{ 30 - 31 } { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ *حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ }
{ ذَلِكَ } الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام ، وما فيها من تعظيم حرمات الله وإجلالها وتكريمها ، لأن تعظيم حرمات الله ، من الأمور المحبوبة لله ، المقربة إليه ، التي من عظمها وأجلها ، أثابه الله ثوابا جزيلا ، وكانت خيرا له في دينه ، ودنياه وأخراه عند ربه .
وحرمات الله : كل ماله حرمة ، وأمر باحترامه ، بعبادة أو غيرها ، كالمناسك كلها ، وكالحرم والإحرام ، وكالهدايا ، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها ، فتعظيمها إجلالها بالقلب ، ومحبتها ، وتكميل العبودية فيها ، غير متهاون ، ولا متكاسل ، ولا متثاقل ، ثم ذكر منته وإحسانه بما أحله لعباده ، من بهيمة الأنعام ، من إبل وبقر وغنم ، وشرعها من جملة المناسك ، التي يتقرب بها إليه ، فعظمت منته فيها من الوجهين ، { إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } في القرآن تحريمه من قوله : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } الآية ، ولكن الذي من رحمته بعباده ، أن حرمه عليهم ، ومنعهم منه ، تزكية لهم ، وتطهيرا من الشرك به وقول الزور ، ولهذا قال : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ } أي : الخبث القذر { مِنَ الْأَوْثَانِ } أي : الأنداد ، التي جعلتموها آلهة مع الله ، فإنها أكبر أنواع الرجس ، والظاهر أن { من } هنا ليست لبيان الجنس ، كما قاله كثير من المفسرين ، وإنما هي للتبعيض ، وأن الرجس عام في جميع المنهيات المحرمات ، فيكون منهيا عنها عموما ، وعن الأوثان التي هي بعضها خصوصا ، { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } أي : جميع الأقوال المحرمات ، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب ، ومن ذلك شهادة الزور فلما نهاهم عن الشرك والرجس وقول الزور .
الأولى-قوله تعالى : " ذلك " يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير : فرضكم ذلك ، أو الواجب ذلك . ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير : امتثلوا ذلك ، ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير :
هذا وليس كمن يَعْيَا بخُطَّتِهِ *** وَسْطَ النَّدِيّ إذا ما قائلٌ نَطَقَا
والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله : " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم " ويدخل في ذلك تعظيم المواضع ، قاله ابن زيد وغيره . ويجمع ذلك أن تقول : الحرمات امتثال الأمر من فرائضه وسننه . وقوله : " فهو خير له عند ربه " أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها . وقيل : ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به ، وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير .
الثانية-قوله تعالى : " وأحلت لكم الأنعام " أن تأكلوها ، وهي الإبل والبقر والغنم . " إلا ما يتلى عليكم " أي في الكتاب من المحرمات ، وهي الميتة والموقوذة وأخواتها . ولهذا اتصال بأمر الحج ، فإن في الحج الذبح ، فبين ما يحل ذبحه وأكل لحمه . وقيل : " إلا ما يتلى عليكم " غير محلي الصيد وأنتم حرم{[11504]} .
الثالثة- قوله تعالى : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان{[11505]} " الرجس : الشيء القذر . الوثن : التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها ، وكانت العرب تنصبها وتعبدها . والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا . وقال عدي بن حاتم : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : ( ألق هذا الوثن عنك ) أي الصليب ، وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه . وسمي الصنم وثنا لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه . يريد اجتنبوا عبادة الأوثان ، روي عن ابن عباس وابن جريج . وسماها رجسا لأنها سبب الرجز وهو العذاب . وقيل : وصفها بالرجس ، والرجس النجس فهي نجسة حكما . وليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الإيمان ، فلا تزال إلا بالإيمان كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء .
الرابعة- " من " في قوله : " من الأوثان " قيل : إنها لبيان الجنس ، فيقع نهيه عن رجس{[11506]} الأوثان فقط ، ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع . ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية ، فكأنه نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم ؛ إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس . ومن قال إن " من " للتبعيض ، قلب معنى الآية وأفسده .
الخامسة- " واجتنبوا قول الزور " والزور : الباطل والكذب . وسمي زورا لأنه أميل عن الحق ، ومنه " تزاور عن كهفهم " ، {[11507]} [ الكهف : 17 ] ، ومدينة زوراء ، أي مائلة . وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور . وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال : ( عدلت شهادة الزور الشرك بالله ) قالها مرتين أو ثلاثا . يعني أنها قد جمعت مع عبادة الوثن في النهي عنها .
السادسة-هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور ، وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعزره وينادي عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد . ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب ، فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل ؛ لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة ؛ إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه . وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى قبل شهادته . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن من أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول الزور ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت .
قوله تعالى : { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ( 30 ) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ( 31 ) } .
اسم الإشارة ( ذلك ) . في موضع رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ؛ أي الأمر ذلك . وقيل : في محل جر ، صفة للبيت العتيق{[3105]} والأظهر الأول ، وهو الأمر والشأن ذلك قال الزمخشري : كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني ثم أراد الخوض في معنى آخر ، قال : هذا وقد كان كذا .
وقال ابن جرير الطبري : إن هذا الذي أمر الله به من قضاء التفث والوفاء بالنذور والطواف بالبيت هو الفرض الواجب عليكم .
و ( حرمات الله ) ، امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه . والحرمات ، جمع حرمة وهي ما لا يحل هتكه . ويحتمل ان يكون ذلك عاما في جميع التكاليف ، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج . وعن زيد بن أسلم قال : الحرمات خمس : الكعبة الحرام ، والمسجد الحرام ، والبلد الحرام ، والشهر الحرام ، والمُحرم حتى يحل . والمراد : أن يجتنب المحرم ما أمر الله باجتنابه في حال إحرامه ، تعظيما منه لحدود الله أن يواقعها . وذلك خير له عند ربه فيما أعده له من حسن الجزاء يوم لقائه .
قوله : ( وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) أحل الله لكم الأكل من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ، واستثنى ما يتلى عليكم في كتابه الحكيم من المحرمات وهي الواردة في سورة المائدة كالميتة والدم ولحم الخنزير ؛ أي أن الله أحل لكم سائر الأنعام إلا ما استثناه في كتابه الكريم .
قوله : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) ( الرجس ) ، بمعنى القذر أو النجس{[3106]} .
( من ) ، لتبيين الجنس{[3107]} أي فاجتنبوا القذر الذي هو الأوثان كما تُجتنب الأنجاس . وهذه غاية المبالغة في النهي عن تعظيم الأوثان والتنفير من عبادتها .
قوله : ( واجتنبوا قول الزور ) قرن الشرك بقول الزور تنبيها على عظيم جرم هذه المعصية . وفي التنديد بهذه الجريمة الكبرى أخرج في الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله ( ص ) قال : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قلنا : بلى يا رسول الله . قال " الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين " وكان متكئا فجلس فقال : " ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور " . فما زال يكرره حتى قلنا ليته سكت .
أما الزور ، فمعناه الكذب وشهادة الباطل . والازورار ، معناه العدل والانحراف عن الحق والاستقامة{[3108]} .