فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ} (15)

الزحف : الدنوّ قليلاً قليلاً ، وأصله الاندفاع على الإلية . ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفاً . والتزاحف : التداني والتقارب . تقول زحف إلى العدوّ زحفاً ، وازدحف القوم ، أي مشى بعضهم إلى بعض ، وانتصاب زحفاً إما على أنه مصدر لفعل محذوف ، أي تزحفون زحفاً ، أو على أنه حال من المؤمنين ، أي حال كونكم زاحفين إلى الكفار ، أو حال من الذين كفروا ، أي حال كون الكفار زاحفين إليكم ، أو حال من الفريقين ، أي متزاحفين . { فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار } نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم ، وقد دبّ بعضهم إلى بعض للقتال ، فظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن ، وعلى كل حال ، إلا حالة التحرّف والتحيز . وقد روي عن عمر ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وأبي نضرة ، وعكرمة ، ونافع ، والحسن ، وقتادة ، وزيد بن أبي حبيب ، والضحاك : أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر . وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا ، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين ، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ، ولا لهم فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم . فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض . وبه قال أبو حنيفة ، قالوا : ويؤيده قوله : { وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } .

/خ18