تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الفلق

أهداف سورة الفلق

( سورة الفلق مكية ، وآياتها 5 آيات ، نزلت بعد سورة الفيل )

وسورة الفلق توجيه من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين جميعا ، للعياذ بكنفه ، واللياذ بجاهه من كل سوء ، والاعتصام بقدرته والاحتماء بجلاله من شرور مخلوقاته ، وما عسى أن يصدر عنهم من إفك وحسد .

مع آيات السورة

1 ، 2- قل أعوذ بربّ الفلق* من شر ما خلق .

الفلق هو الصبح ، وقال جمع من المفسرين : إن الفلق هو الموجود الممكن كله ، أي : قل : أستعيذ برب المخلوقات وبفالق الإصباح من كل أذى وشر يصيبني من مخلوق من مخلوقاته جميعا .

ثم خصص من بعض ما خلق أصنافا يكثر وقوع الأذى منها :

3- ومن شرّ غاسق إذا وقب . أصل المعنى في مادة غسق . السيلان والانصباب ، وأصل الوقب : النقرة في الجبل ونحوه ، ووقب بمعنى دخل دخولا لم يترك شيئا إلا مرّ به .

والمراد من الغاسق هنا : الليل ، ووقب : أي دخل وغمر كل شيء كأنما انصب عليه واشتدت ظلمته .

أي : أستعيذ بالله من شر الليل إذا دخل وغمر كل شيء بظلامه . وأستعيذ بالله من الظلام الحالك ، وما يختبئ فيه من حشرة مؤذية ، ومن شيطان تساعده الظلمة على الانطلاق والإيحاء ، أو من ظلمات النفس والحيرة .

وعن ابن عباس : هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت داعية العقلi .

4- ومن شر النّفاثات في العقد . أي : ومن شر النمّامين الذين يقطعون روابط المحبة ، ويبدّدون شمل المودة ، ( والنميمة تشبه أن تكون ضربا من السحر لأنها تحوّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة ، بوسيلة خفية كاذبة ، والنميمة تضلّل وجدان الصديقين ، كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته ، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق إذا وقب ، ولا يسهل على أحد أن يحتاط للتحفظ من النمّام ، فربما دخل عليك بما يشبه الصدق حتى لا يكاد يمكنك تكذيبه ، فلا بد من قوة أعظم من قوتك تستعين بها عليه )ii .

أو النفاثات في العقد : الساحرات الساعيات بالأذى عن طريق خداع الحواس ، وخداع الأعصاب ، والإيحاء إلى النفوس ، والتأثير في المشاعر ، وهن يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل ، وينفثن فيها كتقليد من تقاليد السحر والإيحاء .

ويصح أن يراد بالنفاثات في العقد : النساء الكيادات اللواتي يفسدن عقد الزوجية ، بصرف الزوج عن زوجته واستمالته حتى يهجر زوجته الأولى ، فكأن الثانية أفسدت عقد الزوجية بين الزوج وزوجته الأولىiii .

5- ومن شرّ حاسد إذا حسد . والحسد انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها ، وسواء أتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي ، فإن شرا يمكن أن يعقب هذا الانفعال .

فإذا حسد الحاسد ، ووجه انفعالا نفسيا معينا إلى المحسود ، فإن شرّا يمكن أن ينفذ إلى المحسود عن طريق العين أو النفس ، ونحن نستجير بالله ونستعيذ به ، ونلجأ إلى رحمته وفضله ، ليعيدنا من هذه الشرور إجمالا وتفصيلا .

وقد روى البخاري بإسناده ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما : قل هو الله أحد . وقل أعوذ برب الفلق . وقل أعود برب الناس . ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، يفعل ذلك ثلاث مراتiv .

وهكذا رواه أصحاب السنن .

مقاصد سورة الفلق

1- الالتجاء إلى الله والتحصن بقدرته من شر الخلق .

2- ومن شر الظلام إذا انتشر وغطى الكون .

3- ومن شر النساء الكيّادات صاحبات الحيل ، ومن شر أهل الفتنة والنميمة .

4- ومن شر الحسود إذا وجّه كيده للحسد .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ قل أعوذ بربّ بالفلق 1 من شر ما خلق 2 ومن شر غاسق إذا وقب 3 ومن شر النفّاثات في العقد 4 ومن شر حاسد إذا حسد 5 }

المفردات :

أعوذ : ألجأ وأتحصن .

الفلق : الصبح ، أو جميع الموجودات .

1

التفسير :

1- قل أعوذ بربّ الفلق .

قل يا محمد : أعوذ وألوذ بربّ الفلق ، أي برب المخلوقات ومبدع الكائنات ، أو قل : أعتصم برب الصباح الذي يتجلى عنه الليل .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الفلق

مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر ورواية كريب عن ابن عباس مدنية في قول ابن عباس في رواية أبى صالح وقتادة وهو الصحيح لان سبب نزولها سحر اليهود كما سيأتي إن شاء الله تعالى وهم إنما سحروه عليه الصلاة والسلام بالمدينة كما جاء في الصحاح فلا يلتفت لمن صحح كونها مكية وكذا في الكلام في سورة الناس وآيها الخمس بلا خلاف ولما شرح أمر الاهية في السورة قبلها جيء بها بعدها شرحا لما يستعاذ منه بالله تعالى من الشر الذي في مراتب العالم ومراتب مخلوقاته وهى السورة التي بعدها نزلتا معا كما في الدلائل للبيهقى فلذلك قرنتا مع اشتركتا فيه من التسمية بالمعوذتين ومن الافتتاح بقل أعوذ وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهما عنه قال : قال رسول الله صلى تعالى عليه وسلم أنزلت على الليلة آيات لم أرى مثلهن قط قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثن تمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه وعلى وجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات وجاء في الحديث أن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثا حين يمسى وحين يصبح كفته من كل شيء وفي فضلهما أخبار كثيرة غير ما ذكر وعن أبن مسعود أنه أنكر قرآنيتهما أخرج الإمام أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عنه انه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه انهما ليستا من كتاب الله تعالى انما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتعوذ بهما وكان أبن مسعود لا يقرأ بهما قال البزار لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة وقد صح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف وأخرج الإمام أحمد والبخاري والنسائى وابن حبان وغيرهم عن زر بن حبيش قال أتيت المدينة فلقيت أبى بن كعب فقلت له يا أبا المنذر انى رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه فقال أما والذي بعث محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سألت غيرك فقال قيل لى قل فقلت فقولوا فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبهذا الاختلاف قدح بعض الملحدين في أعجاز القرآن قال لو كانت بلاغة ذلك بلغت حد الإعجاز لتميز به عن القرآن فلم يختلف في كونه منه وأنت تعلم أنه وقع الإجماع على قرآنيتهما وقالوا ان إنكار ذلك اليوم كفر ولعل ابن مسعود رجع عن ذلك وفي شرح المواقف ان اختلاف الصحابة في بعض سور القرآن مروى بالآحاد المفيدة للظن ومجموع القرآن منقول بالنواتر المفيد لليقين الذي يضمحل الظن في مقابلته فتلك الآحاد مما يلتفت اليه ثم انا سلمنا اختلافهم فيما ذكر قلنا انهم لم يختلفوا في نزوله على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا في بلوغه في البلاغة حد الاعجاز بل مجرد كونه من القرآن وذلك لا يضر فيما نحن بصدده انتهى وعكس هذا القول في السورتين المذكورتين قيل في سورتي الخلع والحفد وفي لفظهما روايات منها ما يقنت به الحنفية فقد روى انهما في مصحف أبى ابن كعب وفي مصحف ابن عباس وفي مصحف ابن مسعود ان صح انهما كلام الله تعالى منسوخا التلاوة وليسا من القرآن كما لا يخفي .

{ قُلْ أَعُوذُ } أي ألتجيء وأعتصم وأتحرز { بِرَبّ الفلق } فعل بمعنى مفعول صفة مشبهة كقصص بمعنى مقصوص من فلق شق وفرق وهو يعم جميع الموجودات الممكنة فإنه تعالى فلق بنور الإيجاد عنها سيما ما يخرج من أصل كالعيون من الجبال والأمطار من السحاب والنبات من الأرض والأولاد من الأرحام وخص عرفاً بالصبح وإطلاقهم المفلوق عليه مع قولهم فلق الله تعالى الليل عن الصبح على نحو إطلاق المسلوخ على الشاة مع قولهم سلخت الجلد من الشاة وتفسيره بالمعنى العام أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ولفظه الفلق الخلق وأخرج الطستي عنه أنه فسره بالصبح وأنشد رضي الله تعالى عنه قول زهير

: الفارج الهم مسد ولا عساكره *** كما يفرج غم الظلمة الفلق

وهو مروي عن جابر بن عبد الله ومجاهد وقتادة وابن جبير والقرطبي وابن زيد وعليه فتعليق العياذ باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبىء عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق والفتق بعد الرتق عدة كريمة بإعاذة العائذ مما يعوذ منه وانجائه منه وتقوية لرجائه بتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه عز وجل وقيل إن في تخصيص الفلق بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة فالدور كالقبور والنوم أخو الموت والخارجون من منازلهم صباحاً منهم من يذهب لنضرة وسرور ومنهم من يكون من مطالبة ديون في غموم وشرور إلى أحوال أخر تكون للعباد هي أشبه شيء بما يكون لهم في المعاد وفي تفسير القاضي أن لفظ الرب ههنا أوقع من سائر الأسماء أي التي يجوز إضافتها إلى الفلق على ما قيل لأن الإعاذة من المضار تربية وهو على تعميم الفلق ظاهر لشموله للمستعيذ والمستعاذ منه وعلى تخصيصه بالصبح قيل لأنه مشعر بأنه سبحانه قادر مغير للأحوال مقلب للأطوار فيزيل الهموم والأكدار وقال الرئيس بن سينا بعد أن حمل الفلق على ظلمة العدم المفلوقة بنور الوجود إن في ذكر الرب سراً لطيفاً من حقائق العلم وذلك أن المربوب لا يستغني في شيء من حالاته عن الرب كما يشاهد في الطفل ما دام مربوباً ولما كانت الماهيات الممكنة غير مستغنية عن إفاضة المبدأ الأول لا جرم ذكر لفظ الرب للإشارة إلى ذلك وفيه إشارة أخرى من خفيات العلوم وهو أن العوذ والعياذ في اللغة عبارة عن الالتجاء إلى الغير فلما أمر بمجرد الالتجاء إلى الغير وعبر عنه بالرب دل ذلك على أن عدم الحصول ليس لأمر يرجع إلى المستعاذ به المفيض للخيرات بل لأمر يرجع إلى قابلها فإن من المقرر أنه ليس شيء من الكمالات وغيرها مبخولاً به من جانب المبدأ الأول سبحانه بل الكل حاصل موقوف على أن يصرف المستعد جهة قبوله إليه وهو المعنى بالإشارة النبوية إن لربكم في أيام دهركم نفحات من رحمته إلا فتعرضوا لها بين أن نفحات الألطاف دائمة وإنما لخلل من المستعد انتهى وفي رواية عن ابن عباس أيضاً وجماعة من الصحابة والتابعين أن الفلق جب في جهنم وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق } قال هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون وإن جهنم لتعوذ بالله تعالى منه وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن عنبسة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق } فقال يا ابن عنبسة أتدري ما الفلق قلت الله ورسوله أعلم قال بئر في جهنم فإذا سعرت البئر فمنها تسعر جهنم وإن جهنم لتتأذى منه كا يتأذى ابن آدم من جهنم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب قال الفلق بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره وعن الكلبي أنه واد في جهنم وقيل هو جهنم وهو على ما في «الكشاف » من قولهم لما اطمأن من الأرض الفلق والجمع فلقان كخلق وخلقان وتخصيصه بالذكر قيل لأنه مسكن اليهود فعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرأي دور أهل الذمة وما هم فيه من خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم فقال لا أبالي أليس من ورائهم الفلق وفسر بما روى آنفاً عن كعب ومنهم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم ففي تعليق العياذ بالرب مضافاً إليه عدة كريمة بإعاذته صلى الله عليه وسلم من شرهم ولا يخفي إن هذا مما لا يثلج الصدر وأظن ضعف الأخبار السالفة ويترجح في نظري المعنى الأول للفلق .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الفلق ، [ وهي ] مكية .

{ 1 - 5 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }

أي : { قل } متعوذًا { أَعُوذُ } أي : ألجأ وألوذ ، وأعتصم { بِرَبِّ الْفَلَقِ } أي : فالق الحب والنوى ، وفالق الإصباح .