تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة محمد

أهداف سورة محمد صلى الله عليه وسلم

هي سورة مدنية ، وآياتها 38 آية ، نزلت بعد سورة الحديد ، ولها اسمان : سورة محمد ، وسورة القتال .

والقتال عنصر بارز في السورة ، بل هو موضوعها الرئيسي ، فقد نزلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة الأحزاب ، أي في الفترة الأولى من حياة المسلمين بالمدينة ، حيث كان المؤمنون يتعرضون لعنت المشركين ، وكيد المنافقين ، ودسائس اليهود .

عناصر السورة :

يمكن أن نقسم سورة ( محمد ) إلى ثلاثة أقسام :

- القسم الأول : يحرض على قتال المشركين ويحث عليه ، ويشمل الآيات ( 1-15 ) .

- القسم الثاني : يفضح المنافقين ويكشف نفاقهم ، ويشمل الآيات ( 16-30 ) .

- القسم الثالث : دعوة المسلمين إلى مواصلة الجهاد بالنفس والمال ، ويشمل الآيات ( 31-38 ) .

1- التحريض على قتال المشركين :

تبدأ السورة بالهجوم على المشركين وتبين هلاكهم وضياعهم وضلالهم ، لقد سلب الله عنهم الهدى والتوفيق ، فاتبعوا الباطل وانحرفوا إلى الضلال ، أما المؤمنون فقد آمنوا بالله وبرسوله ؛ فكّفر الله ذنوبهم ورزقهم صلاح البال وهدوء النفس ونعمة الرضا واليقين .

وشتان بين مؤمن راسخ الإيمان ، صادق اليقين ، معتمد على رب كريم حليم ، وبين كافر ضال يبيع الحق ويشتري الباطل ، ويفرط في الإيمان والهدى ، ويتبع الشرك والضلال .

ثم تحت السورة المسلمين على قتال المشركين ، وقطع شوكتهم وهدم جبروتهم ، وإزالة قوتهم من طريق المسلمين : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب . . . } وهذا الضرب بعد عرض الإسلام عليهم وإبائهم له ، { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق . . . } والإثخان شدة التقتيل حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع ، وعندئذ يؤسر من استأسر ويشد وثاقه : { فإما منا بعد وإما فداء . . . } أي إما أن يطلق سراحهم بعد ذلك بلا مقابل ، وإما أن يطلق سراحهم مقابل فدية من مال أو عمل ، أو في نظير إطلاق سراح المسلمين والمأسورين . { حتى تضع الحرب أوزارها . . . } ( محمد : 4 ) . أي : حتى تنتهي الحرب بين الإسلام وأعدائه المناوئين له .

ولو شاء الله لانتقم من المشركين وأهلكهم كما أهلك من سبقهم بالطوفان والصيحة والريح العقيم ، ولكن الله أراد أن يختبر قوة المؤمنين ، وأن يجعلهم سبيلا لإعزاز الدين وإهلاك الكافرين ، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضيع أعمالهم ، فهم شهداء عند الله يتمتعون بجنات خالدة ونعيم مقيم ، وأرواحهم في حواصل طير خضر تسبح حول الجنة ، وتأكل من ثمارها وتقيم في ألوان النعيم ، وقد وعد الله الشهداء بحسن المثوبة والكرامة والهداية وصلاح البال ودخول الجنة ؛ لأنهم نصروا دين الله فسينصرهم الله ويثبت أقدامهم ، كما توعد الكافرين بالتعاسة والضلال والهلاك جزاء كفرهم وعنادهم .

وتسوق السورة ألوانا من التهديد للمشركين ، فتأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا ماذا أصاب المكذبين من الهلاك والدمار ، ثم تمضي السورة في ألوان من الحديث حول الكفر والإيمان ، فتصف المؤمنين بأنهم في ولاية الله ورعايته ، والكفار محرومون من هذه الولاية .

وتفرق السورة بين متاع المؤمنين بالطيبات ، وتمتع الكافرين بلذائذ الأرض كالحيوانات : { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } . ( محمد : 12 ) .

إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان أن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة المتلقاة من الله خالق الحياة ، فإذا فقد هذا فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه ، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله .

ثم تمضي السورة في سلسلة من الموازنات بين المؤمن المتيقن والكافر الذي اتبع هواه وشيطانه ، وزين له سوء العمل : { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } . ( محمد : 14 ) .

كما تصف الآيات متاع المؤمنين في الجنة بشتى الأشربة الشهية ، من ماء غير آسن ، ولبن لم يتغير طعمه ، وخمرة لذة للشاربين ، وعسل مصفى ، في وفر وفيض ، في صورة أنهار جارية ، وذلك مع شتى الثمرات ، ومع المغفرة والرضوان ، ثم سؤال : أهؤلاء المتمتعون بالجنة والرضوان ، { كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } . ؟

2- خصال المنافقين :

تشمل الآيات ( 16-30 ) المقطع الثاني من سورة محمد ، وفيها حديث عن المنافقين وصفاتهم ، وحركة النفاق حركة مدنية لم يكن لها وجود في مكة نظرا لضعف المسلمين في مكة وتفوق أعدائهم ، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ شأن الإسلام في الظهور والاستعلاء ، بدأت حركة النفاق في الظهور والنمو ، وساعدها على الظهور وجود اليهود في المدينة ولهم قوة مادية وفكرية ، وكراهيتهم للدين الجديد ، وسرعان ما اجتمع اليهود مع المنافقين على هدف واحد ، ودبروا أمرهم بليل ، فأخذ المنافقون في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض ، فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ، وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكائد في الظلام ، وكانوا إلى منتصف العهد المدني يشكلون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين ، وقد تواتر ذكر المنافقين ووصف دسائسهم والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ، كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود وتلقيهم عنهم ، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة .

والحديث عن المنافقين في سورة ( محمد ) يحمل فكرتها ، ويصور شدتها في مواجهة المشركين والمنافقين ، بل إن المنافقين هم فرع من الكافرين ، أظهروا الملاينة وأبطنوا الكفر والخداع ، أو هم فرع من اليهود يعمل بأمرهم ، وينفذ كيدهم ومكرهم ، فمن هؤلاء المنافقين من يستمع إلى النبي بأذنه ويغيب عنه بوعيه وقلبه ، فإذا خرج من مجلس النبي تظاهر بالحرص على الدين ، فسأل الصحابة عما قاله النبي سؤال سخرية واستهزاء ، أو سؤال تظاهر ورياء .

أولئك المنافقون قد طمس الله على أفئدتهم فلا تفقه ، وقد اتبعوا أهواءهم ، فقادهم الهوى إلى الهلاك .

بينما المتقون المهتدون يزيدهم الله هدى ويمنحهم التقوى والرشاد ، ثم يتهدد القرآن المنافقين بالساعة ، فإذا جاءت فلا يملكون الهداية ولا تنفعهم الندامة .

{ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } . ( محمد : 18 ) .

ثم تصور الآيات جبن المنافقين وهلعهم وتهافتهم إذا ووجهوا بالقرآن يكلفهم بالقتال ، فهم يتظاهرون بالإيمان ، فإذا أنزلت سورة لا تشابه فيها وذكر فيها الجهاد ؛ رأيت المنافقين ينظرون إليك يا محمد نظرا كنظر من هو في النزع الأخير ، تشخص أبصارهم ، لذلك كانوا جديرين لأن يهددهم الله بالويل والهلاك .

وتحثهم الآيات على الطاعة والصدق والثبات : { فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } . ( محمد : 20 ، 21 ) .

وبذلك يفتح القرآن الباب لمن يريد الطهارة الحسية والنفسية من المنافقين ومن جميع المخاطبين .

ثم يحثهم على تدبر القرآن وتأمله حثا يحرك المشاعر ويستجيش القلوب ويخلص الضمير .

وتمضي الآيات في تصوير حال المنافقين ، وبيان سبب توليهم عن الإيمان بعد إذ شارفوه ، فتبين أنه تآمرهم مع اليهود ، ووعدهم لهم بالطاعة فيما يدبرون .

لقد كره اليهود الإسلام وتألبوا عليه ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شنوا عليه حرب الدس والمكر والكيد ، وانضم المنافقون لليهود يقولون لهم سرا : { سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم } . ( محمد : 26 ) .

ثم يتهدد القرآن المنافقين بملائكة العذاب ، لأنهم تركوا طريق الإسلام ، وانضموا إلى دسائس الحاقدين عليه .

وفي نهاية المقطع يتهددهم بكشف أمرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين الذين يعيشون بينهم متخفين ، لأن ما فيك يظهر على فيك :

ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم

قال تعالى : { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم } . ( محمد : 29 ، 30 ) .

3- حديث عن المشركين والمؤمنين :

المقطع الأخير من السورة يشمل الآيات ( 32-38 ) ، وقد تحدث في بدايته عن المشركين ، وبين أنهم منعوا الناس عن الإيمان بالله ، وأعلنوا الشقاق والعداوة لرسول الله ، وهؤلاء لن يضروا الله بكفرهم ، وسيحبط الله أعمالهم .

وتتجه الآيات إلى المؤمنين فتأمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول ، وتأمرهم بالثبات على الحق حتى يأتي نصر الله .

{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } . ( محمد : 33 ) .

وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة ، أو من تثقل عليه بعض التكاليف ، وتشق عليه بعض التضحيات التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف للإسلام ، وتناوشه من كل جانب ، والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى يصعب فصمها والتخلي عنها نهائيا كما تقتضي العقيدة ذلك .

ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفا عميقا في نفوس المسلمين الصادقين ، فارتعشت له قلوبهم وخافوا أن يقع منهم ما يبطل أعمالهم ويذهب بحسناتهم .

وتستمر الآيات في خطاب المؤمنين ، تدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس والمال دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم ، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة ، ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة ، مراعيا الشح الفطري في النفوس ، وإذا لم ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها ، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها ، ويعرفون قدرها ، وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة ، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين ، إذ ذاك -من غير المنافقين- وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات ، فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء . . وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم .

مقصود السورة إجمالا

قال الفيروزبادي :

معظم مقصود سورة محمد : الشكاية من الكفار في إعراضهم عن الحق ، وذكر آداب الحرب والأسرى وحكمهم ، والأمر بالنصرة والإيمان ، وابتلاء الكفار في العذاب ، وذكر أنهار الجنة : من ماء ، ولبن ، وخمر ، وعسل ، وذكر طعام الكفار وشرابهم ، وظهور علامة القيامة ، والشكاية من المنافقين ، وتفصيل ذميمات خصالهم ، وأمر المؤمنين بالطاعة والإحسان ، وذم البخلاء في الإنفاق ، وبيان استغناء الحق تعالى وفقر الخلق في قوله تعالى : { والله الغني وأنتم الفقراء . . . } ( محمد : 38 )1 .

بين يدي السورة :

أخرج الطبراني في الأوسط ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب .

وتسمى سورة محمد لبيان تنزيل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فيها ، في قوله تعالى : { وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم . . . } ( محمد : 2 ) .

ولم يذكر محمد صلى الله عليه وسلم باسمه في القرآن إلا أربع مرات :

في سورة آل عمران : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل . . . } ( آل عمران : 144 ) .

وفي سورة الأحزاب : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم . . . } ( الأحزاب : 40 ) .

وهنا في سورة محمد ، وفي سورة الفتح : { محمد رسول الله . . . } ( الفتح : 29 ) .

وفي غير هذه المواضع يذكر بصفته أو النبي مثل : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } . ( الأحزاب : 45 ) .

وسميت سورة القتال لبيان أحكام القتال والدعوة إلى الجهاد فيها ، مثل قوله تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب . . . } ( محمد : 4 ) .

1

المفردات :

وصدوا عن سبيل الله : منعوا الناس عن الدخول في الإسلام ، وذلك يستلزم أنهم منعوا أنفسهم من الدخول فيه ، وأعرضوا عنه .

أضل أعمالهم : أبطلها .

التفسير :

1- { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } .

هذه بداية السورة ، تلقي في وجه الكافرين عقوبة كفرهم وضلالهم ، فهؤلاء أهل مكة كفروا ومنعوا الناس من الإيمان ، وخرجوا في غزوة بدر الكبرى بطرا وتظاهرا بالباطل ، وليتسامع بهم الناس ، فكان الجزاء أن هزمهم الله هزيمة منكرة ، فقتل منهم سبعون ، وأسر منهم سبعون ، وفر الباقون ، فجعل كيدهم ضائعا ، وعملهم ضالا ، ومكرهم في تباب .

وتفيد روايات أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في كفار مكة ، الذين أرادوا هزيمة المسلمين في بدر ، فهزمهم الله .

أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } .

قال : هم أهل مكة ، نزلت فيهم .

{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . } قال : هم الأنصار .

وقال ابن عباس في رواية أخرى : نزلت في المطعمين ببدر ، وهم اثنا عشر رجلا : أبو جهل ، والحارث ابن هشام ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبي وأمية ابنا خلف ، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ، وأبو البحتري بن هشام ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، والحارث بن عامر بن نوفل .

ومعنى : { أضل أعمالهم } .

جعلها ضالة على غير هدى وتوفيق ، وذكر بعض المفسرين أن المعنى : أبطل الله ثواب الأعمال الحسنة ، التي يسمونها مكارم الأخلاق ، كصلة الرحم ، وإكرام الضيف ، وإجارة المستجير ، فقد أبطل أعمالهم فساد عقيدتهم .

قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } . ( الفرقان : 23 ) .

أي أن الله يجازيهم على أعمالهم الحسنة في الدنيا ، لأنهم لا نصيب لهم في الجنة بسبب كفرهم .

وهناك من المفسرين من يرى أن الله لا يظلم مثقال ذرة ، وأنه لن يضيع مكافأة أي عامل على عمل عمله ، حتى ولو كان كافرا أو كتابيا ، واستشهدوا بقوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .

وبقوله تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ( البقرة : 62 ) .

والأولى بنا أن نقول : إن ذلك في مشيئة الله تعالى ، وعلمه وحكمته وفضله ، فنفوض علم ذلك إليه سبحانه وتعالى .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (1)

مقدمة السورة:

سورة محمد

وتسمى سورة القتال وهي مدنية عند الأكثرين ولم يذكروا استثناء وعن ابن عباس وقتادة أنها مدنية إلا قوله تعالى : { وكأين من قرية } إلى آخره فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إليه وقال : أنت أحب بلاد الله تعالى إلي وأنت أحب بلاد الله تعالى إلي ولو لا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك فأنزل الله تعالى ذلك فيكون مكيا بناء على أن ما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعني ما نزل في سفر الهجرة من المكي اصطلاحا كما يؤخذ من أثر أخرجه عثمان ابن سعيد الدارمي بسنده إلى يحيى بن سلام وعدة آيها أربعون في البصري وثلاث ونفي الكوفي وتسع بالتاء الفوقية وثلاثون فيما عداهما والخلاف في قوله تعالى : { حتى تضع الحرب أوزارها } وقوله تعالى : { لذة للشاربين } ولا يخفى قوة ارتباط أولها بآخر السورة قبلها واتصاله وتلاحمه بحيث لو سقطت من البين البسملة لكانا متصلا واحدا لا تنافر فيه كالآية الواحدة آخذا بعضه بعنق بعض وكان صلى الله تعالى عليه وسلم على ما أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقرؤها في صلاة المغرب وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : نزلت سورة محمد آية في بني أمية ولا أظن صحة الخبر نعم لكفار بني أمية الحظ الأوفر من عمومات الآيات التي في الكفار كما أن لأهل البيت رضي الله تعالى عنهم المعلى والرقيب من عمومات الآيات التي في المؤمنين وأكثر من هذا لا يقال سوى أني أقول : لعن الله تعالى من قطع الأرحام وآذى الآل .

{ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } أي أعرضوا عن الإسلام وسلوك طريقه أو منعوا غيرهم عن ذلك على أن صد لازم أو متعد ، قال في الكشف : والأول أظهر لأن الصد عن سبيل الله هو الاعراض عما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : { قُلْ هذه سَبِيلِى أَدْعُو إلى الله } [ يوسف : 108 ] فيطابق قوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ على مُحَمَّدٍ } [ محمد : 2 ] وكثير من الآثار تؤيد الثاني ، وفسر الضحاك { سَبِيلِ الله } ببيت الله عز وجل ، وقال : صدهم عنه منعهم قاصديه وليس بذلك . والآية عامة لكل من اتصف بعنوان الصلة ، وقال ابن عباس : هم أي الذين كفروا وصدوا على الوجه الثاني في { صدوا } المطعون يوم بدر الكبرى ، وكأنه عني من يدخل في العموم دخولاً أولياً ، فإن أولئك كانوا صادين بأموالهم وأنفسهم فصدهم أعظم من صد غيرهم ممن كفر وصد عن السبيل ، وأول من أطعم منهم على ما نقل عن سيرة ابن سيد الناس أبو جهل عليه اللعنة نحر لكفار قريش حين خرجوا من مكة عشرا من الإبل ، ثم صفوان بن أمية نحر تسعا بعسفان ، ثم سهل بن عمرو نحر بقديد عشرا ثم شيبة بن ربيعة وقد ضلوا الطريق نحر تسعا ثم عبتة بن ربيعة نحر عشرا ، ثم مقيس الجمهى بالأبواء نحر تسعا ، ثم العباس نحر عشرا ، والحرث بن عامر نحر تسعا ، وأبو البختري على ماء بدر نحر عشرا ، ومقيس تسعا ؛ ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم ، وقيل : كانوا ستة نفر نبيه . ومنبه ابنا الحجاج . وعتبة . وشيبة ابنا ربيعة . وأبو جهل . والحرث ابنا هشام ، وضم مقاتل إليهم ستة أخرى وهم عامر بن نوفل . وحكيم بن حزام . وزمعة بن الأسود . والعباس بن عبد المطلب . وصفوان بن أمية . وأبو سفيان بن حرب أطعم كل واحد منهم يوماً الاحابيش والجنود يستظهرون بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ينافي عد أبي سفيان أن صحت الرواية من أولئك كونه مع العير لأن المراد بيوم بدر زمن وقعتها فيشمل من أطعم في الطريق وفي مدتها حتى انقضت ، وقال مقاتل : هم اثنا عشر رجلاً من أهل الشرك كانوا يصدون الناس عن الإسلام وأمرونهم بالكفر ، وقيل : هم شياطين من أهل الكتاب صدوا من أراد منهم أو من غيرهم عن الدخول في الإسلام .

والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى : { الله أَضَلَّ أعمالهم } أي إبطالها وأحبطها وجعلها ضائعة لا أثر لها ولا نفع أصلاً لا بمعنى أنه سبحانه أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك بل بمعنى أنه عز وجل حكم ببطلانها وضياعها وأريد بها ما كانوا يعملونه من أعمال البر كصلة الأرحام وقرى الأضياف وفك الأساري وغيرها من المكارم .

وجوز أن يكون المعنى جعلها ضلالاً أي غير هدى حيث لم يوفقهم سبحانه لأن يقصدوا بها وجهه سبحانه أو جعلها ضالة أي غير مهتدية على الإسناد المجازي ، ومن قال الآية في المطعمين واضرابهم قال : المعنى إبطال جل وعلا ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالانفاق الذي أنفقوه في سفرهم إلى محاربته عليه الصلاة والسلام وغيره بنصر رسوله صلى الله عليه وسلم وإظهار دينه على الدين كله ، ولعله أوفق بما بعده ، وكذا بما قيل أن الآية نزلت ببدر .

 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (1)

{ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ( 1 ) }

الذين جحدوا أن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له ، وصدوا الناس عن دينه ، أَذْهَبَ الله أعمالهم ، وأبطلها ، وأشقاهم بسببها .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

1- هذه السورة تسمى بسورة محمد صلى الله عليه وسلم لما فيها من الحديث عما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم وتسمى –أيضاً- بسورة القتال ، لحديثها المستفيض عنه .

وهي من السور المدنية التي يغلب على الظن أن نزولها كان بعد غزوة بدر وقبل غزوة الأحزاب ، وقد ذكروا أن نزولها كان بعد سورة " الحديد " ( {[1]} ) .

وعدد آياتها أربعون آية في البصري ، وثمان وثلاثون في الكوفي ، وتسع وثلاثون في غيرهما .

2- وتفتتح السورة الكريمة ببيان سوء عاقبة الكافرين ، وحسن عاقبة المؤمنين ، ثم تحض المؤمنين على الإغلاظ في قتال الكافرين ، وفي أخذهم أسارى ، وفي الإعلاء من منزلة المجاهدين في سبيل الله .

قال –تعالى- : [ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ، سيهديهم ويصلح بالهم ، ويدخلهم الجنة عرفها لهم . . . ] .

3- ثم وجه –سبحانه- نداء إلى المؤمنين وعدهم فيه بالنصر متى نصروه وتوعد الكافرين بالتعاسة والخيبة ، ووبخهم على عدم اعتبارهم واتعاظهم ، كما بشر المؤمنين –أيضا- بجنة فيها ما فيها من نعيم .

قال –تعالى- : [ مثل الجنة التي وعد المتقون ، فيها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، ولهم فيها من كل الثمرات ، ومغفرة من ربهم ، كمن هو خالد في النار ، وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ] .

4- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن المنافقين ، فذكرت جانبا من مواقفهم السيئة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعوته ، ووبختهم على خداعهم وسوء أدبهم .

قال –تعالى- : [ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ] .

5- ثم صورت السورة الكريمة ما جبل عليه هؤلاء المنافقون من جبن وهلع ، وكيف أنهم عندما يدعون إلى القتال يصابون بالفزع الخالع .

قال –سبحانه- [ ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ، رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم . طاعة وقول معروف ، فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ] .

6- وبعد أن بينت السورة الكريمة أن نفاق المنافقين كان بسبب استحواذ الشيطان عليهم ، وتوعدتهم بسوء المصير في حياتهم وبعد مماتهم .

بعد كل ذلك أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بأوصافهم الذميمة ، فقال –تعالى- : [ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم . ولو نشاء لأريناكهم ، فلعرفتهم بسيماهم ، ولتعرفنهم في لحن القول ، والله يعلم أعمالكم ] .

7- ثم عادت السورة إلى الحديث عن الكافرين وعن المؤمنين ، فتوعدت الكافرين بحبوط أعمالهم . وأمرت المؤمنين بطاعة الله ورسوله . ونهتهم عن اليأس والقنوط ، وبشرتهم بالنصر والظفر ، وحذرتهم من البخل ، ودعتهم إلى الإنفاق في سبيل الله .

قال –تعالى- : [ هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله الغني وأنتم الفقراء ، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم . ثم لا يكونوا أمثالكم ] .

8- هذا والمتدبر في هذه السورة الكريمة –بعد هذا العرض الإجمالي لها- يراها تهتم بقضايا من أهمها ما يأتي :

( أ‌ ) تشجيع المؤمنين على الجهاد في سبيل الله –تعالى- : وعلى ضرب رقاب الكافرين ، وأخذهم أسرى ، وكسر شوكتهم ، وإذلال نفوسهم . . كل ذلك بأسلوب قد اشتمل على أسمى ألوان التحضيض على القتال .

نرى ذلك في قوله –تعالى- : [ فإذا لقيتم الذين كفروا فضر الرقاب . حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ] .

وفي قوله –تعالى- : [ يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ] .

( ب‌ ) بيان سوء عاقبة الكافرين في الدنيا والآخرة ، ودعوتهم إلى الدخول في الدين الحق . وإبراز الأسباب التي حملتهم على الجحود والعناد .

نرى ذلك في آيات كثيرة منها قوله –تعالى- : [ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم . أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ] .

( ج ) كشفها عن أحوال المنافقين وأوصافهم بصورة تميزهم عن المؤمنين وتدعو كل عاقل إلى احتقارهم ونبذهم . يسبب خداعهم وكذبهم ، وجبنهم واستهزائهم بتعاليم الإسلام . ولقد توعدهم الله –تعالى- بأشد ألوان العذاب ، فقال : [ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ] .

نسأل الله –تعالى- أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصادقين .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

افتتحت سورة القتال بهذا الذم الشديد للكافرين ، وبهذا الثناء العظيم على المؤمنين .

افتتحت بقوله - سبحانه - : { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } .

وقوله : { الذين كَفَرُواْ } . . مبتدأ ، خبره قوله - سبحانه - { أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } .

والمراد بهم كفار قريش ، الذين أعرضوا عن الحق وحرضوا غيرهم على الإِعراض عنه .

فقوله : { صَدُّواْ } من الصد بمعنى المنع ، والمفعول محذوف .

وقوله : { أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } أى : أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة ذاهبة لا أثر لها ولا وجود ، والمراد بهذه الأعمال : ما كانوا يعملونه فى الدنيا من عمل حسن ، كإِكرام الضيف ، وبرد الوالدين ، ومساعدة المحتاج . أى : الذين كفروا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإِيمان به ، ومنعوا غيرهم من اتباع الدين الحق الذى أمر الله - تعالى - باتباعه { أَضَلَّ } - .

سبحانه - أعمالهم ، بأن جعلها ذاهبة ضائعة غير مقبولة عنده . كما قال - تعالى - : { وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } قال صاحب الكشاف : { أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } أى : أبطلها وأحبطها : وحقيقته ، جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها ، كالضالة من الإِبل ، التى هى مضيعة لا رب لها يحفظها ويعنى بأمرها ، أو جعلها ضالة فى كفرهم وعاصيهم ، ومغلوبة بها ، كما يضل الماء اللبن . وأعمالهم ما كانوا يعلمونه فى كفرهم بما يسمونه مكارم : من صلة الأرحام ، وفك الأسرى .

وقيل : أبطل ما عملواه من الكيد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصد عن سبيل الله ، بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.