام والزغللة والاضطراب الذي لا تتبين فيه صورة واحدة واضحة ولا ناصعة ولا محددة !
( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) . .
وهذه الحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه ، وفي تحديد مقامه هو من إلهه . فالله يعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم . وهو تعبير عن العلم الشامل الكامل المستقصي لكل ما حولهم . فهو يشمل حاضرهم الذي بين أيديهم ؛ ويشمل غيبهم الذي كان ومضى والذي سيكون وهو عنهم محجوب . كذلك هو يشمل ما يعلمونه من الأمور وما يجهلونه في كل وقت . وهو على العموم تعبير لغوي يفيد شمول العلم وتقصيه . . أما هم فلا يعلمون شيئا إلا ما يأذن لهم الله أن يعلموه . .
وشطر الحقيقة الأول . . علم الله الشامل بما بين أيديهم وما خلفهم . . من شأنه أن يحدث في النفس رجة وهزة . النفس التي تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها الذي يعلم ما بين يديها وما خلفها . يعلم ما تضمر علمه بما تجهر . ويعلم ما تعلم علمه بما تجهل . ويعلم ما يحيط بها من ماض وآت مما لا تعلمه هي ولا تدريه . . شعور النفس بهذا خليق بأن يحدث فيها هزة الذي يقف عريانا بكل ما في سريرته أمام الديان ؛ كما أنه خليق بأن يسكب في القلب الاستسلام لمن يعرف ظاهر كل شيء وخافيه .
وشطر الحقيقة الثاني . . أن الناس لا يعلمون إلا ما شاء الله لهم أن يعلموه . . جدير بأن يتدبره الناس طويلا . وبخاصة في هذه الأيام التي يفتنون فيها بالعلم في جانب من جوانب الكون والحياة .
( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) . .
إنه - سبحانه - هو الذي يعلم وحده كل شيء علما مطلقا شاملا كاملا . وهو - سبحانه - يتأذن فيكشف للعباد بقدر عن شيء من علمه ؛ تصديقا لوعده الحق : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) . . ولكنهم هم ينسون هذه الحقيقة ؛ ويفتنهم ما يأذن الله لهم فيه من علمه . سواء كان هذا الذي أذن لهم فيه علم شيء من نواميس الكون وقوانينه ؛ أو رؤية شيء من غيبه في لحظة عابرة وإلى حد معين . . يفتنهم هذا كما يفتنهم ذاك ؛ فينسون الإإذن الأول الذي منحهم الإحاطة بهذا العلم . فلا يذكرون ولا يشكرون . بل يتبجحون وقد يكفرون .
إن الله سبحانه وهب الإنسان المعرفة مذ أراد إسناد الخلافة في الأرض إليه . ووعده أن يريه آياته في الآفاق وفي الأنفس ووعده الحق . وصدقه وعده فكشف له يوما بعد يوم ، وجيلا بعد جيل ، في خط يكاد يكون صاعدا أبدا ، عن بعض القوى والطاقات والقوانين الكونية التي تلزم له في خلافة الأرض ، ليصل بها إلى أقصى الكمال المقدر له في هذه الرحلة المرسومة .
وبقدر ما أذن الله للإنسان في علم هذا الجانب وكشف له عنه ، بقدر ما زوى عنه أسرارا أخرى لا حاجة له بها في الخلافة . . زوى عنه سر الحياة وما يزال هذا السر خافيا ، وما يزال عصيا ، وما يزال البحث فيه خبطا في التيه بلا دليل ! وزوى عنه سر اللحظة القادمة . فهي غيب لا سبيل إليه . والستر المسدل دونها كثيف لا تجدي محاولة الإنسان في رفعه . . وأحيانا تومض من وراء الستر ومضة لقلب مفرد بإذن من الله خاص ؛ ثم يسدل الستر ويسود السكون ؛ ويقف الإنسان عند حده لا يتعداه !
وزوى عنه أسرارا كثيرة . . زوى عنه كل ما لا يتعلق بالخلافة في الأرض . . والأرض هي تلك الذرة الصغيرة السابحة في الفضاء كالهباءة . .
ومع ذلك يفتن الإنسان بذلك الطرف من العلم ، الذي أحاط به بعد الأذن . يفتن فيحسب نفسه في الأرض إلها ! ويكفر فينكر أن لهذا الكون إلها ! وإن يكن هذا القرن العشرون قد بدأ يرد العلماء حقا إلى التواضعوالتطامن . فقد بدأوا يعلمون أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا ! وبقي الجهال المتعالمون الذين يحسبون أنهم قد علموا شيئا كثيرا !
( وسع كرسيه السماوات والأرض ، ولا يؤوده حفظهما ) . .
وقد جاء التعبير في هذه الصورة الحسية في موضع التجريد المطلق ؛ على طريقة القرآن في التعبير التصويري ، لأن الصورة هنا تمنح الحقيقة المراد تمثيلها للقلب قوة وعمقا وثباتا . فالكرسي يستخدم عادة في معنى الملك . فإذا وسع كرسيه السماوات والأرض فقد وسعهما سلطانه . وهذه هي الحقيقة من الناحية الذهنية . ولكن الصورة التي ترتسم في الحس من التعبير بالمحسوس أثبت وأمكن . وكذلك التعبير بقوله : ( ولا يؤوده حفظهما ) فهو كناية عن القدرة الكاملة . ولكنه يجيء في هذه الصورة المحسوسة . صورة انعدام الجهد والكلال . لأن التعبير القرآني يتجه إلى رسم صور للمعاني تجسمها للحس ، فتكون فيه أوقع وأعمق وأحس .
ولا حاجة بنا إلى كل ما ثار من الجدل حول مثل هذه التعبيرات في القرآن ، إذا نحن فقهنا طريقة القرآن التعبيرية ؛ ولم نستعر من تلك الفلسفات الأجنبية الغريبة التي أفسدت علينا كثيرا من بساطة القرآن ووضوحه .
ويحسن أن أضيف هنا أنني لم أعثر على أحاديث صحيحة في شأن الكرسي والعرش تفسر وتحدد المراد مما ورد منها في القرآن . ومن ثم أوثر أن لا أخوض في شأنها بأكثر من هذا البيان .
وهذه خاتمة الصفات في الآية ، تقرر حقيقة ، وتوحي للنفس بهذه الحقيقة . وتفرد الله سبحانه بالعلو ، وتفرده سبحانه بالعظمة . فالتعبير على هذا النحو يتضمن معنى القصر والحصر . فلم يقل وهو علي عظيم ، ليثبت الصفة مجرد إثبات . ولكنه قال : ( العلي العظيم ) ليقصرها عليه سبحانه بلا شريك !
إنه المتفرد بالعلو ، المتفرد بالعظمة . وما يتطاول أحد من العبيد إلى هذا المقام إلا ويرده الله إلى الخفض والهون ؛ وإلى العذاب في الآخرة والهوان . وهو يقول ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) . . ويقول عن فرعون في معرض الهلاك : إنه كان عاليا . .
ويعلو الإنسان ما يعلو ، ويعظم الإنسان ما يعظم ، فلا يتجاوز مقام العبودية لله العلي العظيم . وعندما تستقر هذه الحقيقة في نفس الإنسان ، فإنها تثوب به إلى مقام العبودية وتطامن من كبريائه وطغيانه ؛ وترده إلى مخافة الله ومهابته ؛ وإلى الشعور بجلاله وعظمته ؛ وإلى الأدب في حقه والتحرج من الاستكبار على عباده . فهي اعتقاد وتصور . وهي كذلك عمل وسلوك . .
وبعد ان أمر الله المؤمنين بالإنفاق في وجوه الخير وذكرهم بأهوال يوم القيامة أتبع ذلك بآية كريمة اشتملت على تمجيده سبحانه وتعالى فبينت كمال سلطانه وشمول علمه وسابغ نعمه على خلقه استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لك الخالق عز وجل بأكمل الصفات وأعظمها فيقول :
{ الله لا إله إلا الله هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظها وهو العلي العظيم }
قال بعضهم هذه آية الكرسي أفضل آية ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتاها أكثر منه على غيرها من الآيات هذا هو التحقيق في فضل بعض الآيات القرآنية على بعض وإنما كانت أفضل أنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى ، جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة القرآن -أي أفضله- وهي آية الكرسي " ( 12 ) .
و قد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله الجليلة أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل في قوله تعالى :
255- الله لا إله إلا هو الحي القيوم .
و لفظ الجلالة الله يقول العلماء إن أصله إله دخلت عليه أداة التعريف " أل " وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله .
قال القرطبي : قوله تعالى هذا الاسم أكبر أسمائه تعالى وأجمعها حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثن ولم يجمع فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو- سبحانه- ( 13 ) .
و لفظ إِلَه قالوا إنه من أله نفسه يأله أي عبد فالإله على هذا المعنى هو المعبود وقيل هو من أله أي تحير . . وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته سبحانه تحير فيها ولذا قيل : تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ( 14 ) .
و الحي أي الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء لها لم تحدث له الحياة بعد موت ولا يعتريه الموت بعد الحياة وسائر الأحياء سواء يعتريهم الموت والفناء .
و القيوم أي الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم والمعطي لهم ما به قوامهم وهو مبالغة في القيام " وأصله قيوم بوزن فيعول من قام بالأمر إذا حفظه ودبره " .
و المعنى : الله عز وجل هو الإله الحق المنفرد بالألوهية الذي لا يشاركه فيها سواه وهو المعبود بحق وكل معبود سواه باطل وهو ذو الحياة الكاملة وهو الدائم القيام بتدبير شؤون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم .
و الجملة الثالثة قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } وهي جملة سلبية مؤكدة للوصف الإيجابي السابق فإن قيامه على كل نفس بما كسبت وعلى تدبير شؤون خلقه يقضي ألا تتعرض له غفلة ولأن السنة والنوم من صفات الحوادث وهو سبحانه مخالف لها .
و السنة : الفتور الذي يكون في أول النوم مع بقاء الشعور والإدراك ويقال له غفوة يقال وسن الرجل يوسن وسنا وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس والمراد أنه سبحانه لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبدا ولا يحجب عمله شيء حجبا قصيرا أو طويلا ولا يدركه ما يدر ك الأجسام من الفتور أو النعاس أو النوم .
و تقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث نفي السنة يدل على نفي النوم بالأولى فنفيه ثانيا صريحا يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام يفيد التوكيد أي لا تأخذه سنة فضلا عن ان يأخذه نوم .
و في قوله : { لا تأخذه } دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذا وتقهر الكثير من أجناس المخلوقات قهرا ولكنه سبحانه وهو القاهر فوق عباده منزه عن ذلك ومبرأ من ان يعتريه ما يعتري الحوادث .
و قوله سبحانه في الجملة الرابعة : { له ما في السموات وما في الأرض } تقرير لانفراده بالالوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته وتعليل لاتصافه بالقيومية لأن من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قائما بتدبير أمرها .
والمراد بها فيهما ما هو اعم من جزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فالجملة الكريمة تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما في الوجود من شمس وقمر وحيوان وجماد وغير ذلك من المخلوقات وصدرت الجملة بالجار والمجرور " له " لإفادة القصر أي ملك السموات والأرض له وحده وليس لأحد سواه شيء معه .
و الاستفهام في قوله في الجملة الخامسة : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } للنفي والإنكار أي لا أحد يستطيع أن يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه ورضاه قال تعالى : { و كم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } ( النجم 26 ) .
و المقصود من هذه الجملة كما يقول الألوسي - بيان كبرياء شأنه- تعالى - وانه لا احد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة وفي ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله " ( 15 ) .
و قوله سبحانه في الجملة السادسة { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } تأكيد لكمال سلطانه في هذا الوجود وبيان لشمول عمله على كل شيء .
و الضمير في أيديهم ، خلفهم يعود إلى ما في قوله قبل ذلك : { له ما في السموات وما في الأرض } وعبر بضمير الذكور العقلاء تغليبا جانبهم على جانب غير العقلاء .
والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وما يعرفونه من شؤونهم الدنيوية وما لا يعرفونه .
و قوله تعالى في الجملة السابعة : { و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } معطوف على قوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } لأنه مكمل لمعناه ، والمراد بالعلم المعلوم والإحاطة بالشيء معناها العلم الكامل به .
أي : لا يعلمون شيئا من معلوماته سبحانه إلا بالقدر الذي أراد أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله فهو كقوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . . } ( الجن 26-27 ) .
فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله تعالى ولنقصان علم سواه إذ إن البشر لم يعطوا من العلم إلا القليل وهذا القليل ناقص لأنه ليس على إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشيء ووجوده وجنسه وكيفيته وغرضه المقصود به وبإيجاده ، إذ العلم الكامل بالشيء لا يكون إلا لله رب العالمين .
ثم قال تعالى في الجملة الثامنة : { وسع كرسيه السموات والأرض } .
قال الراغب : الكرسي في تعارف العامة اسم للشيء الذي يقعد عليه وهو في الأصل منسوب إلى الكرس أي الشيء المجتمع ومنه الكراسة لأنها تجمع العلم . . وكل مجتمع من الشيء كرس . . " ( 16 ) .
و للعلماء اتجاهان مشهوران في تفسير معنى الكرسي في الجملة الكريمة .
فالسلف يقولون : إن الله تعالى كرسيا ، علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف حقيقته لأن ذلك ليس في مقدور البشر .
و الخلف يقولون الكرسي في الآية كناية عن عظم السلطان ونفوذ القدرة وسعة العلم وكمال الإحاطة .
ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء في ذلك فقد قال رحمه الله وفي قوله : { وسع كرسيه } أربعة أوجه : أحدهما ان كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد . . .
و الثاني وسع علمه وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم .
و الثالث : وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك .
و الرابع : ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السماوات والأرض وهو إلى العرش كأصغر شيء وعن الحسن الكرسي هو العرش ( 17 ) .
هذا وقد ورى المفسرون عن ابن عباس أنه قال " كرسيه علمه " ( 18 ) ولعل تفسير الكرسي بالعلم كما قال حبر الامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة .
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال تعالى : { و لا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } يئوده معناه يثقله ويشق عليه يقال أدنى الأمر بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة .
العلي : هو المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد وعن إمارات النقص ودلالات الحدوث . وقيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة وعلو الشأن . . .
و المعنى ولا يثقله ولا يتبعه حفظ السموات والأرض ورعايتها وهو المتعالي عن الأشباه والنظائر المسيطر على خلقه العظيم في ذاته وصفاته ففي هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته وعظيم رعايته لخلقه وتنزيهه سبحانه عن مشابه الحوادث .
و بعد فهذه آية الكرسي التي اشتملت على عشر جمل كل جملة منها تشتمل على وصف أو أثر من صفات الله الجليلة ونعوته المجيدة وألوهيته الحقة وقدرته النافذة وعمله المحيط بكل شيء قد أقامت الأدلة الساطعة على وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة .
و قد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها وبلاغة تركيبها ووجوه فضلها ومن ذلك قول صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم فضلت هذه الآية على غيرها حتى ورد في فضلها ما ورد ؟ قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالهما على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العالمين فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار " .
و من الأحاديث التي ساقها الإمام ابن كثير في فضلها ما جاء عن أبي بن كعب ان النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي أية في كتاب الله أعظم ؟ قال الله ورسوله أعلم فرددها مرارا ثم قال آية الكرسي فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم – " ليهنك العلم أبا المنذر " ( 19 ) .
و أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي " ( 20 ) .
و روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ذات يوم على الناس فقال أيكم يخبرني بأعظم آية ؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : " أعظم آية في القرآن : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . . الآية " ( 21 ) .