تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ} (57)

المفردات :

بينة : حجة .

يقص الحق : يتبع الحكمة .

التفسير :

54- قل إني على بينة من ربي وكذبتم به . . . الآية . و المعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك اتباع أهوائهم كيف يتأتى لي ذلك وأنا على شريعة واضحة وملة صحيحة ، لا يعتريها شك ولا يخالطها زيغ لأنها كائنة من ربي الذي لا يضل ولا ينسى .

والتنوين في كلمة بينة للتفخيم والتعظيم ، وهي صفة لموصوف محذوف ، أي على حجة بينة واضحة محقة للحق ومبطلة للباطل فأنا لن أتزحزح عنها أبدا .

وفي هذا تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم ، وإنما هم قد تبعوا ما وجدوا عليه آباءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .

ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين . أي ليس في مقدوري أن أنزل بكم ما تستعجلون من العذاب ، وإنما ذلك مرجعه إلى الله وحده ، فهو وحده الذي يقص الحق ويخبر به ، وهو وحده الذي يفصل في قضايا خلقه ، وهو خير الفاصلين في شؤون عباده ، وهو يرى الحكمة في إمهالكم فأمهلكم .

( وبذلك يجرد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم – نفسه من ان تكون له قدرة ، أو تدخل في شأن القضاء الذي ينزله الله بعباده ، فهذا من شأن الألوهية وحدها وخصائصها ، وهو بشر يوحى إليه ليبلغ وينذر ، لا لينزل قضاء ويفصل ، وكما ان الله سبحانه هو الذي يقص الحق ويخبر به ، فهو كذلك الذي يقضي في الأمر ويفصل فيه . . وليس بعد هذا تنزيه وتجريد لذات الله سبحانه وتعالى وخصائصه ، عن ذوات العبيد ) ( 92 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ} (57)

{ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ } ( تبيين ) للحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان لاتباعه إياه إثر إبطال الباطل الذي فيه الكفرة وبيان عدم اتباعه عليه الصلاة والسلام له في وقت من الأوقات . والبينة كما قال الراغب الدلالة الواضحة من بان يبين إذا ظهر أو الحجة الفاصلة بين الحق والباطل على أنها من البينونة أي الانفصال ، وأياً ما كان فالمراد بها القرآن كما قال الجبائي وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد إني على يقين . وعن الحسن أن المراد بها النبوة وهو غير ظاهر كتفسيرها بالحجج العقلية أو ما يعمها ، والتنوين للتفخيم أي بينة جليلة الشأن .

{ مّن رَّبّى } أي كائنة من جهته سبحانه . ووصفها بذلك لتأكيد ما أفاده التنوين . وجوز أن تكون { مِنْ } اتصالية ، وفي الكلام مضاف أي بينة متصلة بمعرفة ربي ، وقيل : هي أجلية متعلقة بما تعلق به الخبر ويقدر المضاف أيضاً أي كائن على بينة لأجل معرفة ربي والأول أظهر ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريف ورفع المنزلة ما لا يخفى .

وقوله سبحانه : { وَكَذَّبْتُم بِهِ } كما قال أبو البقاء جملة إما مستأنفة أو حالية بتقدير قد في المشهور جيء بها لاستقباح مضمونها واستبعاد وقوعه مع تحقق ما يقتضي عدمه أو للتفرقة بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم ، والضمير للبينة ، والتذكير باعتبار المعنى المراد ، وقال الزجاج : لأنها بمعنى البيان ، وجوز أن يكون الضمير لربي على معنى إن صدقت به ووحدته وأنتم كذبتم به وأشركتم .

وقوله تعالى : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } استئناف مبين لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لتكذيبهم بالقرآن وهو عدم مجىء ما وعد فيه من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم بطريق الاستهزاء أو الإلزام بزعمهم { متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } [ يونس : 48 ] وقال الإمام : «إنه عليه الصلاة والسلام كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك ، والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك ( العذاب ) فقال لهم : { مَا عِندِى } » الخ وكأن الكلام مبين أيضاً لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لعدم الالتفات إلى نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عنه والإخبار بنزول العذاب بسببه أي ليس عندي ما يستعجلونه من العذاب الموعود به وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيب القرآن أو عدم الالتفات إلى النهي عنه والوعيد عليه في حكمي وقدرتي حتى أجىء به أي ليس أمره مفوضاً إليّ .

{ إِنِ الحكم } أي ما الحكم في تأخير ذلك { أَلاَ لِلَّهِ } وحده من غير أن يكون لغيره سبحانه دخل ما فيه بوجه من الوجوه .

واختار بعضهم التعميم في متعلق الحكم أي ما الحكم في ذلك تأخيراً أو تعجيلاً أو ما الحكم في جميع الأشياء فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً ؛ ورجح الأول بأن المقصود من قوله سبحانه : { إِنِ الحكم } الخ التأسف على وقوع خلاف المطلوب كما يشهد به موارد استعماله وهو على التأخير فقط .

{ يَقُصُّ } أي يتبع { الحق } والحكمة فيما يحكم به ويقدره كائناً ما كان أو يبينه بياناً شافياً من قص الأثر أو الخبر وهو من قبيل التكميل للخاص على ما اخترناه بإردافه بأمر عام كقوله تعالى : { بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] . وقرأ الكسائي وغيره «يقضي » من القضاء وحذفت الياء في الخط تبعاً لحذفها في اللفظ لالتقاء الساكنين ، وأصله أن يتعدى بالباء لا بنفسه فنصب { الحق } إما على المصدرية لأنه صفة مصدر محذوف قامت مقامه أي يقضي القضاء الحق أو على أنه مفعول به ويقضي متضمن معنى ينفذ أو هو متعد من قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره كقول الهذلي : مسرودتان قضاهما داود . وفي الكلام على هذا استعارة تبعية .

واحتج مجاهد للقراءة الأولى بعدم الباء المحتاج إليها في الثانية وقد علمت فساده . واحتج أبو عمرو للثانية بقوله سبحانه : { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } فإن الفصل إنما يكون في القضاء لا في القصص ولو كان ذلك في الآية لقيل خير القاصين . وأجاب أبو علي الفارسي بأن القصص ههنا بمعنى القول وقد جاء الفصل فيه قال تعالى : { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } [ الطارق : 13 ] { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته ثُمَّ فُصّلَتْ } [ هود : 1 ] { وَنُفَصّلُ الايات } [ التوبة : 11 ] على أنك تعلم بأدنى التفات إلى أن القص هنا قد يؤول بلا تكلف وبعد إلى معنى القضاء . وفي «إرشاد العقل السليم » أن أصل القضاء الفصل بتمام الأمر وأصل الحكم المنع فكأنه يمنع الباطل عن معارضة الحق أو الخصم عن التعدي إلى صاحبه ، وجملة { وَهُوَ خَيْرُ } الخ تذييل مقرر لمضمون ما قبله مشير إلى أن قص الحق ههنا بطريق خاص هو الفصل بين الحق والباطل فافهم .

واحتج بعض أهل «السنة بقوله سبحانه : { إِنِ الحكم } الخ لإفادته الحصر على أنه لا يقدر العبد على شيء من الأشياء إلا إذا قضى الله تعالى به فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله تعالى به وحكم ، وكذلك في جميع الأفعال . وقالت المعتزلة : إن قوله سبحانه : { يقْضى الحق } معناه أن كل ما يقضي به فهو الحق ، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر والمعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق » ولا يخفى ما فيه .