تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

وبعد ان أمر الله المؤمنين بالإنفاق في وجوه الخير وذكرهم بأهوال يوم القيامة أتبع ذلك بآية كريمة اشتملت على تمجيده سبحانه وتعالى فبينت كمال سلطانه وشمول علمه وسابغ نعمه على خلقه استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لك الخالق عز وجل بأكمل الصفات وأعظمها فيقول :

{ الله لا إله إلا الله هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظها وهو العلي العظيم }

قال بعضهم هذه آية الكرسي أفضل آية ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتاها أكثر منه على غيرها من الآيات هذا هو التحقيق في فضل بعض الآيات القرآنية على بعض وإنما كانت أفضل أنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى ، جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة القرآن -أي أفضله- وهي آية الكرسي " ( 12 ) .

و قد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله الجليلة أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل في قوله تعالى :

255- الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

و لفظ الجلالة الله يقول العلماء إن أصله إله دخلت عليه أداة التعريف " أل " وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله .

قال القرطبي : قوله تعالى هذا الاسم أكبر أسمائه تعالى وأجمعها حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثن ولم يجمع فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو- سبحانه- ( 13 ) .

و لفظ إِلَه قالوا إنه من أله نفسه يأله أي عبد فالإله على هذا المعنى هو المعبود وقيل هو من أله أي تحير . . وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته سبحانه تحير فيها ولذا قيل : تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ( 14 ) .

و الحي أي الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء لها لم تحدث له الحياة بعد موت ولا يعتريه الموت بعد الحياة وسائر الأحياء سواء يعتريهم الموت والفناء .

و القيوم أي الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم والمعطي لهم ما به قوامهم وهو مبالغة في القيام " وأصله قيوم بوزن فيعول من قام بالأمر إذا حفظه ودبره " .

و المعنى : الله عز وجل هو الإله الحق المنفرد بالألوهية الذي لا يشاركه فيها سواه وهو المعبود بحق وكل معبود سواه باطل وهو ذو الحياة الكاملة وهو الدائم القيام بتدبير شؤون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم .

و الجملة الثالثة قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } وهي جملة سلبية مؤكدة للوصف الإيجابي السابق فإن قيامه على كل نفس بما كسبت وعلى تدبير شؤون خلقه يقضي ألا تتعرض له غفلة ولأن السنة والنوم من صفات الحوادث وهو سبحانه مخالف لها .

و السنة : الفتور الذي يكون في أول النوم مع بقاء الشعور والإدراك ويقال له غفوة يقال وسن الرجل يوسن وسنا وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس والمراد أنه سبحانه لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبدا ولا يحجب عمله شيء حجبا قصيرا أو طويلا ولا يدركه ما يدر ك الأجسام من الفتور أو النعاس أو النوم .

و تقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث نفي السنة يدل على نفي النوم بالأولى فنفيه ثانيا صريحا يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام يفيد التوكيد أي لا تأخذه سنة فضلا عن ان يأخذه نوم .

و في قوله : { لا تأخذه } دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذا وتقهر الكثير من أجناس المخلوقات قهرا ولكنه سبحانه وهو القاهر فوق عباده منزه عن ذلك ومبرأ من ان يعتريه ما يعتري الحوادث .

و قوله سبحانه في الجملة الرابعة : { له ما في السموات وما في الأرض } تقرير لانفراده بالالوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته وتعليل لاتصافه بالقيومية لأن من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قائما بتدبير أمرها .

والمراد بها فيهما ما هو اعم من جزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فالجملة الكريمة تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما في الوجود من شمس وقمر وحيوان وجماد وغير ذلك من المخلوقات وصدرت الجملة بالجار والمجرور " له " لإفادة القصر أي ملك السموات والأرض له وحده وليس لأحد سواه شيء معه .

و الاستفهام في قوله في الجملة الخامسة : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } للنفي والإنكار أي لا أحد يستطيع أن يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه ورضاه قال تعالى : { و كم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } ( النجم 26 ) .

و المقصود من هذه الجملة كما يقول الألوسي - بيان كبرياء شأنه- تعالى - وانه لا احد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة وفي ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله " ( 15 ) .

و قوله سبحانه في الجملة السادسة { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } تأكيد لكمال سلطانه في هذا الوجود وبيان لشمول عمله على كل شيء .

و الضمير في أيديهم ، خلفهم يعود إلى ما في قوله قبل ذلك : { له ما في السموات وما في الأرض } وعبر بضمير الذكور العقلاء تغليبا جانبهم على جانب غير العقلاء .

والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وما يعرفونه من شؤونهم الدنيوية وما لا يعرفونه .

و قوله تعالى في الجملة السابعة : { و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } معطوف على قوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } لأنه مكمل لمعناه ، والمراد بالعلم المعلوم والإحاطة بالشيء معناها العلم الكامل به .

أي : لا يعلمون شيئا من معلوماته سبحانه إلا بالقدر الذي أراد أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله فهو كقوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . . } ( الجن 26-27 ) .

فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله تعالى ولنقصان علم سواه إذ إن البشر لم يعطوا من العلم إلا القليل وهذا القليل ناقص لأنه ليس على إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشيء ووجوده وجنسه وكيفيته وغرضه المقصود به وبإيجاده ، إذ العلم الكامل بالشيء لا يكون إلا لله رب العالمين .

ثم قال تعالى في الجملة الثامنة : { وسع كرسيه السموات والأرض } .

قال الراغب : الكرسي في تعارف العامة اسم للشيء الذي يقعد عليه وهو في الأصل منسوب إلى الكرس أي الشيء المجتمع ومنه الكراسة لأنها تجمع العلم . . وكل مجتمع من الشيء كرس . . " ( 16 ) .

و للعلماء اتجاهان مشهوران في تفسير معنى الكرسي في الجملة الكريمة .

فالسلف يقولون : إن الله تعالى كرسيا ، علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف حقيقته لأن ذلك ليس في مقدور البشر .

و الخلف يقولون الكرسي في الآية كناية عن عظم السلطان ونفوذ القدرة وسعة العلم وكمال الإحاطة .

ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء في ذلك فقد قال رحمه الله وفي قوله : { وسع كرسيه } أربعة أوجه : أحدهما ان كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد . . .

و الثاني وسع علمه وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم .

و الثالث : وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك .

و الرابع : ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السماوات والأرض وهو إلى العرش كأصغر شيء وعن الحسن الكرسي هو العرش ( 17 ) .

هذا وقد ورى المفسرون عن ابن عباس أنه قال " كرسيه علمه " ( 18 ) ولعل تفسير الكرسي بالعلم كما قال حبر الامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة .

ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال تعالى : { و لا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } يئوده معناه يثقله ويشق عليه يقال أدنى الأمر بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة .

العلي : هو المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد وعن إمارات النقص ودلالات الحدوث . وقيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة وعلو الشأن . . .

و المعنى ولا يثقله ولا يتبعه حفظ السموات والأرض ورعايتها وهو المتعالي عن الأشباه والنظائر المسيطر على خلقه العظيم في ذاته وصفاته ففي هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته وعظيم رعايته لخلقه وتنزيهه سبحانه عن مشابه الحوادث .

و بعد فهذه آية الكرسي التي اشتملت على عشر جمل كل جملة منها تشتمل على وصف أو أثر من صفات الله الجليلة ونعوته المجيدة وألوهيته الحقة وقدرته النافذة وعمله المحيط بكل شيء قد أقامت الأدلة الساطعة على وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة .

و قد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها وبلاغة تركيبها ووجوه فضلها ومن ذلك قول صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم فضلت هذه الآية على غيرها حتى ورد في فضلها ما ورد ؟ قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالهما على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العالمين فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار " .

و من الأحاديث التي ساقها الإمام ابن كثير في فضلها ما جاء عن أبي بن كعب ان النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي أية في كتاب الله أعظم ؟ قال الله ورسوله أعلم فرددها مرارا ثم قال آية الكرسي فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم – " ليهنك العلم أبا المنذر " ( 19 ) .

و أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي " ( 20 ) .

و روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ذات يوم على الناس فقال أيكم يخبرني بأعظم آية ؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : " أعظم آية في القرآن : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . . الآية " ( 21 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ) . هذه الآية أعظم ما في الكتاب الكريم وسيدة الآي في الذكر الحكيم . وقد ورد أنها تعدل ثلث القرآن ؛ لما تضمنته من أصول هذا الدين الحنيف ، وما حوته من قواعد في التوحيد والصفات الجليلة لله تبارك وتعالى . وللذي يقرأ هذه الآية في تدبر وعناية وادّكار من كبير الأجر وجزيل الجزاء في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله .

فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده ، عن أبيّ بن كعب أن النبي ( ص ) سأله : أي أية في كتاب الله أعظم ؟ قال : الله ورسوله أعلم . فرددها مرارا ثم قال : آية الكرسي . قال : " لينهك العلم أبا المنذر ، والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش " .

وفي حديث آخر عن أبي أمامة في فضل قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المكتوبة قال : قال رسول الله ( ص ) : " من قرأ دُبُر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت " .

وعن أبي ذر قال : سألت رسول الله ( ص ) : أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم ؟ فقال : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .

وروى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة أن رسول الله قال : " سورة البقرة فيها آية سيد آي القرآن ، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه : آية الكرسي " .

قوله : ( الله لا إله إلا هو ) لفظ الجلالة مبتدأ . ( لا ) نافية للجنس ، ( إله ) اسمها ، وخبرها محذوف تقديره موجود أو معبود . ( إلا ) أداة حصر . ( هو ) ضمير الشأن في محل رفع بدل من خبر لا المحذوف . والجملة الاسمية من لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الأول ( لفظ الجلالة ) .

وهذه أولى الكبريات من الحقائق ، يبين الله فيها تفرده المطلق بالإلهية وأنه جلّت قدرته الإله الخالق للعالمين ، وأنه ليس في هذا الوجود من إله خالق مبدع مسيطر إلا هو . سبحانه في ملكوته وجبروته تقدّس في سمائه وعليائه .

وقوله : ( الحي القيوم ) الحيّ نعت للفظ الجلالة ( الله ) . وقيل بدل من الضمير ( هو ) الله جلّت قدرته حيّ في نفسه وهو الذي يبعث الحياة ويهبها للكائنات لتنبعث فيها الحركة والإحساس والنشاط . وهوس بحانه لا يموت ولا يسهو ولا تأخذه غفلة . وهو ( القيوم ) من الفعل قام يقوم . ويرادفه القوام أو القيام أو القيم ، وهو الذي لا ند له من أسمائه عز وجل . ومعناه : القائم بتدبير الكون والخلائق ، المتصرّف في الوجود كله كيفما شاء{[332]} .

وقوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم له ) السنة بكسر السين ، أصلها الوسنة حذفت الواو فصارت سنة . يرادفها الوسن أي النعاس وهو أخف من النوم . فالنعاس نوبة من استرخاء وفتور تصيب الإنسان ليجد أنه راغب في النوع ، نفسه حالة من غياب الشعور والذهن تعقب النعاس{[333]} .

والله جل جلاله منزّه عن معالم الضعف والنقص التي تمتزج بطبع الإنسان وتكوينه النفسي والعصابي والبدني ، وذلك كالإحساس بالنعاس والجنوح للنوم إخلادا للراحة . فإن الله سبحانه لا يعتريه شيء من ذلك فهو القائم على الخلق مدبّرا أمرهم متصرفا في مقاديرهم . وقد جاء في الصحيح عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله ( ص ) بأربع كلمات فقال : " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار ، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " .

وقوله : ( له ما في السماوت وما في الأرض ) ( له ) جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم ، ( ما ) اسم موصول في محل رفع مبتدأ . وما ، مع أنها لغير العاقل لكنها والاسم الموصول " من " يتعاقبان في القرآن من حيث الاستعمال في العاقل أو غيره .

والآية إخبار كبير بأن الله له الربوبية المطلقة في هذا الوجود ؛ فهو الذي يملك كل ما في الكون من كائنات وأشياء ، فلا يندّ عن سلطانه وملكوته شيء مما خلق سواء في الأرض أو في السماء .

وقوله : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) ( من ) اسم استفهام في مجل رفع مبتدأ . ( ذا ) اسم إشارة في محل رفع خبر . ( الذي ) اسم موصول في محل رفع نعت للخبر ، وقيل بجل منه .

في هذه الآية إنكار لشفاعة الشافعين باستثناء فريق من البررة والأطهار أذن الله لهم بالشفاعة للعصاة والآثمين والمفرطين من الناس . وجملة الشافعين الذين أذن الله لهم أن يتشفعوا يوم القيامة للمقصرين يأتي في طليعتهم النبيّون وهم خير البرية وأشرع العباد ، ثم الصدّيقون وهم المقربون والأبرار من عباد الله المؤمنين ، ثم العلماء الذين انقطعوا للعلم وتشره بين الناس ؛ ليبصّروهم بتعاليم الله ؛ وليكشفوا للبشرية عن وجه هذا الدين وما فيه من إشراق وكمال وجمال ، ثم الشهداء وهم الذين باعوا أرواحهم في سبيل الله فآثروا الرحيل عن هذه الدنيا لتبقى من بعدهم عقيدتهم والأوطان والديار والكرامة ، لا يبتغون من ذلك كله غير مرضاه الله .

على أن الشفاعة من الأبرار والمقربين لا تنبغي إلا لمن يشاء الله ويرضى ، فهي أساسها أن يأذن الله بها لمن يريد من عباده المقربين وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) وكذلك قوله : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) .

قوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) ( ما بيت أيديهم ) أي قبلهم . ( وما خلفهم ) أي بعدهم . نقول : من بين يدي أي من أمامه . ومن خلفه أي من ورائه . والمراد أن الله تباركت أسماؤه محيط علمه بالكائنات كلها ، سواء فيها ماضيها أو مستقبلها . والضمير في ( أيديهم ) و ( خلفهم ) يعود على كل عاقل مما في السماوات والأرض . وقيل : ( ما بين أيديهم ) والمقصود به الدنيا . ( وما خلفهم ) المقصود به الآخرة .

وقوله : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما يشاء ) أي لا يطلع أحد على شيء من علم الله المبثوث في مناحي الكون وفي أطرافه إلا أن يشاء الله إطْلاعه على ذلك ، فكل علم كيفما كان مقداره أو نوعه إن هو إلا جزء من علم الله المطلق الذي لا يحده حد ، فالله مالك كل شيء ، وهو مالك لأرجاء الكون وما ينتشر فيه من علوم ، فلله المشيئة الكاملة في أن يهب بعض علمه لمن أراد من الناس أو يحجبه عنهم .

وقوله : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) نمسك عن الخوض في حقيقة الكرسي من حيث ماهيته وطبيعة استعماله ، وما ندركه من ظاهر هذا النص الكريم وغيره من النصوص أن الكرسي خلق هائل عظيم من خلْق الله ، وأنه أكبر من السماوات والأرض ودون العرش الذي جعله الله آية قدرته وهيمنته وعظيم سلطانه . فقد ورد عن أبي ذر الغفاري –رضي الله عنه- أنه سأل النبي ( ص ) عن الكرسيّ فقال رسول الله ( ص ) : " والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وأن فضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة " .

وجاء عن ابن عباس قوله : لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلت بعضهن إلى بض ما كنّ في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة قي المفازاة .

وقوله : ( ولا يؤوده حفظهما ) ( يؤوده ) فعل مضارع مرفوع . نقول آد يؤود أودا . والأود معناه الإثقال بكسر الهمزة . والهاء في ( يؤوده ) ضمير متصل في محل نصب ، مفعول به ، وهو عائد على الله سبحانه وتعالى . ( حفظهما ) فاعل مرفوع . والضمير هنا في محل جر مضاف إليه أي أن الله عز وعلا لا يثقله ولا يعجزه أن يحفظ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما . فهو سبحانه حافظ لكل شيء ، مريد قادر على كل شيء . وما من خليقة ولا تقدير ولا نظام في السماء أو في الأرض إلا هو كائن بمشيئته وحده . فالله جل ثناؤه العظيم في علاه حتى ما يكون من شيء إلا هو حقير هيّن يسير بين يديه ، وهو سبحانه الأكبر من كل كبير ، حتى ما يكون من عظيم في السماء أو في الأرض إلا هو فقير إليه ، صغير بين يديه ؛ لذلك قال سبحانه في الآية : ( وهو العلي العظيم ) ولا ينبغي أن يفهم من ذلك علوّ المكان فإنه سبحانه منزه عن التجسيم أو التحجيم في حيّر ، بل المقصود علوّ المكانة والمنزلة وارتفاع الشأن وبلوغه{[334]} .


[332]:- لقاموس المحيط جـ 4 ص 170 ومختار الصحاح ص 558 والكشاف جـ 1 ص 384.
[333]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 277.
[334]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 4-9 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 269 – 77 ومختار الصحاح ص 32.