يد الله : اليد في كلام العرب تكون : للجارحة ، وللنعمة ، وللقوة ، وللقدرة ، وللصلة ، وللتأييد ، وللنصرة .
مغلولة : الغل : قيد من الجلد ، أو الحديد يوضع في اليد أو العنق . ومرادهم بذلك : أنها مقبوضة ، بخيلة بالعطاء .
مبسوطتان : البسط : المد بالعطاء . والمراد منه هنا : الجود والإعطاء .
أوقدوا نارا للحرب : أوقد النار : أشعلها . والمراد هنا : أثاروا الفتن ، ودبروا المكائد التي تؤدي إلى وقوع الحرب بين الناس .
64- وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ . . . الآية
سبب النزول : جاء في تفسير القرطبي ما يأتي :
قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه ، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ قل ما لهم ، فقالوا : إن الله بخيل ، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء ، فالآية خاصة في بعضهم ، وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون ، صاروا كأنهم بأجمعهم قالواهذا .
وقال الحسن : المعنى : يد الله مقبوضة عن عذابنا .
وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه ويلم في فقر وقلة مال وسمعوا : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا . ( البقرة : 245 ) .
ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير وربما قالو : بخيل وهذا معنى قولهم : يد الله مغلولة . فهم على التمثيل كقوله : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ . ( الإسراء : 29 ) .
ويقال للبخيل : جعد الأنامل ، ومقبوض الكف ، وكز الأصابع ومغلول اليد {[286]} .
والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال ، لاسيما في دفع المال وإنفاقه فأطلقوا اسم السبب على المسبب وأسندوا الجود والخير إلى اليد والكف فقيل للجواد : فياض اليد ، مبسوط الكف ، وقيل للبخيل : مقبوض اليد ، كز الكف . . .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ . أي : أن الله بخيل علينا بما عنده من المال والعطاء والرزق ، أو المراد : أنه فقير لا يجد ما يعطيه لنا ، حيث قالوا في الآية 181 من سورة آل عمران : إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء .
وهذا نوع من جرأة اليهود على الله وسوء أدبهم معه وتوبيخ لهم على جحودهم نعم الله التي لا تحصى .
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ . وهو دعاء عليهم بالشح المرير وبالبخل الشنيع بأن يخلق سبحانه فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس ، ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الل ، ه وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله تعالى .
قال الآلوسي : ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدي : الحقيقة أن يغلوا في الدنيا أساري ، وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم ، ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فيكون تجنيسا ، وقيل من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول : سبني سب الله دابره أي : قطعه ؛ لأن السب أصله القطع {[287]} وقد حقق الله قضاءه فيهم ، فكانوا أبخل الناس في الدنيا ، وأحرصهم على المال ، وباءوا في الآخرة بالخلود في النار .
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء . أي : ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود ، بل هو سبحانه الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، وما من شيء إلا عنده خزائنه .
فبسط اليد هنا : كناية عن الجود والفضل والأنعام منه- سبحانه- على خلقه وقد أشير بثنية اليد إلى تقرير غاية جوده وغناه .
فإن أقصى ما تصل إليه همة الجواد السخي أن يعطي بكلتا يديه .
وقوله : يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء . جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده ، والدلالة على انه ينفق على مقتضى حكمته ومشيئته ، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقبضه عمن يشاء ؛ لحكمة يعلمها ولا نعلمها .
قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( الشورى : 27 ) .
وقال تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ( آل عمران : 26 )
وروى البخاري ومسلم ، وأحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى قال : أنفق أنفق عليك " {[288]} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء {[289]} الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ، قال : وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض . {[290]}
يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء . يرزق كما يريد ويجوز أن يكون اليد في هذه الآية بمعنى : القدرة أي : قدرته شاملة إن شاء وسع وإن شاء قتر .
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا . المراد بالكثير : علماء اليهود ورؤساؤهم ، أي : إذا نزل شيء من القرآن فكفروا به ؛ ازداد كفرهم .
والقرآن بطبيعته كتاب هداية وشفاء للنفوس من ضلالها لكن اليهود قوم أكل الحقد قلوبهم واستولى الحسد على نفوسهم فهم يضمون إلى حقدهم القديم وكفرهم السابق كفرا جديدا بكل ما نزل عليك يا محمد .
قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا . ( الإسراء : 82 ) .
وقد أكد الله هذه الجملة بالقسم المطوى وباللام الموطئة له ، وبنون التوكيد الثقيلة ؛ لكي ينتفي الرجاء في إيمانهم وليعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم على أساس مكنون نفوسهم الخبيثة وقلوبهم المريضة بالحسد والخداع .
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قال ابن عطية : وكأن العداوة . شيء يشهد يكون عنه عمل وحرب ، والبغضاء لا تتجاوز النفوس .
والمعنى : وألقينا بين طوائف اليهود المتعددة ، العداوة الدائمة والبغضاء المستمرة ، فلا تتوافق قلوبهم ، ولا تتطابق أقوالهم أبدا إلى يوم القيامة .
ولقد كانوا كذلك طوال تاريخهم ، منذ أن أرسل إليهم الرسل ودأبوا على قتل الأنبياء بغير حق ، ثم كذبوا محمد صلى الله عليه وسلم ، واستمروا على اقتراف حرائمهم ، وازدادوا فيها ، قال تعالى : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى . . ( الحشر : 14 )
كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ . أي : كلما هموا بحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفسد الله عليهم خطتهم وأحبط مكرهم ، وألقى الرعب في قلوبهم ، او كلما حاربوا أحدا أو جماعة غلبوا وهزموا ، وقد كان أمرهم كذلك على مدى التاريخ .
وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله- التوراة- أرسل الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم تيطس الرومي ، ثم أفسدوا فبعث عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث عليهم المسلمين فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله كلما أوقدوا نارا أي : أهاجوا شرا ، وأجمعوا أمرهم على الحرب قهرهم الله ووهن أمرهم فذكر النار مستعار {[291]} .
والعرب كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم أوقدوا نارا يسمونها : نار الحرب .
وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . أي : أن حال هؤلاء اليهود أنهم يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله ، وأنهم يسعون سعيا حثيثا للإفساد في الأرض عن طريق إثارة الفتن وإيقاظ الأحقاد بين الناس .
وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . بل يبغضهم ويمقتهم ؛ لإيثارهم الضلالة على الهدى والشر على الخير .
وقد كانت أصابع اليهود وراء نيران الحروب والعداوة في تاريخهم الطويل .
ومنذ القدم واليهود كلما جمعوا جموعهم وأعدوا عدتهم لإيذاء الناس ، أو إشعال نار الفتنة على عباد الله ؛ شتت الله شملهم ، وخيب رجاءهم ودمر كيدهم .
{ وَقَالَتِ اليهود } عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعكرمة والضحاك قالوا : إن الله تعالى قد بسط لليهود الرزق فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم / كف عنهم ما كان بسط لهم ، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء رأس يهود قينقاع ، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما النباش بن قيس { يَدُ الله } عز وجل { مَغْلُولَةً } وحيث لم ينكر على القائل الآخرون ورضوا به نسبت تلك العظيمة إلى الكل ، ولذلك نظائر تقدم كثير منها ، وأرادوا بذلك لعنهم الله تعالى أنه سبحانه ممسك ما عنده بخيل به تعالى عما يقولون علواً كبيراً فإن كلاً من غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ، أو كناية عن ذلك ، وقد استعمل حيث لا تصح يد كقوله :
جاد الحمى بسط ( اليدين ) بوابل *** شكرت نداه تلاعه ووهاده
ولقد جعلوا للشمال يداً كما في قوله :
أضل صواره وتضيفته *** نطوف أمرها بيد ( الشمال )
وغداة ريح قد كشفت وقرة *** إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
ويقال : بسط اليأس كفيه في صدر فلان ، فيجعل لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان ، قال الشاعر :
وقد رابني وهن المنى وانقباضها *** وبسط جديد اليأس كفيه في صدري
وقيل : معناه إنه سبحانه فقير ، كقوله تعالى : { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] ، وقيل : اليد هنا بمعنى النعمة أي إن نعمته مقبوضة عنا ، وعن الحسن أن المعنى أن يد الله تعالى مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل ، وكأنه حمل اليد على القدرة ، والغل على عدم التعلق . وقيل : لا يبعد أن يقصدوا اليد الجارحة فانهم مجسمة ، وقد حكي عنهم أنهم زعموا أن ربهم أبيض الرأس واللحية قاعد على كرسي ، وأنه فرغ من خلق السموات والأرض يوم الجمعة واستلقى على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى وإحدى يديه على صدره للاستراحة مما عراه من النصب في خلق ذلك تعالى الله سبحانه عما يقولون علواً كبيراً .
والأقوال كلها كما ترى ، وكل العجب من الحسن رضي الله تعالى عنه من قوم ذلك وليته لم يقل غير الحسن ، ولعل نسبته إليه غير صحيحة ، والذي تقتضيه البلاغة ويشهد له مساق الكلام القول الأول ، ولا يبعد من قول قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] وعبدوا العجل أن يعتقدوا اتصاف الله عز وجل بالبخل ويقولوا ما قالوا ، وقال أبو القاسم البلخي : يجوز أن يكون اليهود قالوا قولاً واعتقدوا مذهباً يؤدي معناه إلى أن الله تعالى عز شأنه يبخل في حال ويجود في حال آخر ، فحكى عنهم على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم .
وقال آخر : إنهم قالوا ذلك على وجه الهزء حيث لم يوسع سبحانه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى أصحابه ؛ ولا يخفى أن ما روي في سبب النزول لا يساعد ذلك ، وقيل : إنهم قالوا ذلك على سبيل الاستفهام والاستغراب ، والمراد يد الله سبحانه مغلولة عنا حيث قتر المعيشة علينا ، ولا يخفي بعده .
{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } دعاء عليهم بالبخل المذموم كما قال الزجاج ودعاؤه بذلك عبارة عن خلقه الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم ، ولا استحالة في ذلك على مذهب أهل الحق ، ويجوز أن يكون دعاء عليهم بالفقر والمسكنة ، وقيل : تغل الأيدي حقيقة ، يغلون في الدنيا أسارى ، وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم ، ومناسبة هذا لما قبله حينئذ من حيث اللفظ فقط فيكون تجنيساً ، وقيل : هي من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول : سبني سب الله تعالى دابره ، أي قطعه لأن السب أصله القطع ، وإلى هذا ذهب الزمخشري ، واستطيبه الطيبي ، وقال : إن هذه مشاكلة لطيفة بخلاف قوله :
قالوا : اقترح شيئاً نجد لك طبخه *** قلت : اطبخوا لي جبة وقميصا
واختار أبو علي الجبائي أن ذلك إخبار عن حالهم يوم القيامة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم في جهنم جزاء هذه الكلمة العظيمة ، وحكاه الطبرسي عن الحسن ، ثم قال : «فعلى هذا يكون الكلام بتقدير الفاء أو الواو ، فقد تم كلامهم واستؤنف بعده كلام آخر ، ومن عادتهم أن يحذفوا فيما يجري هذا المجرى ، ومن ذلك قوله : { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } [ البقرة : 67 ] » ، وأنت تعلم أن مثل هذا على الاستئناف البياني ، ولا حاجة فيه إلى تجشم مؤونة التقدير ، على أن كلام الحسن فيما نرى ليس نصاً في كون الجملة إخبارية إذ قصارى ما قال : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } في جهنم وهو محتمل لأن يكون دعاء عليهم بذلك .
{ وَلُعِنُواْ } أي أبعدوا عن رحمة الله تعالى وثوابه { بِمَا قَالُواْ } أي بسبب قولهم ، أو بالذي قالوه من ذلك القول الشنيع ، وهذا دعاء ثان معطوف على الدعاء الأول ، والقائل بخبريته قائل بخيريته ، وقرىء { وَلُعِنُواْ } بسكون العين .
{ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس الشأن كما زعموا بل في غاية ما يكون من الجود ، وإليه كما قيل أشير بتثنية اليد ، فإن أقصى ما تنتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا بكلتا يديهم ، وقيل : اليد هنا أيضاً بمعنى النعمة ، وأريد بالتثنية نعم الدنيا ونعم الآخرة ، أو النعم الظاهرة والنعم الباطنة أو ما يعطى للاستدراج وما يعطى للإكرام ، وقيل : وروي عن الحسن أنها بمعنى القدرة كاليد الأولى ، وتثنيتها باعتبار تعلقها بالثواب وتعلقها بالعقاب ، وقيل : المراد من التثنية : التكثير كما في
{ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك : 4 ] والمراد من التكثير : مجرد المبالغة في كمال القدرة وسعتها لا أنها متعددة ، ونظير ذلك قول الشاعر :
فسرت أسرة طرتيه فغورت *** في الخصر منه وأنجدت في نجده
فإنه لم يرد أن لذلك الرشا طرتين إذ ليس للإنسان إلا طرة واحدة وإنما أراد المبالغة . وقال سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم : إن هذا من المتشابه ، وتفويض تأويله إلى الله تعالى هو الأسلم ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أثبت لله عز وجل يدين ، وقال : «وكلتا يديه يمين » ولم يرو عن أحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم أنه أول ذلك بالنعمة ، أو بالقدرة بل أبقوها كما وردت وسكتوا ، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب لا سيما في مثل هذه المواطن ، وفي مصحف عبد الله بل يداه بسطان يقال : يد بسط بالمعروف ، ونحوه مشية سجح وناقة سرح .
{ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده سبحانه لما فيها من الدلالة على تعميم الأحوال المستفاد من ( كيف ) وفيها تنبيه على سر ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى الاجتراء على كلمة ملأ الفضاء قبحها ، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم الدقيقة التي عليها تدور أفلاك المعاش والمعاد ، وقد اقتضت الحكمة إذ كفروا بآيات الله تعالى وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضيق عليهم ، و { كَيْفَ } ظرف ليشاء والجملة في موضع نصب على الحالية من ضمير { يُنفِقُ } أي ينفق كائنا على أي حال يشاء أي على مشيئته أي مريداً ، وقيل : إن جملة { يُنفِقُ } في موضع الحال من الضمير المجرور في { يَدَاهُ } واعترض بأن فيه الفصل بالخبر وبأنه مضاف إليه ، والحال لا يجيء منه ، وردّ بأن الفصل بين الحال وذيها ليس بممتنع كما في قوله تعالى حكاية : { هذا * بَعْلِى شَيْخًا } [ هود : 72 ] إذ قيل : إن شيخاً حال من اسم الإشارة ، والعامل فيه التنبيه ، وأن الممنوع مجيء الحال من المضاف إليه إذا لم يكن جزءاً أو كجزء أو عاملاً ، وههنا المضاف جزء من المضاف إليه ، أو كجزء فليس بممتنع ، وجوّز أن تكون في موضع الحال من اليدين أو من ضميرهما ، ورد بأنه لاضمير لهما فيها ، وأجيب بأنه لا مانع من تقدير ضمير لهما أن ينفق بهما ، ومن هنا قيل : بجواز كونها خبراً ثانياً للمبتدأ ، نعم التقدير خلاف الأصل والظاهر ، وهو إنما يقتضي المرجوحية لا الامتناع ، وترك سبحانه ذكر ما ينفقه لقصد التعميم .
{ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم } وهم علماؤهم ورؤساؤهم ، أو المقيمون على الكفر منهم مطلقاً { مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ } من القرآن المشتمل على هذه الآيات ، وتقديم المفعول للاعتناء به { مِن رَبّكَ } متعلق بأنزل كما أن إليك كذلك ، وتأخيره عنه مع أن حق المبدأ أن يقدم على المنتهي لاقتضاء المقام كما قال شيخ الإسلام الاهتمام ببيان المنتهى لأن مدار الزيادة هو النزول إليه صلى الله عليه وسلم ، وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف ، والموصول فاعل ليزيدنّ والاسناد مجازي ، و { كَثِيراً } مفعوله الأول ، و { مِنْهُمْ } صفته .
وقوله تعالى : { طغيانا وَكُفْراً } مفعوله الثاني أي ليزيدنهم طغياناً على طغيانهم وكفراً على كفرهم القديمين ، لأن الزيادة تقتضي وجود المزيد عليه قبلها ، وهذه الزيادة إما من حيث الشدة والغلو ، وإما من حيث الكم والكثرة إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار ، وهذا كما أن الطعام الصالح للأصحاء يزيد المرض مرضاً ، ويحتمل أن يراد بما أنزل النعم التي منحها الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أي أنهم كفروا وتمادوا على الكفر وقالوا ما قالوا حيث ضيق الله تعالى عليهم وكف عنهم ما بسط لهم ، فمتى رأوا مع ذلك بسط نعمائه وتواتر آلائه على نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو أعدى أعدائهم ازدادوا غيظاً وحنقاً على ربهم سبحانه ، فضموا إلى طغيانهم الأول طغياناً وإلى كفرهم كفراً وحينئذ تلائم الآية ما قبلها أشد ملائمة إلا أن ذلك لا يخلو عن بعد ، ولم أر من ذكره .
{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ } أي اليهود . وقال في «البحر » : «الضمير لليهود والنصارى لأنه قد جرى ذكرهم في قوله سبحانه : { لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى } [ المائدة : 51 ] ولشمول قوله عز وجل : { يا أَهْلِ الكتاب } [ المائدة : 59 ] للفريقين ، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد » . { العداوة والبغضاء } فلا تكاد تتوافق قلوبهم ولا تتحد كلمتهم ، فمن اليهود جبرية ومنهم قدرية ومنهم مرجئة ومنهم مشبهة ، و العداوة والبغضاء بين فرقة وفرقة قائمتان على ساق ، وكذا من النصارى الملكانية واليعقوبية والنسطورية ، وحالهم حالهم في ذلك ، وحال اليهود مع النصارى أظهر من أن تخفى ، ورجح عود الضمير إلى اليهود بأن الكلام فيهم ، وفائدة هذا الإخبار هنا إزاحة ما عسى أن يتوهم من ذكر طغيانهن وكفرهم من الاجتماع على أمر يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين ، وقال أبو حيان ( في البحر » 3/ 525 ) بعد أن أرجع الضمير للطائفتين : «إن المعنى لا يزال اليهود والنصارى متباغضين متعادين قلما توافق إحدى الطائفتين الأخرى ، ولا تجتمعان على قتالك وحربك ، وفي ذلك إخبار بالغيب فإنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيش يهود ونصارى منذ سل سيف الإسلام » .
وفرق السمين بين العداوة والبعضاء بأن العداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو { إلى يَوْمِ القيامة } متعلق بألقينا وجوز أن يتعلق بالبغضاء أي إن التباغض بينهم مستمر ما داموا ، وليست حقيقة الغاية مرادة ، ولم يجوز أن يتعلق بالعداوة لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي .
{ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلة ما هم فيه إلى المسلمين ، والمراد كلما أرادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ورتبوا مباديها ردّهم الله تعالى وقهرهم بتفرق آرائهم وحل عزائمهم وإلقاء الرعب في قلوبهم ، فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب ، وقد كانت العرب إذا تواعدت للقتال جعلوا علامتهم إيقاد نار على جبل أو ربوة ويسمونها نار الحرب ، وهي إحدى نيران مشهورة عندهم ، وإطفاؤها عبارة عن دفع شرهم ، وحكى في «البحر » قولين في الآية : «فعن قوم أن الإيقاد حقيقة ، وكذا الإطفاء أي أنهم كلما أوقدوا ناراً للمحاربة ألقى عليهم الرعب فتقاعدوا وأطفأوها ، وإضافة الإطفاء إليه تعالى إضافة المسبب إلى السبب الأصلي . وعن الجمهور إن الكلام مخرّج مخرج الاستعارة ، والمراد من إيقاد النار : إظهار الكيد بالمؤمنين الشبيه بالنار في الإضرار ، ومن إطفائها صرف ذلك عن المؤمنين ، ولعل القول بالكناية ألطف منهما ، وكون المراد من الحرب محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم هو المروي عن الحسن ومجاهد ، وقيل : هو أعم من ذلك أي كلما أرادوا حرب أحد غلبوا ، فإن اليهود لما خالفوا حكم التوراة سلط الله تعالى عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط سبحانه عليهم فطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط جل شأنه عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام » ، فأباد خضراءهم . واستأصل شأفتهم وفرق جمعهم وأذلهم فأجلى بني النضير وبني قينقاع ، وقتل بني قريظة وأسر أهل خيبر ، وغلب على فدك ، ودان له أهل وادي القرى ، وضرب على أهل الذمة الجزية وأبقاهم الله تعالى في ذل لا يعزون بعده أبداً ، وإطفاء النار على هذا عبارة عن الغلبة عليهم قاتلهم الله تعالى ، و { لّلْحَرْبِ } متعلق بأوقدوا واللام للتعليل ، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لنار ، وهو الأوفق بالتسمية .
{ وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً } أي يجتهدون في الكيد للاسلام وأهله وإثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه بإيقاد نار الحرب ؛ كتغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال الشبه على ضعفاء المسلمين والمشي بالنميمة مع الافتراء ونحو ذلك ، و { فَسَاداً } إما مفعول له ، وعليه اقتصر أبو البقاء ، أو في موضع المصدر ، أو حال من ضمير { يَسْعَوْنَ } أي يسعون للفساد ، أو سعي فساد أو مفسدين . { والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } بل يبغضهم ، ولذلك أطفأ ( نائرة فسادهم ) ، واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً ، وإما للعهد ، ووضع المظهر موضع ضميرهم للتعليل وبيان كونهم راسخين في الإفساد . والجملة ابتدائية مسوقة لإزاحة ما عسى أن يتوهم من تأثير اجتهادهم شيئاً من الضرر ، وجعلها بعضهم في موضع الحال ، وفائدتها مزيد تقبيح حالهم وتفظيع شأنهم .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَقَالَتِ اليهود } لحرمانهم من الأسرار التي لا يطلع عليها أهل الظاهر { يَدُ الله } تعالى عما يقولون { مَغْلُولَةً } فلا يفيض غير ما نحن فيه من العلوم الظاهرة { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } وحرموا إلى يوم القيامة عن تناول ثمار أشجار الأسرار { وَلُعِنُواْ } أي أبعدوا عن الحضرة الإلهية { بِمَا قَالُواْ } من تلك الكلمة العظيمة { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ } بهما
{ كَيْفَ يَشَاء } [ المائدة : 64 ] فيفيض حسب الحكمة من أنواع العلوم الظاهرة والباطنة على من وجده أهلاً لذلك ، وإلى الظاهر والباطن أشار صلى الله عليه وسلم «بالليل والنهار » فيما أخرجه البخاري وغيره " يد الله تعالى ملآى لا يغيضها سخاء الليل والنهار "
{ 64 - 66 ْ } { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ْ }
يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة ، وعقيدتهم الفظيعة ، فقال : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ْ } أي : عن الخير والإحسان والبر .
{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ْ } وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم . فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم ، بالبخل وعدم الإحسان . فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم .
فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا ، وأسوأهم ظنا بالله ، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء ، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي . ولهذا قال : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ْ } لا حجر عليه ، ولا مانع يمنعه مما أراد ، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي ، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده ، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم .
فيداه{[269]} سحاء الليل والنهار ، وخيره في جميع الأوقات مدرارا ، يفرج كربا ، ويزيل غما ، ويغني فقيرا ، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا ، ويجيب سائلا ، ويعطي فقيرا عائلا ، ويجيب المضطرين ، ويستجيب للسائلين . وينعم على من لم يسأله ، ويعافي من طلب العافية ، ولا يحرم من خيره عاصيا ، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر ، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها ، ويضيفها إليهم ، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف ، ولا يخطر على بال العبد ، ويلطف بهم في جميع أمورهم ، ويوصل إليهم من الإحسان ، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه ، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه ، وإليه يجأرون في دفع المكاره ، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه ، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين ، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده .
وقبَّح الله من استغنى بجهله عن ربه ، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله ، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة ، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم ، لهلكوا ، وشقوا في دنياهم ، ولكنهم يقولون تلك الأقوال ، وهو تعالى ، يحلم عنهم ، ويصفح ، ويمهلهم ولا يهملهم .
وقوله { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ْ } وهذا أعظم العقوبات على العبد{[270]} ، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله ، الذي فيه حياة القلب والروح ، وسعادة الدنيا والآخرة ، وفلاح الدارين ، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده ، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها ، والاستسلام لله بها ، وشكرا لله عليها ، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه ، وطغيان إلى طغيانه ، وكفر إلى كفره ، وذلك بسبب إعراضه عنها ، ورده لها ، ومعاندته إياها ، ومعارضته لها بالشبه الباطلة . { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ْ } فلا يتآلفون ، ولا يتناصرون ، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم ، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم ، متعادين بأفعالهم ، إلى يوم القيامة { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ ْ } ليكيدوا بها الإسلام وأهله ، وأبدوا وأعادوا ، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم { أَطْفَأَهَا اللَّهُ ْ } بخذلانهم وتفرق جنودهم ، وانتصار المسلمين عليهم .
{ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ْ } أي : يجتهدون ويجدون ، ولكن بالفساد في الأرض ، بعمل المعاصي ، والدعوة إلى دينهم الباطل ، والتعويق عن الدخول في الإسلام . { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ْ } بل يبغضهم أشد البغض ، وسيجازيهم على ذلك .