ثم يعود إلى الحديث عن النبوة وخصائصها الخلقية ؛ ليمد من هذا المحور خيوطا في التوجيه للأمانة ، والنهي عن الغلول ، والتذكير بالحساب ، وتوفية النفوس دون إجحاف :
( وما كان لنبي أن يغل . ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة . ثم توفى كل نفس ما كسبت ، وهم لا يظلمون ) . .
ولقد كان من بين العوامل التي جعلت الرماة يزايلون مكانهم من الجبل ، خوفهم ألا يقسم لهم رسول الله [ ص ] من الغنائم ! كذلك كان بعض المنافقين قد تكلموا بأن بعض غنائم بدر من قبل قد اختفت ؛ ولم يستحوا أن يهمسوا باسمه [ ص ] في هذا المجال .
فهنا يأتي السياق بحكم عام ينفي عن الأنبياء عامة إمكان أن يغلوا . . أي أن يحتجزوا شيئا من الأموال والغنائم أو يقسموا لبعض الجند دون بعض ، أو يخونوا إجمالا في شيء :
ما كان له . فهو ليس من شأنه أصلا ولا من طبعه ولا من خلقه . فالنفي هنا نفي لإمكان وقوع الفعل . وليس نفيا لحله أو جوازه . فطبيعة النبي الأمينة العادلة العفيفة لا يتأتى أن يقع منها الغلول ابتداء . . وفي قراءة : " يغل " على بناء الفعل لغير الفاعل . أي لا يجوز أن يخان . ولا أن يخفي عنه أتباعه شيئا . . فيكون نهيا عن خيانة النبي في شيء . وهو يتمشى مع عجز الآية . وهي قراءة الحسن البصري .
ثم يهدد الذين يغلون ، ويخفون شيئا من المال العام أو من الغنائم ، ذلك التهديد المخيف :
( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة . ثم توفى كل نفس ما كسبت ، وهم لا يظلمون ) . .
روى الإمام أحمد . حدثنا سفيان عن الزهري ، سمع عروة يقول : حدثنا أبو حميد الساعدي قال : استعمل رسول الله [ ص ] رجلا من الأزد يقال له ابن اللتيبة . على الصدقة . فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي إلي . فقام رسول الله [ ص ] على المنبر فقال : " ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي . أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدي إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده ، لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته ، وإن بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر " . . ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه . ثم قال : " اللهم هل بلغت ؟ " - ثلاثا - . . [ وأخرجه الشيخان ] وروى الإمام أحمد بإسناده ، عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله [ ص ] يوما فذكر الغلول ، فعظمه وعظم أمره . ثم قال : " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، فيقول : يا رسول الله أغثني . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة ، فيقول : يا رسول الله أغثني ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت . فيقول : يا رسول الله أغثني . فأقول : لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك " . . [ وأخرجه الشيخان من حديث أبي حيان ] . .
وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة الكندي . قال : قال رسول الله [ ص ] :
" يا أيها الناس . من عمل لنا منكم عملا ، فكتمنا منه مخيطا فما فوقه ، فهو غل يأتي به يوم القيامة " . . قال : فقام رجل من الأنصار أسود - قال مجاهد : هو سعد بن عبادة كأني أنظر إليه - فقال : يا رسول الله ، أقبل مني عملك . قال : " وما ذاك ؟ " قال : سمعتك تقول : كذاوكذا . قال : " وأنا أقول ذلك الآن . من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره . فما أوتي منه أخذه ؛ وما نهي عنه انتهى " . . [ ورواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي رافع ] . .
وقد عملت هذه الآية القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية الجماعة المسلمة ؛ حتى أتت بالعجب العجاب ؛ وحتى أنشأت مجموعة من الناس تتمثل فيهم الأمانة والورع والتحرج من الغلول في أية صورة من صوره ، كما لم تتمثل قط في مجموعة بشرية . وقد كان الرجل من أفناء الناس من المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة ، لا يراه أحد ، فيأتي به إلى أميره ، لا تحدثه نفسه بشيء منه ، خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب ، وخشية أن يلقى نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة ! فقد كان المسلم يعيش هذه الحقيقة فعلا . وكانت الآخرة في حسه واقعا ، وكان يرى صورته تلك أمام نبيه وأمام ربه ، فيتوقاها ويفزع أن يكون فيها . وكان هذا هو سر تقواه وخشيته وتحرجه . فالآخرة كانت حقيقة يعيشها ، لا وعدا بعيدا ! وكان على يقين لا يخالجه الشك من أن كل نفس ستوفى ما كسبت ، وهم لا يظلمون . .
روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال : لما هبط المسلمون المدائن ، وجمعوا الأقباض ، أقبل رجل بحق معه ، فدفعه إلى صاحب الأقباض . فقال والذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه . فقالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما والله لولا الله ما آتيتكم به . فعرفوا أن للرجل شأنا . فقالوا : من أنت ؟ فقال : لا والله لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرظوني ! ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه . فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه ، فسأل عنه فإذا عامر بن عبد قيس . .
وقد حملت الغنائم إلى عمر - رضي الله عنه - بعد القادسية ، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقومان بثمن . . فنظر - رضي الله عنه - إلى ما أداه الجند في غبطة وقال : " إن قوما أدوا هذا لأميرهم لأمناء " . .
وهكذا ربى الإسلام المسلمين تلك التربية العجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير .
{ وما كان لنبي أن يغل } أي يخون بكتمان شيء من الغنيمة عن أصحابه نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال الناس لعل النبى أخذها فنفى الله تعالى عنه الغلول وبين أته ما غل نبي والمعنى ما كان لنبي غلول { ومن يغلل يأت بما غل } حاملا له على ظهره { يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت } أي تجازى ثواب عملها { وهم لا يظلمون } لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا
قوله تعالى : ( وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) .
ذكر عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال : فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين . فقال أناس : لعل النبي صلى الله عليه و سلم أخذها . فأنزل الله تعالى ( وما كان لنبي أن يغل ) {[627]} وقوله ( يغل ) أي يخون ، من الغلول بمعنى الخيانة ، والمراد بها هنا من لغنيمة . وأصل الغلول أخذ الشيء خفية{[628]} .
وتأويل الآية أنه ما صح لنبي أن يخون شيئا من المغنم فيأخذه لنفسه من غير إطلاع أصحابه . وفي ذلك تنزيه للأنبياء عن الغلول . فإن النبوة والغلول لا يجتمعان لا جرم أن النبوة أعلى مراتب الشرف والجلال ، بل إنها أعلى المراتب الإنسانية في الدنيا والآخرة . فما يليق بنفس كريمة عالية فضلى أن تغل . وما يليق بأحد ولا طائفة من البشر أن تقدح في مقام النبوة المقدس الميمون فتتهمها بالغلول .
ولقد توعد الله الخائنين أهل الغلول بالعذاب الشديد يوم القيامة مما يدل على أن ذلك كبيرة من الكبائر . فقال سبحانه : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) أي يأتي الغال حاملا ما غله على ظهره وعنقه معذبا بحمله وثقله ، مرعوبا بصوت ما يحمله ، وهو تحيط به الفضيحة والعار على رؤوس الأشهاد . وفي فداحة الغلول وهول ما يجده الغال يوم القيامة روى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض- أو في الدار- فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعا ، فإذا قطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة " .
وروى أحمد عن المستور بن شداد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا ، أو ليست له زوجة فليتزوج ، أو ليس له خادم فليتخذ خادما ، أو ليس له دابة فليتخذ دابة ، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال " .
وروى أحمد أيضا عن أبي حميد الساعدي قل : استعمل رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فجاء قال : هذا لكم وهذا أهدي لي فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر فقال : " ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول : هذا لكم وهذا أهدي لي : أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته ، وإن بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر " ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة{[629]} إبطيه ، ثم قال : " اللهم هل بلغت " ثلاثا .
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ردوا الخياط والمخيط ، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة " {[630]} .
ويستفاد من هذه الآية جملة أحكام ، منها : أن أخذ الطعام وأخذ علف الدابة أو ما تيسر به الحوافل في حال القتال جائز ، على أن يكون ذلك بقدر الحاجة .
ومنها : إذا غل الرجل في المغنم ووجد ما غل أخذ منه وعوقب تعزيرا .
ومنها : أن الغال له أن يرد جميع ما غل قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك ، فإذا فعل ذلك كانت هذه توبة له وخروجا عن ذنبه .
ومنها : أن هدايا الولاة والقضاة والحكام غلول ، أي خيانة . وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال{[631]} .
قوله : ( ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) أي تعطى كل نفس جزاء ما كسبت من خير أو شر عطاء وافيا غير منقوص . وهذه الآية تعم كل الكاسبين من خير أو شر . وهي تتضمن بمفهومها الغال على الأولى ؛ لأن سياق الكلام هنا في الغلول . فما من غلول في المغنم وسائر وجوه الكسب الباطل والحرام إلا سيجزى مقارفة الغال ما يستحقه من الجزاء يوم القيامة . وحينئذ يجازي الله كل نفس بما كسبت من غير أن يحيق بأحد في ذلك ظلم .