تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

{ أياما معدودات . . . }

أي أياما معينات بالعدد وهي أيام رمضان فالله لم يكن يفرض علينا صوم الدهر كله ولا أكثره تخفيفا ورحمة بالمكلفين : " ولو علم المؤمن فضل رمضان لتمنى أن يكون السنة كلها " .

{ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر }

لقد شرع الله الإفطار للمريض والمسافر على سبيل الرخصة ، وهما بالخيار إن شاءا أفطرا وإن شاءا صاما ، إلا أن أكثر الفقهاء قالوا : الصوم أفضل لمن قوي عليه .

والذي نراه أن الله تعالى قد أباح الفطر في رمضان بسبب المرض أو السفر ، لأن كلا منهما مظنة المشقة والحرج ، والحكم الشرعي يوجد حيث توجد مظنته وينتفي حيث تنتفي ، وعلى المسلم أن يقدر حال نفسه ، فإذا أيقن أو غلب على ظنه أن مرضه أو سفره ليس في الصوم معه مشقة أو عسر صام عملا بقوله تعالى : { وأن تصوموا خير لكم } . وإذا أيقن أو أغلب على ظنه أن مرضه أو سفره يجعل الصوم شاقا عليه أفطر عملا بقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . فالمسألة ترجع إلى ضمير الفرد ودينه ، واستفتاء قلبه .

والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صام في السفر وأفطر ، وخير بعض أصحابه بين الصوم والفطر .

روى الشيخان ومالك وأبو داود عن أنس ابن مالك قال : " كنا مع النبي صلى اله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر فلا الصائم يعيب على المفطر ولا المفطر يعيب على الصائم " ( 60 ) .

ومن صام وهو مريض أو مسافر فقد أدى الفريضة ، ومن أفطر وجب عليه القضاء .

وروى عن عائشة أن حمزة الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ، وفي رواية مسلم أنه أجابه بقوله : " هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " ( 61 ) .

وأكثر الأئمة كمالك وأبى حنيفة والشافعي على أن يصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق ، ويرى أحمد و الأوزاعي أن الفطر عملا بالرخصة .

{ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين }

والذين يطيقون الصوم هم الشيوخ والضعفاء والزمني الذين لا يجرى برء أمراضهم والعمال الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم من المناجم ، " والمجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة والحبلى والمرضع إذا خافتا على ولديهما ، فكل هؤلاء يفطرون وعليهم الفدية ، وهي إطعام مسكين من أوسط ما يطعمون منه أهليهم بقدر كفايته أكلة واحدة بقدر شبع المعتدل الأكل ، عن كل يوم يفطرونه " ( 62 ) .

ومعنى " يطيقونه " يقدرون عليه ويتحملونه بمشقة وتعب ، لأن الطاقة اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة ، والواسع اسم للقدرة على جهة السهولة .

قال الراغب : ( والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة ، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء ومنه : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . ( البقرة : 286 ) أي ما يصعب علينا مزاولته ، وليس معناه : لا تحملنا مالا قدرة لنا به ) ( 3 ) .

والعرب لا تقول فلان أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمله بمشقة وعسر ، فلا يقال مثلا : فلان يطيق حمل نواة أو ريشة أو عشرة دراهم من حديد . وإنما يقال : هو يطيق حمل قنطار من الحديد أو حمل الأمتعة الثقيلة .

وللعلماء أقوال كثيرة في المراد بقوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } . أشهرها ثلاثة آراء .

الرأي الأول : أن هذا راجع إلى المقيم الصحيح خيره الله تعالى بين الصوم وبين الفداء وكان ذلك في بدء لإسلام ، فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم ، فرخص لهم في الإفطار ، الفدية ثم نسخ ذلك وأوجب عليهم الصوم .

ويشهد لهذا القوم ما جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال :

لما نزلت هذه الآية : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } . كان من أراد أن يفطر ويفتدى ، حتى نزلت الآية فنسختها( 64 ) .

الرأي الثاني : أن قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية . . . }

ليس بمنسوخ بل هو محكم ، وأنه في شأن الشيخ الكبير الهرم والمرأة العجوز ، إذا كانا لا يستطيعان الصيام فعليهما أن يفطروا وأن يطعما عن كل يوم مسكينا ، وأصحاب هذا الرأي يستدلون بما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فعليهما أن يطعما مكان كل يوم مسكينا( 65 ) .

الرأي الثالث : أن قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } .

ليس بمنسوخ أيضا بل هو محكم وأن معنى الآية عندهم : وعلى الذين يطيقونه ، أي يقدرون على الصيام بمشقة شديدة إذا أرادوا أن يفطروا فعليهم أن يطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينا . ( بأن يقدموا له نصف صاع من بر أو صاعا من ثمر أو شعير أو قيمة ذلك ) ، ولم يقصروا ذلك على الرجل الكبير والمرأة العجوز كما فعل أصحاب الرأي الثاني وإنما أدخلوا في حكم الذين يقدرون على الصوم بمشقة وتعب المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما وفي حكمهما ممن يشق عليهم الصوم مشقة كبيرة ، وأصحاب هذا الرأي يستدلون على ما ذهبوا إليه بمنطوق الآية ، إذ إن الوسع اسم للمقدرة على الشيء على جهة السهولة ، والطاقة اسم للمقدر عليه مع الشدة والمشقة . كما يستدلون أيضا على ما ذهبوا إليه بقراءة ( يطيقونه )( 66 ) بضم الياء الأولى وتشديد الثانية أي يتجشمونه ويتكلفونه بمشقة وتعب ، وقد انتصر بعض العلماء لهذا الرأي بناء على أن منطوق الآية يؤيده .

كما انتصر بعضهم للرأي الأول بناء على أن الأحاديث الصحيحة تسانده ، وعلى أنه هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية في التدرج في تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس ، كما انتصر بعضهم للرأي الثاني الذي روى عنه أبن عباس .

{ فمن تطوع خيرا فهو خير له }

أي فمن زاد في الفدية فذلك خير له لأن الثواب عائد إليه ومنفعته له ، وهذا التطوع شامل لأصناف ثلاثة :

1- أن يزيد في الإطعام على مسكين واحد فيطعم بدل كل يوم مسكينين أو أكثر .

2- أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب .

3- أن يصوم مع الفدية .

{ وأن تصوموا خير لكم } أي وصومكم أيها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه خير لكم من الفدية لما فيها من رياضة الجسد والنفس ومراقبة الله .

{ إن كنتم تعلمون }

وجه الخيرية فيه وكونه لمصلحة المكلفين ، لأن الله غني عن العالمين ، وما روى من قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس من البر الصوم في السفر " فقد خصص بمن يجهده الصوم ويشق عليه حتى يخاف الهلاك ،

شهر رمضان

ورد في هذه النبوة أنه " إذا جاء شهر رمضان ، فتحت أبواب الجنان ، وغلقت أبواب النيران ، ونادى منادي من قبل الله تعالى : يا طالب الخير أقبل ، ويا باغي الشر أدبر " ( 67 ) .

وقد أختص الله شهر رمضان بعدد من الفضائل والمزايا يمكن أن نذكر عشرا منها :

1 . فهو شهر أنزل الله فيه القرآن ، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .

2 . وهو شهر الصوم وفي الصيام صفاء النفس ، وخشوع القلب ومراقبة الله سبحانه تعالى

3 . وهو شهر الصبر والاحتمال وتربية الإرادة ، وخلق عادات إسلامية سليمة .

4 . وهو شهر الصدقة ، وصلة الرحم ، ففيه الفطرة طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين . وفي الحديث : " كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل " .

5 . وفي السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى ، وهي أول معركة هامة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وكان انتصار المسلمين فيها نقطة تحول أساسية بدأت قوة المسلمين بعدها في النمو والازدياد .

6 . وفي 20 من رمضان سنة8ه تم فتح مكة وخضعت أم القرى ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، ويعتبر فتح مكة من أهم الأمور التي اعتز بها الإسلام وتمكن بسببها من الصمود والانتشار .

7 . وفي رمضان ليلة القدر ، وهي ليلة مباركة يضاعف فيها الله الثواب ، ويجعل ثواب العبادة فيها خيرا من ثواب العبادة في ألف شهر ، فهي منحة إلهية ومكافأة ربانية وعطاء سماوي يكفأ به الصائمون المخلصون ، وقد أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتى يجتهد المسلمون في أواخره فيحصلوا على قدر كبير من الثواب والأجر .

8 . وفي شهر رمضان صلاة التراويح وهي عبارة عن صلاة عشرين ركعة بعد صلاة العشاء ويجوز أن تصلى ثمانية ركعات مع إطالة القراءة .

9 . وفي ختام رمضان يأتي عيد الفطر مكافأة للصائم الذي أرضى به وصام نهار رمضان وقام ليله فيكون الفرح والسرور في عيد الفطر جزاء عاجلا ، وله في الآخرة ثواب آجل

10 . وفي أعقاب رمضان يأتي صيام الأيام البيض . وهي ستة أيام من شهر شوال ، بمثابة مسك الختام لصيام رمضان .

وفي الحديث : " من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام السنة كلها " ( 68 ) . وقد ورد ذكر شهر رمضان في القرآن الكريم مرة واحدة في الآية 185 من سورة البقرة .

***

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

{ أَيَّامًا معدودات } أي معينات بالعد أو قليلات ؛ لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً قال مقاتل : كل معدودات في القرآن أو معدودة دون الأربعين ولا يقال ذلك لما زاد ، والمراد بهذه الأيام إما رمضان ، واختار ذلك ابن عباس والحسن وأبو مسلم رضي الله تعالى عنه وأكثر المحققين وهو أحد قولي الشافعي فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر أولاً أنه كتب علينا الصيام ثم بينه بقوله عز وجل : { أَيَّامًا معدودات } فزال بعض الإبهام ثم بينه بقوله عز من قائل : { شَهْرُ رَمَضَانَ } [ البقرة : 185 ] توطيناً للنفس عليه ، واعترض بأنه لو كان المراد ذلك لكان ذكر المريض والمسافر تكراراً ، وأجيب بأنه كان في الابتداء صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية فحين نسخ التخيير وصار واجباً على التعيين كان مظنة أن يتوهم أن هذا الحكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه كالمقيم والصحيح فأعيد حكمهما تنبيهاً على أن رخصتهما باقية بحالها لم تتغير كما تغير حكم المقيم والصحيح ، وأما ما وجب صومه قبل وجوبه ، وهو ثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض على ما روى عن عطاء ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، أو ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء على ما روي عن قتادة ، واتفق أهل هذا القول على أن هذا الواجب قد نسخ بصوم رمضان ، واستشكل بأن فرضيته إنما ثبتت بما في هذه الآية فإن كان قد عمل بذلك الحكم مدة مديدة كما قيل به فكيف يكون الناسخ متصلاً وإن لم يكن عمل به لا يصح النسخ إذ لا نسخ قبل العمل ؟ وأجيب أما على اختيار الأول فبأن الاتصال في التلاوة لا يدل على الاتصال في النزول ، وأما على اختيار الثاني فبأن الأصح جواز النسخ قبل العمل فتدبر .

وانتصاب { أَيَّامًا } ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبي بل بمضمر دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعاً ، وقيل : منصوب بفعل يستفاد من كاف التشبيه ، وفيه بيان لوجه المماثلة كأنه قيل : كتب عليكم الصيام مماثلاً لصيام الذين من قبلكم في كونه أياماً معدودات أي المماثلة واقعة بين الصيامين من هذا الوجه وهو تعلق كل منهما بمدة غير متطاولة ، فالكلام من قبيل زيد كعمرو «فقها » ، وقيل : نصب على أنه مفعول ثان لكتب على الاتساع ورده في «البحر » بأن الاتساع مبني على جواز وقوعه ظرفاً لكتب وذا لا يصح لأن الظرف محل الفعل ، والكتابة ليست واقعة في الأيام وإنما الواقع فيها متعلقها وهو الصيام ، وأجيب بأنه يكفي للظرفية ظرفية المتعلق كما في

{ يَعْلَمُ مَا في السموات والأرض } [ التغابن : 4 ] وبأن معنى : { كتاب } فرض ، وفرضية الصيام واقعة في الأيام

{ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } مرضاً يعسر عليه الصوم معه كما يؤذن به قوله تعالى فيما بعد : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة : 185 ] وعليه أكثر الفقهاء ، وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرخص مطلق/ المرض عملاً بإطلاق اللفظ ، وحكي أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع إصبعه وهو قول للشافعية . { أَوْ على سَفَرٍ } أو راكب سفر مستعل عليه متمكن منه بأن اشتغل به قبل الفجر ففيه إيماء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر ولهذا المعنى أوثر على مسافراً ، واستدل بإطلاق السفر على أن القصير وسفر المعصية مرخص للإفطار ، وأكثر العلماء على تقييده بالمباح وما يلزمه العسر غالباً وهو السفر إلى المسافة المقدرة في الشرع .

{ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أخر إن أفطر وحذف الشرط والمضافان للعلم بهما ، أما الشرط فلأن المريض والمسافر داخلان في الخطاب العام فدل على وجوب الصوم عليهما فلو لم يتقيد الحكم هنا به لزم أن يصير المرض والسفر اللذان هما من موجبات اليسر شرعاً وعقلاً موجبين للعسر ، وأما المضاف الأول : فلأن الكلام في الصوم ووجوبه ، وأما الثاني : فلأنه لما قيل من كان مريضاً أو مسافراً فعليه عدة أي أيام معدودة موصوفة بأنها من أيام أخر علم أن المراد معدودة بعدد أيام المرض والسفر واستغنى عن الإضافة وهذا الإفطار مشروع على سبيل الرخصة فالمريض والمسافر إن شاآ صاما وإن شاآ أفطرا كما عليه أكثر الفقهاء إلا أن الإمام أبا حنيفة ومالكاً قالا : الصوم أحب ، والشافعي وأحمد والأوزاعي قالوا : الفطر أحب ، ومذهب الظاهرية وجوب الإفطار وأنهم إذا صاما لا يصح صومهما لأنه قبل الوقت الذي يقتضيه ظاهر الآية ، ونسب ذلك إلى ابن عباس ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنه وبه قال الإمامية وأطالوا بالاستدلال على ذلك بما رووه عن أهل البيت ، واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً وأنه ليس على الفور خلافاً لداود ، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى أياماً معدودة فلو كان تاماً لم يجزه شهر ناقص أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل خلافاً لمن خالف في الصورتين ، واحتج بها أيضاً من قال : لا فدية مع القضاء وكذا من قال : إن المسافر إذا أقام والمريض إذا شفي أثناء النهار لم يلزمهما الإمساك بقيته لأن الله تعالى إنما أوجب عدة من أيام أخر وهما قد أفطرا فحكم الإفطار باق لهما ومن حكمه أن لا يجب أكثر من يوم ولو أمرناه بالإمساك ثم القضاء لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه ، ولا يخفى ما فيه ، وقرئ ( فعدة ) بالنصب على أنه مفعول لمحذوف أي فليصم عدة ومن قدر الشرط هناك قدره هنا

{ وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } أي وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا .

{ فِدْيَةٌ } أي إعطاؤها . { طَعَامُ مساكين } هي قدر ما يأكله كل يوم وهي نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق ومد عند أهل الحجاز لكل يوم وكان ذلك في بدء الإسلام لما أنه قد فرض عليهم الصوم وما كانوا متعودين له فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية ، أخرج البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي والنسائي ، والطبراني ، وآخرون عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه عنه قال : لما نزلت هذه الآية { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } كان من شاء منا صام ، ومن شاء أفطر ويفتدي فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } [ البقرة : 185 ] ، وقرأ سعيد بن المسيب : ( يُطيّقونه ) بضم الياء الأولى وتشديد الياء الثانية ، ومجاهد ، وعكرمة ، { يُطِيقُونَهُ } بتشديد الطاء والياء الثانية وكلتا القراءتين على صيغة المبني للفاعل على أن أصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه من فيعل وتفيعل لا من فعل وتفعل وإلا لكان بالواو دون الياء لأنه من طوق وهو واوي ، وقد جعلت الواو ياءاً فيهما ثم أدغمت الياء في الياء ومعناهما يتكلفونه ، وعائشة رضي الله تعالى عنها { يطوقونه } بصيغة المبني للمفعول من التفعيل أي يكلفونه أو يقلدونه من الطوق بمعنى الطاقة أو القلادة ، ورويت الثلاث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً ، وعنه { يتطوّقونه } بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه ويطوقونه بإدغام التاء في الطاء وذهب إلى عدم النسخ كما رواه البخاري ، وأبو داود وغيرهما وقال : إن الآية نزلت في الشيخ الكبير الهرم ، والعجوز الكبيرة الهرمة . ومن الناس من لم يقل بالنسخ أيضاً على القراءة المتواترة وفسرها بيصومونه جهدهم وطاقتهم ، وهو مبني على أن الوسع اسم للقدرة على الشيء على وجه السهولة والطاقة اسم للقدرة مع الشدة والمشقة ، وفيصير المعنى : وعلى الذين يصومونه مع الشدة والمشقة فيشمل نحو الحبلى والمرضع أيضاً ، وعلى أنه من أطاق الفعل بلغ غاية طوقه أو فرغ طوقه فيه ، وجاز أن تكون الهمزة للسلب كأنه سلب طاقته بأن كلف نفسه المجهود فسلب طاقته عند تمامه ، ويكون مبالغة في بذل المجهود لأنه مشارف لزوال ذلك كما في «الكشف » والحق أن كلاً من القراءات يمكن حملها على ما يحتمل النسخ وعلى ما لا يحتمله ، ولكل ذهب بعض وروي عن حفصة أنها قرأت { وَعَلَى الذين لا يُطِيقُونَهُ } وقرأ نافع ، وابن عامر بإضافة ( فدية ) إلى الطعام وجمع المسكين والإضافة حينئذ من إضافة الشيء إلى جنسه كخاتم فضة لأن طعام المسكين يكون فدية وغيرها ، وجمع المسكين لأنه جمع في { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } فقابل الجمع بالجمع ، ولم يجمع ( فدية ) لأنها مصدر والتاء فيها للتأنيث لا للمرة ولأنه لما أضافها إلى مضاف إلى الجمع فُهِم منها الجمع .

{ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } بأن زاد على القدر المذكور في الفدية قال مجاهد : أو زاد على عدد من يلزمه إطعامه فيطعم مسكينين فصاعداً قاله ابن عباس أو جمع بين الإطعام والصوم قاله ابن شهاب . { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } أي التطوع أو الخير الذي تطوعه ، وجعل بعضهم الخير الأول مصدر خرت يا رجل وأنت خائر أي حسن ، والخير الثاني اسم تفضيل فيفيد الحمل أيضاً بلا مرية وإرجاع الضمير إلى ( مَن ) أي فالمتطوع خير من غيره لأجل التطوع لا يخفى بعده { وَأَن تَصُومُواْ } أي أيها المطيقون المقيمون الأصحاء ، أو المطوقون من الشيوخ والعجائز ، أو المرخصون في الإفطار من الطائفتين ، والمرضى والمسافرين ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب جبراً لكلفة الصوم بلذة المخاطبة ، وقرأ أبيّ ( والصيام خَيْرٌ لَّكُمْ ) من الفدية أو تطوع الخير على الأولين ، أو منهما ومن التأخير للقضاء على الأخير { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ما في الصوم من الفضيلة ، وجواب { إن } محذوف ثقة بظهوره أي اخترتموه وقيل : معناه إن كنتم من أهل العلم علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك ، وعليه تكون الجملة تأكيداً لخيرية الصوم وعلى الأول تأسيساً .

/خ183