سورة سبأ سورة مكية نزلت بعد سورة لقمان وقد نزلت سورة سبأ في الفترة ما بين السنتين الحادية عشرة والثانية عشرة من حياة الرسول بمكة بعد البعثة فقد جاء الوحي على النبي وعمره أربعين سنة ثم مكث في مكة ثلاثة عشرة عاما ، وفي المدينة عشرة أعوام ومات وعمره ثلاث وستون سنة .
وكانت سورة سبأ ضمن مجموعة السور التي نزلت في السنوات الأخيرة من حياة المسلمين بمكة .
وكانت آيات سورة سبأ 54 آية وسميت بهذا الاسم لاشتمالها على قصة سبأ وهي مدينة من المدن القديمة في اليمن وكانت عاصمة دولة قديمة بها وقد خرجت عند انهيار سد مأرب بسبب سيل العرم .
قال تعالى : { لقد كان لسبإ في مساكنهم ءاية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور*فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل*ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور } . ( سبإ : 15-17 ) .
موضوعات السورة موضوعات سورة سبإ هي موضوعات العقيدة الرئيسية توحيد الله ، والإيمان بالوحي والاعتقاد بالبعث وإلى جوارها تصحيح بعض القيم الأساسية المتعلقة بموضوعات العقيدة الرئيسية وبيان أن الإيمان والعمل الصالح لا الأموال ولا الأولاد- هما قوما الحكم والجزاء عند الله وأنه ما من قوة تعصم من بطش الله وما من شفاعة عنده إلا بإذنه .
والتركيز الأكبر في السورة على قضية البعث والجزاء وعلى إحاطة علم الله وشموله ودقته ولطفه وتتركز الإشارة في السورة إلى هاتين القضيتين بطرق متنوعة وأساليب شتى وتظلل جو السورة كله من البدء إلى النهاية .
فعن قضية البعث تقول السورة : { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } . ( سبإ : 3 ) .
ويرد قرب ختام السورة : { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب } . ( سبإ : 48 ) .
وقد عرض الفيروزيادي مقصود السورة فقال : بيان حكمة التوحيد وبرهان نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعجزات داود وسليمان ووفاتهما وهلاك سبإ وشؤم الكفران وعدم الشكر وإلزام الحجة على عباد الأصنام ومناظرة أهل الضلالة وذكر معاملة الأمم الماضية مع النبيين ووعد المنافقين والمتصدقين بالإخلاف والعودة إلى إلزام الحجة على منكري النبوة وتمني الكفار في وقت الوفاة الرجوع إلى الدنيا أه .
ونلاحظ أن هذه القضايا التي تعالجها السورة قد عالجتها السور مكية في مواضع شتى ولكنها تعرض في كل سورة مصحوبة بمؤثرات متنوعة جديدة على القلب في كل مرة ومجال عرضها في سورة سبأ يأتي مصحوبا بمؤثرات عدة ، ممثلة متنوعة ممثلة في رفعة السماوات والأرض الفسيحة وفي عالم الغيب المجهول المرهوب وفي ساحة الحشر الهائلة العظيمة وفي أعماق النفس المطوية اللطيفة وفي صحائف التاريخ المعلومة والمجهولة وفي مشاهد من ذلك التاريخ عجيبة وغريبة وفي كل منها مؤثر موح للقلب البشري موقظ له من الغفلة والشيق والهمود .
فمنذ افتتاح السورة وهي تفتح العيون على هذا الكون الهائل وعلى صحائفه وما فيها من آيات الله وعلى مجال علمه اللطيف الشامل الدقيق الهائل .
وتستمر السورة في مناقشة المكذبين وإلزامهم بالحجة وإيقافهم أمام فطرتهم وأمام منطق قلوبهم بعيدا عن الغواشي والمؤثرات المصطنعة . i
قال تعالى : { قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } . ( سبأ : 46 ) .
وهكذا تطوف السورة بالقلب البشري في مجالات متنوعة وتواجهه بالحقائق والأدلة والحجج حتى تنتهي بمشهد عنيف أخاذ من مشاهد القيامة .
يجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في جولات قصيرة متلاحقة متماسكة يمكن تقسيمها إلى ستة فصول :
تحدثت الآيات التسع الأولى من السورة عن عظمة الخالق المالك لما في السموات والأرض المحمود في الآخرة وهو الحكيم الخبير وقررت شمول علمه الدقيق لما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ثم تطرقت للحديث عن إنكار الكافرين لمجيء الساعة وردت عليهم بتأكيد إتيانها لتتم إثابة المؤمنين وعقوبة الكافرين وليستقين العلماء والمؤمنون أن القرآن حق وصدق ، وهداية إلى صراط العزيز المجيد ثم تحدثت عن عجب الكفار من قضية البعث واستبعادهم لوقوعه بعد أن يموتوا ويمزقوا كل ممزق وأجابت عن ذلك بأنه لا وجه لاستبعادهم وهم يرون من كمال قدرته الله ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض وهددت المكذبين بخسف الأرض من تحتهم أو إسقاط السماء كسفا عليهم .
تتناول الآيات من ( 10-14 ) طرفا من قصة داود وسليمان وتذكر نعمة الله عليهما وفضله فقد أعطى داود النبوة والزبور والصوت الحسن وإذا سبح الله سبحت معه الجبال والطير وآلان الله له الحديد وأوحى إليه أن يعمل دروعا سابغات للحرب كما حثه الله على العمل الصالح فإنه سبحانه بصير خبير .
وقد سخر الله لسليمان الريح ذهابها شهر ورجوعها شهر تحمل بساطه هو وخاصته إلى حيث يشاء وقد ذلل الله له الجن تعمل له أنواع المصنوعات فلما انقضى أجله مات واقفا متكئا على عصاه وما دل الجن على موته غلا أرضة قرضت عصاه فانطلقوا بعد أن كانوا مسجونين .
ضرب الله مثلا للشاكرين بداود وسليمان وقليل من الناس من يدرك فضل الله عليه وعظيم نعمائه التي لا تعد ولا تحصى ثم ضرب الله مثلا للبطر وجحود النعمة بمملكة سبأ وقد سبق أن وصفت في سورة النمل بالعظمة والقوة فلما آمنت بلقيس وكفر من جاء بعدها وأعرضوا عن شكر الله أصابهم الدمار .
وسبأ اسم لقوم كانوا يسكنون جنوبي اليمن وكانوا في أرض مخصبة لا تزال منها بقية إلى اليوم وقد ارتقوا في سلم الحضارة حتى تحكموا في مياه الأمطار الغزيرة التي تأتيهم من البحر في الجنوب والشرق فأقاموا خزانا طبيعيا يتألف جانباه من جبلين وجعلوا على فم الوادي بينهما سدا به عيون تفتح وتغلق وخزنوا المياه بكميات عظيمة وراء السد وتحكموا فيها وفق حاجتهم فكان لهم من هذا مورد مائي عظيم وقد عرف باسم سد مأرب .
وهذه الجنان عن اليمين والشمال رمز لذلك الخصب والوفرة والرخاء والمتاع الجميل ولكنهم لم يشكروا نعمة الله ولم يذكروا آلاءه فسلبهم هذا الرخاء وأرسل السيل الجارف الذي يحمل العرم في طريقه وهي الحجارة لشدة تدفقه فحطم السد وانساحت المياه فطفت وأغرقت ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفت الجنان واحترقت وتبدلت تلك الجنان الفيحاء صحراء تتناثر فيها الأشجار البرية الخشنة ، { ذلك جزيناهم بما كفروا . . . } أي بنعمة الله ، { وهل نجازي إلا الكفور } . ( سبأ : 17 ) .
وقد استغرقت قصة سبأ الآيات من ( 15-21 ) .
المتأمل في الآيات من ( 22-27 ) في سورة سبأ يجد ظاهرة متميزة حيث تكرر قول : قل في أول هذه الآيات كما تضمنت عددا من الأسئلة والحقائق في أسلوب رائع قوي .
لقد بدأت الآيات بتحدي المشركين أن يدعوا الذين يزعمون أنهم آلهة من دون الله وهم لا يملكون نفعا ولا ضرا ولا يملكون شفاعة عند الله- ولو كانوا من الملائكة- فالملائكة يتلقون أمر الله بالخشوع الراجف ولا يتحدثون حتى يزول عنهم الفزع والارتجاف العميق ويسألهم الله عمن يرزقهم من السموات والأرض والله مالك السماوات والأرض وهو الذي يرزقهم بلا شريك ، ثم يفوض أمر النبي وأمرهم إلى الله وهو الذي يفصل فيما هم فيه مختلفون ويختم هذا الفصل بالتحدي كما بدأه أن يروه الذين يلحقونهم بالله شركاء " كلا بل هو الله العزيز الحكيم . ( سبأ : 27 ) .
وهكذا تطوف الآيات بالقلب البشري في مجال الوجود كله حاضره وغيبه سمائه وأرضه دنياه وآخرته وتقف به أمام رزقه وكسبه وحسابه وجزائه كل ذلك في فواصل قوية ، وضربات متلاحقة وآيات تبدأ كل آية منهال يفعل الأمر قل ، وكل قولة منها تدمغ بالحجة ، وتصدع بالبرهان في قوة وسلطان .
وفي أعقاب هذه الآيات بيان الرسالة الرسول وأنها عامة للناس أجمعين : { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . ( سبأ : 28 ) .
يستغرق الفصل الخامس في السورة الآيات من ( 29-32 ) ويبدأ بسؤال يوجهه الكفار للنبي عن يوم القيامة ، استبعادا لوقوعه والجواب أن ميعاده لا يتقدم ولا يتأخر ، وقد اعتز الكفار بالأموال والأولاد وقالوا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالكتب السابقة عليه .
وهنا يعرض القرآن موقف الظالمين أمام ربهم حيث يتحاورون فيراجع بعضهم بعضا كل منهم يحاول أن يلقى التبعة على أخيه فيقول الضعفاء للسادة والكبراء لقد تصديتم لنا بالإغراء والمكر بنا ليلا ونهارا حتى أفسدتم علينا رأينا وجعلتمونا نكفر بالله ونجعل له نظراء من الآلهة الخالية ويحتج الكبراء ويقولون أنحن منعناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ؟ بل كنتم مجرمين إذ أخذتم الكفر عنا بالتقليد .
وعض الجميع بنان الندم حين رأوا العذاب والأغلال في أعناقهم ثم نرى المترفين يقاومون كل إصلاح ويكذبون كل رسالة : { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون } . ( سبا : 34 ) .
وقد احتج المترفون بكثرة أموالهم وأولادهم واعتقدوا أن فضلهم في الدنيا سيمنعهم من العذاب في الآخرة وهنا يضع القرآن موازين الحق والعدل ويقرر القيم الحقيقية التي يكون عليها الجزاء والحساب وهي قيم الإيمان والعمل الصالح لا الأموال والأولاد .
وفي مشاهد القيامة يتضح أنه لا الملائكة ولا الجن الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا يملكون لهم في الآخرة شيئا .
كما توضح الآيات أن بسط الرزق وقبضه أمران يجريان وفق إرادة الله وليسا دليلا على رضا أو غضب ولا على قرب أو بعد إنما ذلك ابتلاء واختبار .
6- الدعوة إلى التأمل والتفكر :
في الآيات الأخيرة من السورة من ( 43-54 ) حديث عن عناد الكافرين وجحودهم من غير برهان ولا دليل وتنبيه من القرآن بما وقع لأمثالهم الغابرين الذين أخذهم النكير في الدنيا وهم كانوا أقوى منهم وأعلم وأغنى .
ويعقب هنا عدة إيقاعات عنيفة كأنما هي مطارق متوالية يدعوهم في أول إيقاع منها إلى أن يقوموا لله متجردين ثم يتفكروا غير متأثرين بالحواجز التي تمنعهم من الهدى ومن النظر الصحيح وفي الإيقاع الثاني يدعوهم إلى التفكير في حقيقة البواعث التي تجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يلاحقهم بالدعوة وليس له من وراء ذلك نفع ولا هو يطلب على ذلك أجرا فما لهم يتشككون في دعوته ويعرضون ؟
وتوالت الآيات تبدأ بلفظ قل . . . وكل منها يهز القلب هزا ، فمحمد لم يسألهم أجرا بل أجره على الله ومحمد صلى الله عليه وسلم مؤيد بالحق والحق غالب والباطل مغلوب .
ثم تلطف في وعظهم فذكر محمد صلى الله عليه وسلم إن ضل فضلاله إنما يعود عليه وحده ، وإن اهتدى فيهدي الله له ثم بين سوء حالهم إذا فزعوا يوم القيامة إلى ربهم فلا يكون لهم فوت منه ولا مهرب وذكر أنهم يؤمنون به في ذلك الوقت فلا ينفعهم إيمانهم وتختم السورة بمشهد هؤلاء الكفار وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان في غير موعده والإفلات من العذاب والنجاة من أهوال القيامة كما فعل بأشباههم من كفرة الأمم التي قبلهم إنهم كانوا في شك موضع في الارتياب . وهكذا تختم السورة بمشهد يثبت قضية البعث والجزاء وهي القضية التي ظهرت خلال السورة من بدايتها قال تعالى : وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب . ( سبأ : 45 ) .
سورة مكية وعدد آياتها 54 آية وسميت بهذا الاسم لورود قصة سبأ بها
{ الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير( 1 ) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور( 2 ) }
الحمد لله : الحمد هو الثناء على الله بما هو أهله أو الثناء على الله بجميل صفاته وأفعاله .
الحكيم : الذي أحكم أمر الدارين ودبره بمقتضى الحكمة .
الخبير : الذي يعلم بواطن الأمور .
{ الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير } .
الشكر والثناء على الله تعالى خالق الكون بديع السموات والأرض وله ما فيهما خلقا وإيجادا وعناية ورعاية له ما في السموات من الملائكة والأبراج والشموس والأقمار والنجوم وغير ذلك ، وله ما في الأرض من الإنسان والحيوان والنباتات والبحار وغير ذلك وله الحمد في الدنيا حيث خلق ورزق ويسر ونظم وأبدع وأنزل الكتب وأرسل الرسل وله الحمد في الآخرة حيث يتم الحساب والميزان والصراط وتوزيع الكتب ومكافأة العاملين المخلصين ومعاقبة الكافرين المفسدين فمكافأة العاملين نعمة ، ومعاقبة الظالمين نعمة ، لتحقيق العدل وحسن الجزاء : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } . ( فصلت : 46 ) .
{ وهو الحكيم } الذي أتقن كل شيء صنعا وأحسن كل كائن خلقا وإبداعا .
مكية كما روى عن ابن عباس وقتادة وفي التحرير هي مكية بإجماعهم وقال ابن عطية : مكية إلا قوله تعالى ( ويرى الذين أوتوا العلم ) وروى الترمذي عن فروة بن مسيكة المرادي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي الحديث وفيه وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل : يا رسول الله وما سبأ الحديث قال ابن الحصار هذا يدل على أن هذه القصة مدنية لأن مهاجرة فروة بعد إسلام ثقيف سنة تسع ويحتمل أن يكون قوله وأنزل حكاية عما تقدم نزوله قبل هجرته فلا يأبى كونها مكية وآياتها خمس وخمسون في الشامي وأربع وخمسون في الباقين وما قيل خمس وأربعون سهو من قلم الناسخ ووجه اتصالها بما قبلها أن الصفات التي أجريت على الله تعالى في مفتتحها مما يناسب الحكم التي في مختتم ما قبل من قوله تعالى : ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات ) إلخ وأيضا قد أشير فيما تقدم إلى سؤال الكفار عن الساعة على جهة الاستهزاء وههنا قد حكى عنهم إنكارها صريحا والطعن بمن يقول بالمعاد على أتم وجه وذكر مما يتعلق بذلك ما لم يذكر هناك وفي البحر أن سبب نزولها أن أبا سفيان قال لكفار مكة لما سمعوا ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) كأن محمدا يتوعدنا بالعذاب بعد أن نموت ويتخوفنا بالبعث واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث فقال الله تعالى قل يا محمد بلى وربي لتبعثن قاله مقاتل وباقي السورة تهديد لهم وتخويف ومن هذا ظهرت المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها انتهى .
{ الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا في السموات وَمَا فِي الأرض } أي له عز وجل خلقاً وملكاً وتصرفاً بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة جميع ما وجد فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما فكأنه قيل : له هذا العالم بالأسر ، ووصفه تعالى بذلك على ما قاله أبو السعود لتقرير ما أفاده تعليق الحمد المعرف بلام الحقيقة عند أرباب التحقيق بالاسم الجليل من اختصاص جميع أفراد المخلوقات به عز وجل ببيان تفرده تعالى واستقلاله بما يوجب ذلك وكون كل ما سواه سبحانه من الموجودات التي من جملتها الإنسان تحت ملكوته تعالى ليس لها في حد ذاتها استحقاق الوجود فضلاً عما عداه من صفاتها بل كل ذلك نعم فائضة عليها من جهته عز وجل فما هذا شأنه فهو بمعزل من استحقاق الحمد الذي مداره الجميل الصادر عن القادر بالاختيار فظهر اختصاص جميع أفراده به تعالى ، وفي الوصف بما ذكر أيضاً إيذان بأنه تعالى المحمود على نعم الدنيا حيث عقب الحمد بما تضمن جميع النعم الدنيوية فيكون الكلام نظير قولك : أحمد أخاك الذي حملك وكساك فإنك تريد به احمده على حملانه وكسوته ، وفي عطف قوله تعالى : { وَلَهُ الحمد في الآخرة } على الصلة كما هو الظاهر إيذان بأنه سبحانه المحمود على نعم الآخرة ليتلاءم الكلام ، وفي تقييد الحمد فيه بأن محله الآخرة إيذان بأن محل الحمد الأول الدنيا لذلك أيضاً فتفيد الجملتان أنه عز وجل المحمود على نعم الدنيا فيها وأنه تبارك وتعالى المحمود على نعم الآخرة فيها ، وجوز أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك وأصله الحمد لله الخ في الدنيا وله ما في الآخرة والحمد فيها فأثبت في كل منهما ما حذف من الآخر ، وقال أبو السعود : إن الجملة الثانية لاختصاص الحمد الأخروي به تعالى إثر بيان اختصاص الدنيوي به سبحانه على أن { فِى الآخرة } متعلق بنفس الحمد أو بما تعلق به { لَهُ } من الاستقرار ، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التعيين كما اكتفى فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد فيها أيضاً بل ليعم النعم الأخروية كما في قوله تعالى : { الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء } [ الزمر : 4 7 ] وقوله تعالى : { الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ } [ فاطر : 4 3 ، 5 3 ] وما يكون ذريعة إلى نيلها من النعم الدنيوية كما في قوله تعالى : { الحمد لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا } [ الأعراف : 3 4 ] أي لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان والعمل الصالح .
وأنت تعلم أن المتبادر إلى الذهن هو ما قرر أولاً ، والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة طريق التفضل أن الأول على نهج العبادة والثاني على وجه التلذذ والاغتباط ، وقد ورد في الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ، وقول الزمخشري : إن الأول واجب لأنه على نعمة متفضل بها والثاني ليس بواجب لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها مبني على رأي المعتزلة على أن قوله : لأنه على نعمة واجبة الإيصال ليس على إطلاقه عندهم لأن ما يعطي الله تعالى العباد في الآخرة ليس مقصوراً على الجزاء عندهم بل بعض ذلك تفضل وبعضه أجر ، وتقديم الخبر في الجملة الثانية لتأكيد الحصر المستفاد من اللام على ما هو الشائع اعتناء بشأن نعم الآخرة ، وقيل : للاختصاص لأن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة ، وكأنه أراد لتأكيد الاختصاص أو بني الأمر على أن الاختصاص المستفاد من اللام بمعنى الملابسة التامة لا الحصر كما فصله الفاضل اليمني ، وأما أنه أراد لاختصاص الاختصاص فكما ترى ، ويرد على قوله : ولا كذلك نعم الآخرة { عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } [ الإسراء : 9 7 ] فتأمل { وَهُوَ الحكيم } الذي أحكم أمر الدارين ودبره حسبما تقتضيه الحكمة { الخبير } العالم ببواطن الأشياء ومكنوناتها ويلزم من ذلك علمه تعالى بغيرها ، وعمم بعضهم من أول الأمر وما ذكر مبني على ما قاله بعض أهل اللغة من أن الخبرة تختص بالبواطن لأنها من خبر الأرض إذا شقها ، وفي هذه الفاصلة إيذان بأنه تعالى كما يستحق الحمد لأنه سبحانه منعم يستحقه لأنه جل شأنه منعوت بالكمال الاختياري وتكميل معنى كونه تعالى منعماً أيضاً بأنه على وجه الحكمة والصواب وعن علم بموضع الاستحقاق والاستيجاب لا كمن يطلق عليه أنه منعم مجازاً .