{ وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو في شك وربك على كل شيء حفيظ } .
لنعلم : لنعرف ونميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها .
لم يكن للشيطان عليهم سلطان قاهر لا يملكون مقاومته بل كل ما كان منه هو الإغواء والوسوسة والتزيين وذلك للاختبار والابتلاء ليظهر أمام الواقع من يؤمن بالآخرة فيعصمه إيمانه من الانحراف ومن هو من الآخرة في شك فهو يتأرجح أو يستجيب للغواية بلا عاصم من رقابة الله ولا تطلع لليوم الآخر .
وهذا التعقيب الذي ذكر في ختام قصة سبأ أمر عام ينطبق على قصة كل قوم بل كل فرد في كل مكان وفي كل زمان .
الله خلقنا في هذه الدنيا للاختبار والابتلاء وحذرنا من الشيطان وبين لنا أنه عدو مبين ومع هذا فمنا من يطيعه رغبة في اتباع الهوى ، وضعفنا أمام الشهوات والنزوات ومنا من يصبر ويستمسك بهداية الله فيعينه الله .
قال الحسن البصري والله ما ضربهم الشيطان بعصا ولا أكرههم على شيء وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه .
أي هون مطلع وشاهد ورقيب فلا يند عنه شيء ولا يغيب ولا يهمل شيئا ولا يضيع وبهذا يتسع مجال التعقيب فلا يعود قاصرا على قصة سبأ وإنما يصلح تقريرا لحال البشر أجمعين فهي قصة الغواية والهداية وملابساتها وأسبابهما ونتائجهما في كل حال .
وفي معنى الآية قوله تعالى : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم . ( إبراهيم : 22 ) .
{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان } أي تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء .
{ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ مِنْهَا في شَكّ } استثناء مفرغ من أعم العلل ، و { مِنْ } موصولة وجعلها استفهامية بعيد ، والعلم المستقبل المعلل ليس هو العلم الأزلي القائم بالذات المقدس بل تعلقه بالمعلوم في عالم الشهادة التي يترتب عليه الجزاء بالثواب والعقاب وهو مضمن معنى التميز لمكان من أي ما كان له عليهم تسلط لأمر من الأمور إلا لتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة متميزاً ممن هو منها في شك تعلقاً حالياً يترتب عليه الجزاء وإلى هذا يشير كلام كثير من أئمة التفسير ، وقيل : المعنى لنجعل المؤمن متميزاً من غيره في الخارج فيتميز عند الناس ، وقيل : المراد من وقوع العلم في المستقبل وقوع المعلوم لأنه لازمه فكأنه قيل ما كان ذلك لأمر من الأمور إلا ليؤمن من قدر إيمانه ويضل من قدر ضلاله ، وعدل عنه إلى ما في «النظم الجليل » للمبالغة لما فيه من جعل المعلوم عين العلم ، وقيل المراد بالعلم الجزاء فكأنه قيل على الإيمان وضده ، وقيل : العلم على ظاهره إلا أن المستقبل بمعنى الماضي وعلم الله تعالى الأزلي بأهل الشك يستدعي تسلط الشيطان عليهم .
وقيل : المراد لنعامل معاملة من كأنه لا يعلم ذلك وإنما يعمل ليعلم ، وقيل : المراد ليعلم أولياؤنا وحزبنا ذلك ، ولا يخفى عليك ما في بعض هذه الأقوال ، وكان الظاهر إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن لا يؤمن بها وعدل عنه إلى ما فيه «النظم الجليل » لنكتة وهي أنه قوبل الإيمان بالشك ليؤذن بأن أدنى مراتب الكفر مهلكة ، وأورد المضارع في الجملة الأولى إشارة إلى أن المعتبر في الإيمان الخاتمة ولأنه يحصل بنظر تدريجي متجدد ، وأتى بالثانية اسمية إشارة إلى أن المعتبر الدوام والثبات على الشك إلى الموت ، ونون شكا للتقليل ، وأتى بفي إشارة إلى أن قليه كأنه محيط بصاحبه ، وعداه بمن دون في وقدمه لأنه إنما يضر الشك الناشئ منها وأنه يكفي شك ما فيما يتعلق بها .
وقرأ الزهري { لِيَعْلَمَ } بضم الياء وفتح اللام مبنياً للمفعول { وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شيء حَفُيظٌ } أي وكيل قائم على أحواله وشؤونه ، وهو إما مبالغة في حافظ وإما بمعنى محافظ كجليس ومجالس وخليط ومخالط ورضيع ومراضع إلى غير ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.