تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ} (16)

16

المفردات :

الذين أوتوا العلم : الصحابة الذين وعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

آنفا : سابقا .

طبع الله على قلوبهم : طمس الله على قلوبهم وختم عليها .

التفسير :

16 { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } .

من هؤلاء الكافرين أو المنافقين من يستمع إليك وأنت تخطب الجمعة ، أو تقرأ القرآن ، وتشرح أمور الإسلام ، لكنه يسمع غافلا لاهيا ، بدون قلب حاضر أو همة في الاستفادة ، أو رغبة في معرفة الإسلام والقرآن .

فإذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم اتجهوا إلى أصحابه صلى الله عليه وسلم ، الذين حرصوا على كلامه ، واهتموا بما يقول ، وعندئذ يسأل المنافقون عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأشباههما : ماذا قال محمد آنفا ؟ وربما كان المقصود السخرية ، أي : هل يستحق كلامه أن تحرصوا عليه ؟ وهل يفهم كلامه ؟

والقصد من المنافقين إشاعة البلبلة والحيرة ، إنهم قوم قست قلوبهم ، وانحرفت عن إتباع الدين ، ورغبت في إتباع الهوى والملذات والمنكرات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ} (16)

{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } هم المنافقون ، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ كما أن جمعه بعد باعتبار المعنى ، قال ابن جريج : كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاوناً منهم { حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم } أي لأولي العلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقيل : هم الواعون لكلامه عليه الصلاة والسلام الراعون له حق رعايته من الصحابة رضي الله تعالى عنهم { مَاذَا قَالَ ءانِفاً } أي ما الذي قال قبيل هذا الوقت ومقصودهم من ذلك الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام ، وجوز أن يكون مرادهم حقيقة الاستعلام إذ لم يلقوا له آذانهم تهاوناً به ولذلك ذموا والأول أولى ، قيل : قالوا ذلك لابن مسعود ، وعن ابن عباس أنا منهم وقد سميت فيمن سئل وأراد رضي الله تعالى عنه أنه من الذين أوتوا العلم بنص القرآن ، وما أحسن ما عبر عن ذلك ، و { ءانِفاً } اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له فعل ثلاثي بل استأنف وأتنف ، وذكر الزجاج أنه من استأنفت الشيء إذا ابتدأته وكان أصل معنى هذا أخذت أنفه أي مبدأه ، وأصل الأنف الجارحة المعروفة ثم يسمى به طرف الشيء ومقدمه وأشرفه ، وذكر غير واحد أن آنفاً من ذلك قالوا : إنه اسم للساعة التي قبل ساعتك التي أنت فيها من الأنف بمعنى المتقدم وقد استعير من الجارحة لتقدمها على الوقت الحاضر ، وقيل : هو بمعنى زمان الحال ، وهو على ما ذهب إليه الزمخشري نصب على الظرفية ولا ينافي كونه اسم فاعل كما في بادىء فإنه اسم فاعل غلب على معنى الظرفية في الاستعمال ، وقال أبو حيان : الصحيح أنه ليس بظرف ولا نعلم أحداً من النحاة عده في الظروف وأوجب نصبه على الحال من فاعل { قَالَ } أي ماذا قال مبتدئاً أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه ، وإلى ذلك يشير كلام الراغب . وقرأ ابن كثير { ءانِفاً } على وزن فعل { أولئك } الموصفون بما ذكر { الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } فعدم توجههم نحو الخير { واتبعوا أَهْوَاءهُمْ } فتوجهوا نحو كل ما لا خير فيه فلذلك كان منهم ما كان .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ} (16)

وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين وحال الكافرين وعن مصير كل فريق . انتقلت السورة إلى الحديث عن المنافقين ، وعن موقفهم من النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - عليه ، فقال - سبحانه - : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ . . . يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } .

وضمير الجمع فى قوله - تعالى - : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } يعود إلى هؤلاء الكافرين الذين يأكلون كما تأكل الأنعام ، وذلك باعتبار أن المنافقين فرقة من الكافرين ، إلا أنها تخفى هذا الكفر وتبطنه .

كما يحتمل أن يعود إلى كل من أظهر الإِسلام ، باعتبار أن من بينهم قوما قالوا كلمة الإِسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم .

وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر بالمدينة ، بعد أن قويت شوكة المسلمين بها . وصاروا قوة يخشاها أعداؤهم ، هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون بالإِسلام على كره وهم يضمرون له ولأتباعه العداوة والبغضاء . . . ويؤيدهم فى ذلك اليهود وغيرهم من الضالين .

أى : ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء - أيها الرسول الكريم قوم يستمعون إليك بآذانهم لا بقلوبهم .

{ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ } أى : من مجلسك الذى كانوا يستمعون إليك فيه ، { قَالُواْ } على سبيل الاستهزاء والتهكم { لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم } من أصحابك ، الذين فقهوا كلامك وحفظوه .

{ مَاذَا قَالَ آنِفاً } أى : ماذا كان يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن نفارق مجلسه .

فقوله : { آنِفاً } اسم فاعل ، ولم يسمع له فعل ثلاثى ، بل سمع ائتنف يأتنف واستأنف يستأنف بمعنى ابتدأ .

قال القرطبى : قوله : { مَاذَا قَالَ آنِفاً } أى : ماذا قال الآن . . فآنفا يراد به الساعة التى هى أقرب الأوقات إليك ، من قولك استأنفت الشئ إذا ابتدأت به ومنه قولهم : أمر أُنف ، وروضة أُنُف ، أى : لم يرعها أحد .

وقال الآلوسى ما ملخصه : قوله : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ . . . } هم المنافقون ، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ ، كما أن جمعه باعتبار المعنى .

قال ابن جرير ، كانوا مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم .

ومقصود بقولهم : { مَاذَا قَالَ آنِفاً } الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام .

و { آنِفاً } اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له ثلاثى ، بل المسموع : استأنف وأتنف .

ثم بين - سبحانه - حالهم فقال : { أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ } . أى : أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول القبيح ، هم الذين طبع الله - تعالى - على قلوبهم بأن جعلها بسبب استحباهم الضلالة على الهداية لا ينتفعون بنصح ، ولا يستجيبون لخير ، وهم الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا ، ولا يفقهون حديثا .

فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر وخداع ، ومن خبث وسوء طوية . وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذى يناسب جرمهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ} (16)

قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم 16 والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم 17 فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم 18 فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } .

ذلك إخبار من الله ، يبين فيه حقيقة المنافقين وما هم عليه من بلادة الضمير ، وصقاقة الحس ، وكزازة الطبع . أولئك صنف من البشر ماكر ومراوغ وبور ، لا خير فيه ، فلا يعطف قلبه وعظ أو تذكير ولا يثني سماعه للقرآن عن لجوجه في الجحود والتكذيب والخداع .

فقال سبحانه : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا } والمراد بهم المنافقون كعبد الله بن أبي ابن سلول وأمثاله ، فقد ذكر أنهم كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه ، فإذا خرجوا سألوا عنه . وقيل : كانوا يحضرون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين فيستمعون منه ما يقول فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر .

قوله : { ماذا قال آنفا } الآنف معناه ، الماضي القريب . يقال : فعله آنفا أي قريبا . أو أول هذه الساعة . أو أول وقت كنا فيه{[4236]} يعني ، قال المنافقون لأهل العلم من الصحابة كابن عباس وابن مسعود ، لدى خروجهم من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماذا قال الآن ؟ وذلك على سبيل التهكم والاستهزاء .

قوله : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } أي هؤلاء المنافقون بصفاتهم الخبيثة من فساد الطبائع وسوء الفطر ، قد ختم الله على قلوبهم فلا يهتدون إلى الحق وإنما يتبعون ما تسوّله لهم أهواؤهم من الجحود والتكذيب .


[4236]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 30.