تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ} (51)

المفردات :

غرتهم الحياة الدنيا : خدعتهم بزخارفها وزينتها .

ننساهم : نتركهم في العذاب كالمنسيين .

وما كانوا : وكما كانوا .

التفسير :

51- الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون .

عندما أجاب أهل الجنة أهل النار بأن الله حرم نعيم الجنة على الكافرين ؛ تكفل الحق سبحانه بتوضيح أسباب الحكم ، وبيان حيثياته ، فذكر في هذه الآية أنهم اتخذوا دينهم مادة للسخرية والتلهي ، وصرف الوقت فيما لا يفيد ، فأصبح الدين صورا ورسوما ، لا تزكى نفسا ، ولا تطهر قلبا ، ولا تذهب خلقا ، أو أنهم حرموا منا أحل الله من البحيرة والسائبة . . . وسخروا بدين محمد ، وانصرفوا عنه إلى اللهو واللعب قال تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية . ( الأنفال : 35 ) .

فقد انصرفوا عن العبادة الحقة إلى التصفيق والصفير .

وغرتهم الحياة الدنيا . شغلتهم لذائذها ومتعها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله .

فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا . أي : يهملهم الله تعالى فلا يستجيب لهم دعاء ولا يسمع لهم قولا .

قال أبو السعود : فاليوم ننساهم . نفعل بهم ما يفعل الناس بالمنسي ، من عدم الاعتداد بهم ، وتركهم في النار تركا كليا .

كما نسوا لقاء يومهم هذا .

أي : ننساهم نسيانا مثل نسيانهم لقاء يومهم هذا ، أو بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم .

وما كانوا بآياتنا يجحدون .

وهذه الجملة معطوفة على السابقة ، أي : ننساهم بسبب نسيانهم البعث والحشر والحساب ، وكما كانوا منكرين بأن القرآن من عند الله إنكارا مستمرا .

وتنتهي مع هذه الآية مشاهد الحوار المستمر ، بين أهل الجنة وأهل النار وأصحاب الأعراف ، ويسدل الستار على أهل الجنة خالدين منعمين في الجنة ، وأهل النار معذبين في الجحيم إلى ما شاء الله .

إنها طريقة القرآن الكريم التي تستحضر الغائب ، وتقدم مشاهد القيامة أمام الناس شاخصة حية ؛ ليعتبر ويتعظ من كان له قلب ولب .

قال تعالى : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا . ( طه : 113 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ} (51)

{ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ } الذي أمرهم الله تعالى به أو الذي يلزمهم التدين بن { لَهْوًا وَلَعِبًا } فلم يتدينوا به أو فحرموا ما شاؤوا واستحلوا ما شاؤوا ، واللهو كما قيل صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه ، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب ، وقد تقدم تفصيل الكلام فيهما فتذكر { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } شغلتهم بزخارفها العاجلة ومواعيدها الباطلة وهذا شأنها مع أهلها قاتلها الله تعالى تغر وتضر وتمر { فاليوم ننساهم } نفعل بهم فعل الناسي بالمنسي من عدم الاعتداد بهم وتركهم في النار تركاً كلياً فالكلام خارج مخرج التمثيل ، وقد جاء النسيان بمعنى الترك كثيراً ويصح أن يفسر به هنا فيكون استعارة أو مجازاً مرسلاً ، وعن مجاهد أنه قال : المعنى نؤخرهم في النار ، وعليه فالظاهر أن ننساهم من النسء لا من النسيان . والفاء في قوله تعالى : { فاليوم } فصيحة .

وقوله عز وعلا .

{ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا } قيل : في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي ننساهم نسياناً مثل نسيانهم لقاء هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي أن ينسى . وليس الكلام على حقيقته أيضاً لأنهم لم يكونوا ذاكري ذلك حتى ينسوه بل شبه عدم إخطارهم يوم القيامة ببالهم وعدم استعدادهم له بحال من عرف شيئاً ثم نسيه . وعن ابن عباس ومجاهد والحسن أن المعنى كما نسوا العمل للقاء يومهم هذا وليس هذا التقدير ضرورياً كما لا يخفى ، وذهب غير واحد إلى أن الكاف للتعليل متعلق بما عنده لا للتشبيه إذ يمنع منه قوله تعالى : { وَمَا كَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ } لأنه عطف على { مَا * نَسُواْ } وهو يستدعي أن يكون مشبهاً به النسيان مثله . وتشبيه النسيان بالجحود غير ظاهر ، ومن ادعاه قال : المراد نتركهم في النار تركاً مستمراً كما كانوا منكرين أن الآيات من عند الله تعالى إنكاراً مستمراً . وقال القطب : الجحود في معنى النسيان ، وظاهر كلام كثير من المفسرين أن كلام أهل الجنة إلى { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } لا { إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين } [ الأعراف : 50 ] فقط . وقال بعضهم : إنه ذلك لا غير ، وعليه فيجوز أن يكون { الذين } مبتدأ وجملة { اليوم * ننساهم } خبره ، والفاء فيه مثلها في قولك : الذي يأتيني فله درهم كما قيل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ} (51)

{ لَهْوًا وَلَعِبًا } أي : لهت قلوبهم وأعرضت عنه ، ولعبوا واتخذوه سخريا ، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب ، واستعاضوا بذلك عن الدين القيم .

{ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزينتها وزخرفها وكثرة دعاتها ، فاطمأنوا إليها ورضوا بها وفرحوا ، وأعرضوا عن الآخرة ونسوها .

{ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ } أي : نتركهم في العذاب { كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا } فكأنهم لم يخلقوا إلا للدنيا ، وليس أمامهم عرض ولا جزاء .

{ وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } والحال أن جحودهم هذا ، لا عن قصور في آيات اللّه وبيناته .