وفي المشهد الثاني تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب ؛ ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجي . موج من فوقه موج . من فوقه سحاب . وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض ، حتى ليخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام !
إنه الكفر ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون . وضلال لا يرى فيه القلب أقرب علامات الهدى . ومخافة لا أمن فيها ولا قرار . . ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) . . ونور الله هدى في القلب ؛ وتفتح في البصيرة ؛ واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض ؛ والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض . فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها ، وفي مخالفة لا أمن فيها ، وفي ضلال لا رجعة منه . ونهاية العمل سراب ضائع يقود إلى الهلاك والعذاب ؛ لأنه لا عمل بغير عقيدة ، ولا صلاح بغير إيمان . إن هدى الله هو الهدى . وإن نور الله هو النور .
{ أو كظلمات } وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكافر { في بحر لجي } وهو البعيد القعر الكثير الماء { يغشاه } يعلوه { موج } وهو ما ارتفع من الماء { من فوقه موج } متراكم بعضه على بعض { من } فوق الموج { سحاب } وهذه كلها { ظلمات بعضها فوق بعض } ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر { إذا أخرج } الناظر { يده } بين هذه الظلمات { لم يكد يراها } لم يرها لشدة الظلمة وأراد بالظلمات أعمال الكفار وبالبحر اللجي قلبه وبالموج من فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة وبالسحاب الرين والختم على قلبه ثم قال { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } أي من لم يهده الله للإسلام لم يهتد
ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم لم يصلوا إلى شيء غير التعب ، المثمر للعطب ، وكان هذا لا يفعله بنفسه عاقل ، ضرب مثالاً آخر بين الحامل لهم على الوقوع في ممثول الأول ، وهو السير بغير دليل ، الموقع في خبط العشواء كالماشي في الظلام ، فقال عاطفاً على { كسراب } قوله : { أو } للتخيير ، أي أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب ، ولكونها خالية عن نور الحق { كظلمات } أو للتنويع ، فإنها إن كانت حسنة الظاهر فكالسراب ، أو قبيحة فكالظلمات ، أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة { في بحر } هو مثال قلب الكافر { لجي } أي ذي لج هو اللج ، إشارة إلى أنه عميق لا يدرك له قرار ، لأن اللج معظم الماء ، ويكون جمع لجة أيضاً ، والأوفق هنا أن يكون منسوباً إلى الجمع ، لأنه أهول ، والمقام للتهويل ، قال القزاز في ديوانه : ولجة البحر معروفة وهو المرضع الذي لا ترى منه أرضاً ولا جبلاً ، وبحر لجي : واسع اللجة ، وجمع اللجة لجج ولج . { يغشاه } أي يغطي هذا البحر ويعلوه ، أو يلحق الكائن فيه { موج } وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة ، كائن { من فوقه } أي هذا الموج { موج } آخر { من فوقه } أي هذا الموج الثاني المركوم على الأول { سحاب } قد غطى النجوم ، وهو مثال الرين والختم والطبع على القلب ، فلا سماء تبصر ولا أرض .
ولما كان هذا أمراً مهولاً ، أشار إلى هوله وتصويره بقوله : { ظلمات } أي من البحر والموجين والسحاب { بعضها } . ولما كان المراد استغراق الجهة ، لم يثبت الجار فقال : { فوق بعض } متراكمة ، فلذلك يبعد كل البعد أن ينفذ فيها بصر ، ولذلك قال : { إذا أخرج } أي الكائن في هذا البحر بدلالة المعنى وإن لم يجر له ذكر { يده } وهي أقرب شيء إليه { لم يكد } أي الكائن فيه { يراها } أي يقرب من ذلك فضلاً عن أن يكون ، لأن الله قد ستر عنه كل نور بهذه الظلمات المتكاثفة ، وهو مثال لعمله وأنه عدم لما تقدم من أن العدم كله ظلمة ، فلا عمل له يكون شيئاً ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه { ومن لم يجعل الله } أي الملك الأعظم { له نوراً } من الأنوار ، وهو قوة الإيجاد والإظهار { فما له من نور* } أصلاً ، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية ، لأنه قادر على ما يريد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.