تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104)

{ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا }

أي : لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار ، أي : في جهادهم والمرابطة على ذلك ، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن ، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء . بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم .

ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين ، فذكر شيئين :

الأول : أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم ، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم ، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك ، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام ، لا من يدال مرة ، ويدال عليه أخرى .

الأمر الثاني : أنكم ترجون من الله ما لا يرجون ، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه ، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله ، وإقامة شرعه ، واتساع دائرة الإسلام ، وهداية الضالين ، وقمع أعداء الدين ، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة ، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة ؛ لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله ، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية ، والفوز برضوان الله وجنته ، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته ، ولهذا قال : { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } كامل العلم كامل الحكمة

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104)

{ ولا تهنوا } أي لا تضعفوا { في ابتغاء القوم } يعني أبا سفيان ومن معه حين انصرفوا من أحد أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام فاشتكى أصحابه ما بهم من الجراحات فقال الله تعالى { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون }

أي إن ألمتم من جراحكم فهم أيضا في مثل حالتكم من ألم الجراح { وترجون من الله } من نصر الله إياكم وإظهار دينكم في الدنيا وثوابه في العقبى { ما لا يرجون } هم { وكان الله عليما } بخلقه { حكيما } فيما حكم

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104)

ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة{[22548]} للحذر خوف الضرر ، مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر ، وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه ، وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد ؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبهاً على الجد في أمره ، وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه ، عاطفاً على نحو : فافعلوا ما أمرتكم به ، أو على { فأقيموا الصلاة } : { ولا تهنوا } أي {[22549]}تضعفوا وتتوانوا{[22550]} بالاشتغال بذكر ولا صلا ، فقد يسرت{[22551]} ذلك لكم تيسيراً لا يعوق عن{[22552]} شيء من{[22553]} أمر الجهاد { في ابتغاء القوم } أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن تكونوا تألمون } أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل{[22554]} وما دونه { فإنهم يألمون كما تألمون } أي{[22555]} لأنهم{[22556]} يحصل{[22557]} لهم من ذلك ما يحصل لكم ، فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم .

ولما بين ما يكون مانعاً{[22558]} لهم من الوهن دونهم ، لأنه مشترك بينهم{[22559]} ؛ بيّن ما يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال : { وترجون } أي أنتم { من الله } أي الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى { ما لا يرجون } أي من النصر والعزم والكرم واللطف ، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان{[22560]} ، وهذا لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك{[22561]} في جهاد الكفار أو لا .

ولما كان العلم مبنى كل خير ، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية القدرة مجمع{[22562]} الصفات العلى قال تعالى ؛ { وكان الله } أي الآمر لكم بهذه الأوامر وهو المحيط بكل شيء { عليماً } أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا بما يكون بالغ الحسن مصلحاً للدين والدنيا { حكيماً } فهو يتقن لمن يأمره الأحوال ، ويسدده{[22563]} في المقال والفعال ، فمن علم منه خيراً أراده ورقاه في درج{[22564]} السعادة ، ومن علم منه شراً كاده فنكس مبدأه {[22565]}ومعاده{[22566]} .


[22548]:معللة.
[22549]:في ظ: يضعفوا ويتوانوا.
[22550]:في ظ: يضعفوا ويتوانوا.
[22551]:زيد بعده في ظ: لكم.
[22552]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22553]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22554]:من ظ ومد، وفي الأصل: القتيل.
[22555]:سقط من ظ ومد.
[22556]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[22557]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[22558]:في ظ: من نعا ـ كذا.
[22559]:زيدت الواو بعده في الأصول، فحذفناها لكي ينتسق الكلام.
[22560]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[22561]:من ظ ومد، وفي الأصل: كان.
[22562]:في ظ: لجميع.
[22563]:في ظ: يسده.
[22564]:في ظ: درجة.
[22565]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22566]:سقط ما بين الرقمين من ظ.