لقد مضى في الحلقة السابقة حديث عن الذين يشرح الله صدورهم للإسلام ؛ فتبقى قلوبهم ذاكرة لاتغفل ؛ وأنهم ماضون إلى دار السلام ، منتهون إلى ولاية ربهم وكفالته . . فالآن يعرض الصفحة المقابلة في المشهد - على طريقة القرآن الغالبة في عرض " مشاهد القيامة " - يعرض شياطين الإنس والجن ، الذين قضوا الحياة يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً وخداعاً وإضلالاً ؛ ويقف بعضهم بمساندة بعض عدوا لكل نبي ؛ ويوحي بعضهم إلى بعض ليجادلوا المؤمنين في ما شرعه الله لهم من الحلال والحرام . . يعرضهم في مشهد شاخص حي ، حافل بالحوار والاعتراف والتأنيب والحكم والتعقيب ، فائض بالحياة التي تزخر بها مشاهد القيامة في القرآن .
( ويوم يحشرهم جميعا : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! وقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ! قال : النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - إن ربك حكيمعليم . . وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . . يا معشر الجن والإنس ، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ، وينذرونكم لقاء يومكم هذا ؟ قالوا : شهدنا على أنفسنا ! وغرتهم الحياة الدنيا ، وشهدوا على انفسهم أنهم كانوا كافرين ) . .
إن المشهد يبدأ معروضاً في المستقبل ، يوم يحشرهم جميعا . . ولكنه يستحيل واقعا للسامع يتراءى له مواجهة . وذلك بحذف لفظة واحدة في العبارة . فتقدير الكلام ، ( ويوم يحشرهم جميعا )- فيقول - ( يا معشر الجن والإنس . . . ) ولكن حذف كلمة - يقول - ينتقل بالتعبير المصور نقلة بعيدة ؛ ويحيل السياق من مستقبل ينتظر ، إلى واقع ينظر ! وذلك من خصائص التصوير القرآني العجيب . . .
فلنتابع المشهد الشاخص المعروض :
( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! ) . .
استكثرتم من التابعين لكم من الإنس ، المستمعين لإيحائكم ، المطيعين لوسوستكم ، المتبعين لخطواتكم . . وهو إخبار لا يقصد به الإخبار فالجن يعلمون أنهم قد استكثروا من الإنس ! إنما يقصد به تسجيل الجريمة - جريمة إغواء هذا الحشد الكبير الذي نكاد نلمحه في المشهد المعروض ! - ويقصد به التأنيب على هذه الجريمة التي تتجمع قرائنها الحية في هذا الحشد المحشود ! لذلك لا يجيب الجن على هذا القول بشيء . . ولكن الأغرار الأغمار من الإنس المستخفين بوسوسة الشياطين يجيبون :
( وقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ! ) .
وهو جواب يكشف عن طبيعة الغفلة والخفة في هؤلاء الأتباع ؛ كما يكشف عن مدخل الشيطان إلى نفوسهم في دار الخداع . . لقد كانوا يستمتعون بإغواء الجن لهم وتزيينه ما كان يزين لهم من التصورات والأفكار ، ومن المكابرة والاستهتار ، ومن الإثم ظاهره وباطنه ! فمن منفذ الاستمتاع دخل إليهم الشيطان ! وكانت الشياطين تستمتع بهؤلاء الأغرار الأغفال . . كانت تستهويهم وتعبث بهم ؛ وتسخرهم لتحقيق هدف إبليس في عالم الإنس ! وهؤلاء الأغرار المستخفون يحسبون أنه كان استمتاعا متبادلا ، وأنهم كانوا يمتعون فيه ويتمتعون ! ومن ثم يقولون :
( ربنا استمتع بعضنا ببعض ! ) . .
ودام هذا المتاع طوال فترة الحياة ، حتى حان الأجل ، الذي يعلمون اليوم فقط أن الله هو الذي أمهلهم إليه ؛ وأنهم كانوا في قبضته في أثناء ذلك المتاع :
( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) !
عند ذلك يجيء الحكم الفاصل ، بالجزاء العادل :
( قال : النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - )
فالنار مثابة ومأوى . والمثوى للإقامة . وهي إقامة الدوام . . ( إلا ما شاء الله ) لتبقى صورة المشيئة الطليقة هي المسيطرة على التصور الاعتقادي . فطلاقة المشيئة الإلهية قاعدة من قواعد هذا التصور . والمشيئة لا تنحبس ولا تتقيد . ولا في مقرراتها هي .
يمضي قدره بالناس عن حكمة وعن علم ؛ ينفرد بهما الحكيم العليم . .
{ ويوم يحشرهم جميعا } الجن والا نس فيقال لهم { يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي من إغوائهم وإضلالهم { وقال أولياؤهم } الذين أضلهم الجن { من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض } يعني طاعة الإنس للجن وقبولهم منهم ما كانوا يغرونهم به من الضلالة وتزيين الجن للإنس ما كانوا يهوونه حتى يسهل عليهم فعله { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } يعني الموت والظاهر أنه البعث والحشر { قال النار مثواكم } فيها مقامكم { خالدين فيها إلا ما شاء الله } من شاء الله وهم من سبق في علم الله أنهم يسلمون { إن ربك حكيم } حكم للذين استثنى بالتوبة والتصديق { عليم } علم ما في قلوبهم من البر
قوله تعالى : " ويوم نحشرهم{[6710]} " نصب على الفعل المحذوف ، أي ويوم نحشرهم نقول . " جميعا " نصب على الحال . والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة . " يا معشر الجن " نداء مضاف . " قد استكثرتم من الإنس " أي من الاستمتاع بالإنس ، فحذف المصدر المضاف إلى المفعول ، وحرف الجر ، يدل على ذلك قوله : " ربنا استمتع بعضنا ببعض " وهذا يرد قول من قال : إن الجن هم الذين استمتعوا من الإنس ؛ لأن الإنس قبلوا منهم . والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه . والتقدير في العربية : استمتع بعضنا بعضا ، فاستمتاع الجن من الإنس إنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم ، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم . وقيل : كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ برب{[6711]} هذا الوادي من جميع ما أحذر . وفي التنزيل : " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا{[6712]} " [ الجن : 6 ] . فهذا استمتاع الإنس بالجن . وأما استمتاع الجن بالإنس فما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر . وقيل : استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون . ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين . " وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا " يعني الموت والقبر ، ووافينا نادمين . " قال النار مثواكم " أي موضع مقامكم . والمثوى المقام . " خالدين فيها إلا ما شاء الله " استثناء ليس من الأول . قال الزجاج : يرجع إلى يوم القيامة ، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب ، فالاستثناء منقطع . وقيل : يرجع الاستثناء إلى النار ، أي إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات . وقال ابن عباس : الاستثناء لأهل الإيمان . ف " ما " على هذا بمعنى من . وعنه أيضا أنه قال : هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار . ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت ، إذ قد يسلم . وقيل : " إلا ما شاء الله " من كونهم في الدنيا بغير عذاب . ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في " هود " . قوله : " فأما الذين شقوا ففي النار " [ هود : 106 ] وهناك يأتي مستوفى إن شاء الله{[6713]} . " إن ربك حكيم " أي في عقوبتهم وفي جميع أفعاله " عليم " بمقدار مجازاتهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.