في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ} (11)

( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ، ويذهب عنكم رجز الشيطان ، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) . .

أما قصة النعاس الذي غشي المسلمين قبل المعركة فهي قصة حالة نفسية عجيبة ، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره . . لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه ولم يتخذوا له عدته . . فإذا النعاس يغشاهم ، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم ؛ والطمأنينة تفيض على قلوبهم [ وهكذا كان يوم أحد . . تكرر الفزع ، وتكرر النعاس ، وتكررت الطمأنينة ] . . ولقد كنت أمر على هذه الآيات ، وأقرأ أخبار هذا النعاس ، فأدركه كحادث وقع ، يعلم الله سره ، ويحكي لنا خبره . . ثم إذا بي أقع في شدة ، وتمر عليّ لحظات من الضيق المكتوم ، والتوجس القلق ، في ساعة غروب . . ثم تدركني سنة من النوم لا تتعدى بضع دقائق . . وأصحوا إنساناً جديداً غير الذي كان . . ساكن النفس . مطمئن القلب . مستغرقاً في الطمأنينة الواثقة العميقة . . كيف تم هذا ? كيف وقع هذا التحول المفاجىء ? لست أدري ! ولكني بعدها أدرك قصة بدر وأحد . أدركها في هذه المرة بكياني كله لا بعقلي . وأستشعرها حية في حسي لا مجرد تصور . وأرى فيها يد الله وهي تعمل عملها الخفي المباشر . . ويطمئن قلبي . .

لقد كانت هذه الغشية ، وهذه الطمأنينة ، مدداً من أمداد الله للعصبة المسلمة يوم بدر :

( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) . .

ولفظ ( يغشيكم ) ولفظ ( النعاس ) ولفظ ( أمنة ) . . كلها تشترك في إلقاء ظل لطيف شفيف ؛ وترسم الظل العام للمشهد ، وتصور حال المؤمنين يومذاك ، وتجلي قيمة هذه اللحظة النفسية الفاصلة بين حال للمسلمين وحال .

وأما قصة الماء :

( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ، ويذهب عنكم رجز الشيطان ، وليربط على قلوبكم ، ويثبت به الأقدام ) . .

فهي قصة مدد آخر من أمداد الله للعصبة المسلمة ، قبيل المعركة .

قال علي بن طلحة ، عن ابن عباس قال : نزل النبي [ ص ] حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة وعصة ، وأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم : تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجنبين ? فأمطر الله عليهم مطراً شديداً ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان ، وثبت الرمل حين أصابه المطر ، ومشى الناس عليه والدواب ، فساروا إلى القوم ، وأمد الله نبيه [ ص ] بألف من الملائكة ، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة مجنبة " . .

ولقد كان ذلك قبل أن ينفذ رسول الله [ ص ] ما أشار به الحباب بن المنذر من النزول على ماء بدر ، وتغوير ما وراءها من القلب .

" والمعروف أن رسول الله [ ص ] لما صار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده - فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال : يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته ، منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه ، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة ? فقال : " بل منزل نزلته للحرب والمكيدة " . فقال : يا رسول الله ، ليس بمنزل ، ولكن سربنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب ونسقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء . فسار رسول الله [ ص ] ففعل ذلك " .

ففي هذه الليلة - وقبل إنفاذ مشورة الحباب بن المنذر - كانت هذه الحالة التي يذكر الله بها العصبة التي شهدت بدراً . . والمدد على هذا النحو مدد مزدوج : مادي وروحي . فالماء في الصحراء مادة الحياة ، فضلاً على أن يكون أداة النصر . والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يواجه المعركة . ثم هذه الحالة النفسية التي صاحبت الموقف ووسوس بها الشيطان ! حالة التحرج من أداء الصلاة على غير طهر لعدم وجود الماء [ ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم ، فقد جاء هذا متأخراً في غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة ] . وهنا تثور الهواجس والوساوس ، ويدخل الشيطان من باب الإيمان ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب ! والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها . . وهنا يجيء المدد وتجيء النجدة . .

( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ، ويذهب عنكم رجز الشيطان ، وليربط على قلوبكم ، ويثبت به الأقدام ) . .

ويتم المدد الروحي بالمدد المادي ؛ وتسكن القلوب بوجود الماء ، وتطمئن الأرواح بالطهارة ؛ وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسك الرمال .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ} (11)

{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أني مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان ( 12 ) ذَلِكَ بِأنهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإن اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 13 ) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأن لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ( 14 ) }

المفردات :

يعشيكم النعاس : أي : يغطيكم الله ويشملكم بالنعاس ، والنعاس : فتور في الحواس وأعصاب الرأس ، ويعقبه النوم ، يضعف الإدراك ولا يزيله .

أمنة منه : أي : أمنا من الله وطمأنينة .

رجز الشيطان : أي : وسوسته وتخويفهم لهم .

وليربط على قلوبكم : الربط : الشد ، ويقال لكل من صبر على أم ربط على قلبه .

التفسير :

{ 11 - إذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ . . . } الآية .

يمن الله تعالى على المؤمنين في هذه الغزوة بطائفة من النعم ، منها ما سبق إمدادهم بالملائكة للبشرى بالنصر ، وهنا ذكر منه أخرى ، وهي إرسال النعاس عليهم ليلة المعركة ؛ حتى تهدأ نفوسهم ، وتستريح أبدانهم ، وقد كانوا في حالة قلة من العدة والعدد أمام عدو كثير العدة والعدد ، ومن شأن هذه الحالة أن تذهب النعاس وأن تترك الإنسان يضرب أخماسا في أسداس فيحارب ليلة في غير حرب ، ثم يصبح عند لقاء العدو ضعيف القوة واهن البدن ، فكان من نعمة الله عليهم إرسال النعاس والنوم عليهم ليلة المعركة .

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود ، ولقد رأيناه وما فينا إلا نائم ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح .

وفي تفسير ابن كثير : وجاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق وهما يدعوان ، أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من النوم ، ثم استيقظ مبتسما ، فقال : أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع ! ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله تعالى : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } .

ومن المفسرين من ذهب إلى أن الله امتن عليهم بأن غشيهم النعاس بالليل ، أي : في ليلة المعركة ؛ حتى يستريحوا وتهدأ النفوس ، ويذهب عنهم القلق والاضطراب ، واستبعد أن ينزل النعاس عليهم أثناء المعركة ؛ لأنه معطل لهم .

ذهب إلى ذلك الفخر الرازي في تفسيره الكبير فقال :

1 – إن الخائف إذا خاف من عدوه ؛ فإنه لا يأخذه النوم ، وإذا نام الخائفون ؛ أمنوا ، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد نعمة من الله .

2 – إنهم ناموا نوما غير مستغرق بل كان نعاسا يذهب الإعياء والكلال ، ولو قصدهم العدو في هذه الحالة لعرفوا وصوله ، ولقدروا على دفعه .

3 – إنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة ، فلهذا السبب قيل : أن ذلك النعاس كان في حكم المعجز .

وقال الإمام محمد عبده : لقد قضت سنة الله في الخلق ، بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولا كبيرا ومصابا عظيما ؛ فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ، فيصبح خاملا ضعيفا ، وقد كان المسلمون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك ، إذ بلغهم أن جيشا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غذا ، فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد . . . ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس ، غشيهم فناموا واثقين بالله ، مطمئنين لوعده ، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها . . . .

والأستاذ عبد الكريم الخطيب : يرى أن النعاس الذي غشى المسلمين إنما كان ليلة الحرب ، لا في ميدان القتال ، كما يرى بعض المفسرين . . . لأن وقوع النوم والمعركة دائرة ، من عوامل الخذلان لا من عدة النصر .

كما جاء في التفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر :

إن النعاس كان في الليلة السابقة على القتال ، وإذا تأملنا في الموضوع وجدنا أنه ليس هناك ما يمنع أن يكون النعاس قد أصاب المقاتلين ليلة المعركة ، وأن يكون النعاس قد أصاب النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة المعركة ، كما أصاب بعض المسلمين على أنه استراحة يسيرة ، أو إغفاءة محدودة ، تهدأ فيها الأعصاب ، وتسكن النفس ، ويستجمع الجسم ثباته وقوته .

خصوصا أنه قد ورد في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد أخذته سنة من النوم صبيحة المعركة ، إننا نقيس الأمور بمقياس نظام الدنيا ، أما إذا كان الأمر بمقياس فضل الله ومنته ، فإنه يمكن أن يصيب النعاس الجيش في صبيحة المعركة خلال ربع ساعة ، أو أقل أو أكثر ، يوقتها العليم الخبير ، في وقت لا يضر باستعدادات الجيش ، ولا بعلمه أثناء القتال .

ويذكر الأستاذ سيد قطب : أن الإنسان أحيانا يكون مرهقا متعبا ثم يغفى إغفاءة يسيرة ، يقوم بعدها في غاية القوة والنشاط .

وقد مر بنا ما رواه ابن كثير من أنه جاء في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق وهما يدعوان ، أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من النوم ، ثم استيقظ مبتسما ، فقال : أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع ! ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قول الله تعالى :

{ سيهزم الجمع ويولون الدبر } . xv( القمر : 45 ) .

إن المعجزة : أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعى الرسالة ؛ تصديقا له في دعواه .

والمعونة : توفيق ونجاح يصيب بعض الصالحين في أعمالهم ، وقد كان النعاس معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم ومعونة للمؤمنين ، سواء أكان ذلك في الليل أم في النهار قبيل المعركة ، خاصة بعد أن امتن الله به عليهم وقال : إذ يغشيكم النعاس أمنة منه .

{ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان . . . }

تحكي الآية جوانب متعددة من فضل الله على المؤمنين في معركة بدر .

فقد أرسل الله عليهم النوم ليلة المعركة ، وأصبح بعضهم جنبا نتيجة الاحتلام في النوم ، وجاء الشيطان يوسوس لهم ويثبط همتهم ، فالماء شحيح قليل ، صحيح أنه يمكن الاستغناء عن الاغتسال والوضوء بالتيمم ، إلا أن المؤمن كما يقول الإمام فخر الدين الرازي : " يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب . . . " .

وكان جيش المسلمين قد نزل بعدوة الوادي القريبة من المدينة بعيدا عن الماء في أرض رملية وسبخة ، أما المشركون فقد نزلوا على ماء بدر بالعدوة القصوى في أرض جلدة .

فأصبح المسلمون لا يجدون الماء ليشربوا ويغتسلوا ويتوضئوا ، فكان هذا موقف مزرعة لأحاديث الشيطان النفسية ، ووسوسته للمؤمنين ، وتخويفه إياهم من العطش وغيره عند فقدهم الماء ، فأدرك الله المؤمنين بلطفه ، وأنزل عليهم من السماء مطرا سال به الوادي ، فشربوا واتخذوا الحياض على عدوة الوادي الدنيا ، واغتسلوا وتوضئوا وملئوا الأسقية ، وتلبدت الأرض السبخة وثبتت عليها الأقدام ، على حين كان المطر كارثة على المشركين ، فقد تحولت الجلدة إلى أوحال لا يقدرون معها على الحركة في القتال .

لقد كان الماء طهارة حسية من الحدث الأصغر والأكبر ، وطهارة نفسية رفعت روحهم المعنوية ، وجعلتهم في حالة من الصفاء والرغبة في التضحية والموت في سبيل الله ، وبهذا ذهب عنهم رجز الشيطان أي : وسوسته وأصل الرجز : الاضطراب ، يقال : ناقة رجزاء ؛ إذا تقارب خطوها واضطرب ؛ لضعفها ومن في قلبه رجز الشيطان ووسوسته ، ضعيف العزيمة ؛ لأن همته خائرة مترددة بين الإقدام والإحجام .

قال تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } . ( الأعراف : 201 ) .

{ وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } .

أي : ويقوى قلوبكم بالثقة في نصر الله ، وليوطنها على الصبر والطمأنينة .

وأصل الربط : الشد ، ويقال لكل من صبر على أمر : ربط قلبه عليه ، أي : حبس قلبه عن أن يضطرب أو يتزعزع ، ومنه قولهم : رجل رابط الجأش ، أي : ثابت متمكن . . .

{ ويثبت به الأقدام } . أي : أن الله أنزل عليهم المطر ليلة المعركة لتطهيرهم حسيا ومعنويا ، ولتقويتهم وطمأنتهم ، ولتثبيت الأقدام به حتى لا تسوخ في الرمال .

ومن جهة أخرى فإن طهارتهم الحسية والمعنوية ، وذهاب رجز الشيطان ووسوسته ، وقوة اليقين في القلب ورباطة الجأش ، من شأنها أن تثبت قدم المقاتل في مواطن القتال .

أي : أنه كان هناك تثبيت للأقدام حسيا بماء المطر حين يختلط بذرات التراب ، فلما أمسك المطر وسطعت الشمس ؛ جفت الأرض ، وصار على وجهها طبقة صلبة ، أشبه بالطين اللازب ، فثبتت عليه أقدامهم ، وكان هناك يقين القلب وطمأنينة النفس ، التي تؤدي بدورها إلى ثبات القدم ، بحيث يصبح المقاتل واثقا بنفسه ؛ لأنه يؤدى دورا في مرضاة الله وتوفيقه .

من كتب التفسير :

1 – جاء في تفسير ابن جرير الطبري : عن ابن عباس قال :

" نزل النبي صلى الله عليه وسلم حين سار إلى بدر ، والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة – أي : كثيرة مجتمعة – فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ ، فوسوس بينهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجنبين . فأمطر الله عليهم مطرا شديدا ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان ، وثبت الرمل حين أصابه المطر ، ومشى الناس عليه والدواب ، فساروا إلى القوم . . . xvi "

2 – جاء في تفسير ابن كثير ما يأتي :

" عن عروة بن الزبير قال : بعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبد بهم الأرض ، ولم يمنعهم من السير ، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه . . . " xvii