غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

60

{ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية } هي أنطاكية : وقيل : الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء . { استطعما أهلها } وكان حق الإيجاز أن يقال : " استطعماهم " فوضع الظاهر موضع المضمر للتأكيد كقوله :

ليت الغراب غداة ينعب بيننا *** كان الغراب مقطع الأوداج

وأيضاً لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ لما فيه من الكلفة والبشاعة والاستطالة { فأبوا أن يضيفوهما } يقال : أضافه وضيفه إذا أنزله وجعله ضيفه ، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل إلى المضيف . عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كانوا أهل قرية لئاماً . " قيل : الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه . وأيضاً الضيافة من المندوبات وترك المندوب غير منكر ، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك عهد صاحبه . وقال : { لو شئت لاتخذت عليه أجراً } وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته . ولقائل أن يقول : لو كان قد بلغ الجوع إلى حدّ الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار . ولمجيب أن يقول : إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى . وقيل : أقامه بعمود عمده به . وقيل : نقضه وبناه . وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ذراع . قال أهل الاعتبار : شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حق . ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل الذهب فقالوا : يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء أي " فأتوا أن يضيفوهما " فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . قوله : { يريد أن ينقض } معناه يسرع سقوطه من انقض الطائر إذا هوى في طيرانه . يقال : قضضته فانقض ، ويحتمل أن يكون " افعل " من النقض كاحمرّ من الحمرة ، فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول . واستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة تشبيهاً للجماد بالأحياء نظيره { ولما سكت عن موسى الغضب } [ الأعراف : 154 ] { قالتا أتينا طائعين } [ فصلت : 11 ] . ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى من الحرمان ومسيس الحاجة { قال } لصاحبه { لو شئت لاتخذت عليه أجراً } لطلبت على عملك جعلاً حتى نستدفع به الضرورة . واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ على الأصح .

/خ82