فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ} (2)

{ رَسُولٌ مّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } يعني : ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها ، وهو القرآن ، ويدلّ على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه ، لا عن كتاب انتهى كلامه . وقيل : إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل الكتاب والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم الموعود به ، فلما بعث تفرّقوا كما حكاه الله عنهم في هذه السورة . والبينة على ما قاله الجمهور هو : محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه في نفسه بينة وحجة ، ولذلك سماه سراجاً منيراً ، وقد فسر الله سبحانه هذه البينة المجملة بقوله : { رَسُولٌ مّنَ الله } فاتضح الأمر وتبين أنه المراد بالبينة . وقال قتادة وابن زيد : البينة هي القرآن كقوله : { أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى } [ طه : 133 ] وقال أبو مسلم : المراد بالبينة مطلق الرسل ، والمعنى : حتى تأتيهم رسل من الله ، وهم الملائكة يتلون عليهم صحفاً مطهرة ، والأوّل أولى . قرأ الجمهور : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } وقرأ ابن مسعود : «لم يكن المشركون وأهل الكتاب » . قال ابن العربي : وهي : قراءة في معرض البيان ، لا في معرض التلاوة . وقرأ الأعمش والنخعي : «والمشركون » بالرفع عطفاً على الموصول . وقرأ أبيّ : «فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون » . قرأ الجمهور : { رَسُولٌ مِنَ الله } برفع { رسول } على أنه بدل كل من كلّ مبالغة ، أو بدل اشتمال . قال الزجاج : «رسول » رفع على البدل من البينة . وقال الفراء : رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر : أي هي رسول أو هو رسول . وقرأ أبيّ ، وابن مسعود : ( رسولاً ) بالنصب على القطع وقوله : { مِنَ الله } متعلق بمحذوف هو صفة لرسول : أي كائن من الله ، ويجوز تعلقه بنفس رسول ، وجوّز أبو البقاء أن يكون حالاً «من صحف » . والتقدير : يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله . وقوله : { يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } يجوز أن تكون صفة أخرى لرسول ، أو حالاً من متعلق الجار والمجرور قبله . ومعنى { يتلو } : يقرأ ، يقال تلا يتلو تلاوة ، والصحف جمع صحيفة . وهي ظرف المكتوب . ومعنى { مطهرة } : أنها منزّهة من الزور والضلال . قال قتادة : مطهرة من الباطل . وقيل : مطهرة من الكذب والشبهات والكفر والمعنى واحد والمعنى : أنه يقرأ ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو عن ظهر قلبه ، لا عن كتاب كما تقدّم .

/خ8