تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

{ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ْ } أي : استضافاهم ، فلم يضيفوهما { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ْ } أي : قد عاب واستهدم { فَأَقَامَهُ ْ } الخضر أي : بناه وأعاده جديدا . فقال له موسى : { لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ْ } أي : أهل هذه القرية ، لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم ، وأنت تبنيه من دون أجرة ، وأنت تقدر عليها ؟ . فحينئذ لم يف موسى عليه السلام بما قال ، واستعذر الخضر منه ، فقال له : { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ْ }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فانطلق موسى والعالم "حَتّى إذَا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعمَا أهْلَها "من الطعام، فلم يطعموهما، واستضافاهم "فَأبَوْا أن يُضَيّفُوهُما فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ" يقول: وجدا في القرية حائطا يريد أن يسقط ويقع يقال منه: انقضّت الدار: إذا انهدمت وسقطت... واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قول الله عزّ وجلّ يَرِيدُ أنْ يَنْقَضّ فقال بعض أهل البصرة: ليس للحائط إرادة ولا للمَوَات، ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة فهو إرادته...

وقال آخر منهم: إنما كلم القوم بما يعقلون، قال: وذلك لما دنا من الانقضاض، جاز أن يقول: يريد أن ينقضّ، قال: ومثله "تَكادُ السّمَواتُ يَتَفَطّرْنَ" وقولهم: إني لأكاد أطير من الفرح، وأنت لم تقرب من ذلك، ولم تهمّ به، ولكن لعظيم الأمر عندك... والذي نقول به في ذلك أن الله عزّ ذكره بلطفه، جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم، ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم... وكذلك قوله: "جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقضّ" قد علمت أن معناه: قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب جلّ ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضلّ فيه ذوو الجهالة والغبا.

وقوله: "فَأقامَهُ" ذكر عن ابن عباس أنه قال: هدمه ثم قعد يبنيه...

وقال آخرون في ذلك:... عن سعيد بن جبير "فوجدا فيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ" قال: رفع الجدار بيده فاستقام.

والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إن الله عزّ ذكره أخبر أن صاحب موسى وموسى وجدا جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه صاحب موسى، بمعنى: عَدَل مَيَله حتى عاد مستويا، وجائز أن يكون كان ذلك بإصلاح بعد هدم، وجائز أن يكون كان برفع منه له بيده، فاستوى بقدرة الله، وزال عنه مَيْلُه بلطفه، ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر للعذر قاطع بأيّ ذلك كان من أيّ.

وقوله: "قالَ لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا" يقول: قال موسى لصاحبه: لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامتك أجرا، فقال بعضهم: إنما عَنَى موسى بالأجر الذي قال له "لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا" القِرى: أي حتى يَقْرُونا، فإنهم قد أبوا أن يضّيفونا.

وقال آخرون: بل عنى بذلك العِوَض والجزاء على إقامته الحائط المائل...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فانْطَلَقا حتّى إذا أَتَيَا أهْلَ قريةٍ} سُمّي قريةً، وهي كانت مدينةً. ألا ترى أنه قال في آخره: {وأمّا الجِدارُ فكان لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المدينةِ} (الكهف: 82) دَلّ أنها كانت مدينةً. والعربُ قد تُسمِّي المدينةَ قريةً...

{اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفوهُما فَوَجَدَا فيها جِداراً يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ فأَقامَهُ} قال الحسن: كان الجِدارُ بهَيْئة عند الناظر أنّه يَسْقُط. وقال أبو بكر الأصم: {يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ} الإرادةُ صفةُ كلِّ فاعلٍ له حقيقةُ الفعلِ، أو ليس له حقيقةُ الفعلِ بعد أن يُضافَ إليه الفعلُ. ألا تَرى أنه (يقال عن الجِدار) سَقَطَ، وإن كان، في الحقيقة (لم) يَسقُطْ. وعندنا أنه إنما يقال ذلك لِقُرْبِ الحال وعند الإشراف على الهلاك والسُّقوط. ألا تَرى أن الرَّجل يقول: إني أردتُ أن أموتَ، وأردتُ أنْ أَهْلِكَ، وأردتُ أنْ أَسْقُطَ، وهو لا يريد الموتَ ولا السُّقوطَ، ولكنه يَذْكُر ذلك لإشرافه على الهلاك وقُرْبِ الحال إليه ليس على حقيقة الإرادة. فعلى ذلك قوله: {يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ} أي أَشْرَفَ، وقَرُبَ، على حال السُّقوطِ، والله أعلم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

كان واجباً في مِلَّتِهم على أهل القرية إطعامُهما، ولم يَعلَم موسى أنه لا جدوى من النَّكير عليهم؛ ولو كان أَغْضَى على ذلك منهم لكان أحسَن. فلمَّا أقام الخضرُ جدارَهم ولم يَطلب عليه أجراً لم يَقُل موسى إنك قُمْتَ بمَحظورٍ، ولكنه قال له: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي إنْ لم تَأخذْ بسببك فلو أخذتَ بسببِنا لَكان أَخْذُكَ خيراً لنا من ترْكك ذلك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللتَ بحقِّنا؟ ويقال إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديبٍ فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقّة، وإلاَّ فهو حين سَقى لِبَنات شُعَيْبٍ فإنَّ ما أصابه من التعبِ وما كان فيه من الجوع كان أكثرَ، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلاً...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، ولقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدا مواسياً، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} وطلبت على عملك جعلاً حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

وَصَلَا إلَى الْقَرْيَةِ مُحْتَاجَيْنِ إلَى الطَّعَامِ، فَعَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، فَأَبَوْا عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَهَذَا سُؤَالٌ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ فِي الشَّرْعِ، وَمَنَازِلَ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ. وَهَذَا السُّؤَالُ من تِلْكَ الْأَقْسَامِ هُوَ سُؤَالُ الضِّيَافَةِ، وَهِيَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ هُنَالِكَ، وَسُؤَالُهَا جَائِزٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِقَوْمٍ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ، فَسَأَلُوهُمْ: هَلْ من رَاقٍ، فَجَعَلُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ من الْغَنَمِ.. الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ. وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَوَّزَ الْكُلَّ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى حِينَ سَقَى لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ أَجْوَعَ مِنْهُ حِينَ أَتَى الْقَرْيَةَ مَعَ الْخَضِرِ، وَلَمْ يَسْأَلْ قُوتًا؛ بَلْ سَقَى ابْتِدَاءً، وَفِي الْقَرْيَةِ سَأَلَا الْقُوتَ، وَفِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ انْفِصَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا أَنَّ مُوسَى كَانَ فِي حَدِيثِ مَدْيَنَ مُنْفَرِدًا، وَفِي قِصَّةِ الْقَرْيَةِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا سَفَرَ تَأْدِيبٍ فَوُكِلَ إلَى تَكْلِيفِ الْمَشَقَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَفَرَ هِجْرَةٍ فَوُكِلَ إلَى الْعَوْنِ وَالْقُوَّةِ...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فانطلقا} بعد قتله {حتى إذا أتيا أهل قرية} عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذم، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى: {استطعما} وأظهر ولم يضمر في قوله: {أهلها} لأن الاستطعام لبعض من أتوه، أو كل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد، وهذا هو الظاهر، لأنه هو الموافق للعادة... {فأبوا} أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون من أهل القرية {أن يضيفوهما} أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا عنهم {فوجدا فيها} أي القرية، ولم يقل: فيهم، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع {جداراً} مشرفاً على السقوط، وكذا قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما يعقل: {يريد أن ينقض} أي يسقط سريعاً فمسحه الخضر بيده {فأقامه}. ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب "إذا "بقوله: {قال} أي له موسى عليه السلام: {لو شئت لاتخذت} لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء {عليه} أي على إقامة الجدار {أجراً} نأكل به، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وينطلق السياق فإذا نحن أمام المشهد الثالث: (فانطلقا. حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه). إنهما جائعان، وهما في قرية أهلها بخلاء، لا يطعمون جائعا، ولا يستضيفون ضيفا. ثم يجد أن جدارا مائلا يهم أن ينقض. والتعبير يخلع على الجدار حياة وإرادة كالأحياء فيقول: (يريد أن ينقض) فإذا الرجل الغريب يشغل نفسه بإقامة الجدار دون مقابل!!! وهنا يشعر موسى بالتناقض في الموقف. ما الذي يدفع هذا الرجل أن يجهد نفسه ويقيم جدارا يهم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان، وقد أبوا أن يستضيفوهما؟ أفلا أقل من أن يطلب عليه أجرا يأكلان منه؟ (قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا)!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

نظم قوله: {فانطَلَقا حَتَّى إذا أَتَيَا أهْلَ قَرْيةٍ استَطْعَمَا أهْلَهَا} كنظم نظيريه السابقين.

والاستطعام: طلب الطعام. وموقع جملة {استَطْعَمَا أَهْلَهَا} كموقع جملة (خرقها) وجملة (فقتله)، فهو متعلق (إذَا). وإظهار لفظ {أَهْلَهَا} دون الإتيان بضميرهم بأن يقال: استطعماهم، لزيادة التصريح، تشنيعاً بهم في لؤمهم، إذ أبوا أن يضيفوهما. وذلك لؤم، لأنّ الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليه السلام وهي من المواساة المتبعة عند الناس. ويقوم بها من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة، أو من أعدّ نفسه لذلك من كرام القبيلة؛ فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك القرية...

وفي الآية دليل على إباحة طلب الطعام لعابر السبيل لأنه شَرْع من قبلنا، وحكاه القرآن ولم يرد ما ينسخه.

ودلّ لَوْم موسى الخضرَ، على أن لم يأخذ أجر إقامة الحائط على صاحبه من أهل القرية، على أنه أراد مقابلة حرمانهم لحق الضيافة بحرمانهم من إقامة الجدار في قريتهم.

وفي الآية مشروعية ضيافة عابر السبيل إذا نزل بأحد من الحيّ أو القرية... والجدار: الحائط المبني. ومعنى {يُرِيدُ أن يَنقَضَّ} أشرف على الانقضاض، أي السقوط، أي: يكاد يسقط، وذلك بأن مال، فعبر عن إشرافه على الانقضاض بإرادة الانقضاض على طريقة الاستعارة المصرحة التبعية بتشبيه قرب انقضاضه بإرادة من يعقل فعلَ شيء فهو يوشك أن يفعله حيث أراده، لأن الإرادة طلب النفس حصول شيء وميل القلب إليه.

وإقامة الجدار: تسوية مَيله...

وقول موسى: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرَاً} لَوْم، أي كان في مكنتك أن تجعل لنفسك أجراً على إقامة الجدار تأخذه ممن يملكه من أهل القرية ولا تقيمه مجاناً لأنهم لم يقوموا بحق الضيافة ونحن بحاجة إلى ما ننفقه على أنفسنا، وفيه إشارة إلى أن نفقة الأتباع على المتبوع.

وهذا اللوم يتضمن سؤالاً عن سبب ترك المشارطة على إقامة الجدار عند الحاجة إلى الأجر، وليس هو لوماً على مجرد إقامته مجاناً، لأن ذلك من فعل الخير وهو غير ملوم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... فقد نسي موسى (عليه السلام) عهده مرّة أُخرى وبدأ بالاعتراض، إِلاَّ أنَّ اعتراضه هذه المرَّة بدا خفيفاً فقال:"قال لو شئت لاتّخذت عليه أجراً". وفي الواقع فإِنَّ موسى يعتقد بأنَّ قيام الإِنسان بالتضحية في سبيل أناس سيئين عمل مجاف لروح العدالة؛ بعبارة أُخرى: إِنَّ الجميل جيِّد وحسن، بشرط أن يكون في محلّه...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

{ فانطلقا } بعد قتله { حتى إذا أتيا أهل قرية } {[47062]}عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة {[47063]}لأنه أدل على الذم ، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام{[47064]} ؛ ثم وصفها {[47065]}ليبين أن{[47066]} لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى : { استطعما } وأظهر ولم يضمر في قوله : { أهلها } لأن {[47067]}الاستطعام لبعض من أتوه ، أوكل{[47068]} من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد ، وهذا هو{[47069]} الظاهر ، لأنه هو الموافق للعادة .

قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل : ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين{[47070]} الأفهام في{[47071]} القرآن : اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين : أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق{[47072]} بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا ، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس ، ولم يصل إليه تخاطب الخلق . فإذا كان البيان عن إحاطة ، تقدم الإضمار { قل هو الله أحد } وإذا كان عن اختصاص ، تقدم الإظهار{[47073]} { الله الصمد } وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد{[47074]} } {[47075]}أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته{[47076]} ، وإذا أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار ، أو بجمع المضمر والمظهر{[47077]}

{ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم{[47078]} }[ الحجرات : 1 ]

{ إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد{[47079]} }[ البروج : 12 ] { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة{[47080]} }[ الحشر : 22 ] والتفطن لما اختص به بيان القرآن{[47081]} عن بيان الإنسان من هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم ، ومن نحوه { أتيا أهل قرية استطعما أهلها } استأنف للمستطعمين{[47082]} إظهاراً{[47083]} غير إظهارعموم المأتيين{[47084]} - انتهى . وجعل السبكي الإتيان للبعض ، والاستطعام للكل ، لأنه أشد ذماً لأهل القرية وأدل على شر طبعها ، ومن قال بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة{[47085]} في باب ما نزل من الكتاب عاماً{[47086]} يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله عز وجل { حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها } : وفي هذه الآية أدل{[47087]} دلالة على أنه{[47088]} لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى ، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى ، وإذا أعيدت معرفة كانت عيناً في الأغلب .

ولما أسند الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع ، فلو قيل : استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين ، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر - إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة ، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض ، وإلا لم يكن غيره ولا كان للعدول فائدة{[47089]} . { فأبوا{[47090]} } أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون {[47091]}من أهل القرية { أن يضيفوهما } {[47092]}أي ينزلوهما ويطعموهما{[47093]} فانصرفا عنهم { فوجدا فيها } أي القرية ، {[47094]}ولم يقل : فيهم ، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع{[47095]} { جداراً } مشرفاً على السقوط ، وكذا{[47096]} قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما{[47097]} يعقل : { يريد أن ينقض } {[47098]}أي يسقط سريعاً{[47099]} فمسحه الخضر{[47100]} بيده { فأقامه } .

{[47101]}ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب " إذا " بقوله{[47102]} : { قال } {[47103]}أي له موسى عليه السلام : { لو شئت لتخذت } لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء { عليه } {[47104]}أي على إقامة الجدار{[47105]} { أجراً * } نأكل به ، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها ، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال


[47062]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47063]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47064]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47065]:العبارة من هنا إلى "لؤم أهلها" ساقطة من ظ.
[47066]:زيد من مد.
[47067]:العبارة من هنا إلى "الموافق للعادة" ساقطة من ظ.
[47068]:من مد، وفي الأصل: لكل.
[47069]:سقط من مد.
[47070]:من مد وفي الأصل وظ: متين.
[47071]:من ظ ومد وفي الأصل: من.
[47072]:في ظ: الاظهار.
[47073]:زيد من مد، وموضعه في ظ: الاضمار.
[47074]:زيد من ظ ومد والقرآن.
[47075]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47076]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47077]:من ظ ومد وفي الأصل: المضمر.
[47078]:سورة 49 آية 1.
[47079]:سورة 85 آية 12 و 13.
[47080]:سورة 59 آية 22.
[47081]:زيد بعده في الأصل: أي المحش المذكور ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[47082]:من مد، وفي الأصل وظ: المستطعمين.
[47083]:من ظ ومد، وفي الأصل: اظهار.
[47084]:العبارة من هنا إلى "المستطعمون" ص 116 ص 6 ساقطة من ظ.
[47085]:ص 11.
[47086]:من الرسالة وفي مد: على ما.
[47087]:ليس في الرسالة.
[47088]:من الرسالة، وفي مد: أن.
[47089]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[47090]:تأخر في الأصل عن "المستطعمون" والترتيب من ظ ومد.
[47091]:زيد في الأصل: أي ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها، والعبارة من هنا – بما فيها هذه الكلمة – إلى "أهل القرية" ساقطة من ظ.
[47092]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47093]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47094]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47095]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47096]:في ظ: لذا والعبارة فيه من بعده إلى "ما يعقل" ساقطة.
[47097]:زيد في مد:لا.
[47098]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47099]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47100]:سقط من مد.
[47101]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47102]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47103]:سقط من مد.
[47104]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47105]:سقط ما بين الرقمين من مد.