و بعد هذه الصورة المشرقة التي ساقها القرآن عن النفقة والمنفقين أتبعها بصورة مضاده لها وهي صورة الربا والمرابين ومن مظاهر التضاد والتباين بين الصورتين أن الصدقة بذل المال في وجوه الاستغلال لحاجة المحتاج مع ضمان استرداده ومعه زيادة محرمة وان الصدقة نتيجتها الرخاء والطهارة للمال وشيوع روح المحبة والتعاون والتكافل والاطمئنان بين أفراد المجتمع أما الربا فنتيجة محق البركة من المال وشيوع روح التقاطع والتحاسد والتباغض والخوف بين الناس .
و لقد نفر القرآن الناس من تعاطي الربا تنفيرا شديدا وحذرهم من سوء عاقبته تحذيرا مؤكدا فقال تعالى :
{ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأوليك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .
275- { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس . . } استئناف قصد به الترهيب من تعاطي الربا بعد الترغيب في بذل الصدقة لمستحقيها .
و لم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد ، لأن الصدقة كما يقول الفخر الرازي عبارة عن تنقيص المال في الظاهر بسبب أمر الله في ذلك والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه فكانا متضادين .
و الأكل في الحقيقة ابتلاع الطعام ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه بحرص وهو المراد هنا وعبر عن التعامل بالربا بالأكل لأن معظم مكاسب الناس تنفق في الأكل .
و الربا في اللغة الزيادة المطلقة يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ونما ومنه قوله تعالى : { و ترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج 5 ) .
و هو في الشرع كما قال الألوسي عبارة عن فضل ما لا يقابله عوض في معارضة مال بمال .
و قوله : { يتخبطه } من التخبط بمعنى الخبط الضرب على غير استواء واتساق يقال خبطته أخبطه خبطا أي ضربته ضربا متواليا على أنحاء مختلفة ويقال : تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه ويقال للذي يتصرف في أمر لا يهتدي فيه يخبط خبط عشواء قال زهير بن أبي سلمى في معلقته :
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب *** تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
و المس : الخبل والجنون يقال : مس الرجل فهو ممسوس إذا أصابه الجنون .
و أصل المس اللمس باليد ثم استعير للجنون لأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه .
و المعنى : { الذين يأكلون الربا } أي يتعاملون به أخذا وإعطاء { لا يقومون } يوم القيامة للقاء الله إلا كقيام المتخبط المصروع المجنون حال صرعه وجنونه وتخبط الشيطان له وذلك لأنه يقوم قياما منكرا مفزوعا بسبب أخذه الربا حرم الله أخذه .
فالآية الكريمة تصور المرابي بتلك الصورة المرعبة المفزعة التي تحمل كل عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا .
و هنا يحب أن نوضح أمرين : أما الأمر الأول فهو أن جمهور المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم كما أشرنا إلى ذلك . .
قال الألوسي : " وقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار ، فقد اخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه سلم : " إياك والذنوب التي لا تغفر . الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة . وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط " ( 65 ) . ثم قرأ الآية وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه ولعل الله تعالى جعل علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له . . . ثم قال : وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقول لمن يسرع بحركات مختلفة قد جن ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ولما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الابتعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات " ( 66 ) .
و الذي نراه أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين في الدنيا والآخرة فهم في الدنيا في قلق مستمر وانزعاج دائم واضطراب ظاهر بسبب جشعهم وشرهم في جمع المال ووساوسهم التي لا تكاد تفارقهم وهم يفكرون في مصير أموالهم . . . ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين بالربا يراهم أشبه بالمجانين في أقوالهم وحركاتهم أما في الآخرة فقد توعدتهم الله تعالى بالعقاب الشديد والعذاب الأليم .
و قد رجح الإمام الرازي أن الآية الكريمة تصور حال المرابي في الدنيا والآخرة فقال ما ملخصه : " إن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله ومن كان كذلك من أمر الدنيا متخبطا . . وآكل الربا بلا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك حجابا بينه وبين الله تعالى فالخبط الذي كان حاصلا له في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب وهذا التأويل أقرب عندي من غيره( 27 ) .
و أما الأمر الثاني فهو أن جمهور المفسرين يرون أيضا أن التشبيه في الآية الكريمة على الحقيقة بمعنى أن الآية تشبه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه الشيطان لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالصرع والجنون .
و لكن الزمخرشي ومن تابعه ينكرون ذلك ويرون ان كون الصرع أو الجنون من الشيطان باطل لأنه يقدر على ذلك فقد قال الزمخشري في تفسيره : وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع والمس الجنون ورجل ممسوس أي مجنون وهذا أيضا من زعماتهم وان الجني يمسه فيختلط عليه وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات " ( 68 ) .
و من العلماء الذين تصدوا للرد على الزمخشري ومن تابعه الإمام القرطبي فقد قال : " وفي هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وان الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس وقد روى النسائي عن أبي اليسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : " اللهم إني أعوذ بك من التردي والغرق والهدم والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا " ( 69 ) .
و قال الشيخ أحمد ابن المنير : " و معنى قول الزمخشري ان تخبط الشيطان من زعمات العرب أي من كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها كما يقال في الغول والعنقاء ونحو ذلك وهذا القول من تخبط الشيطان بالقدرية أي المعتزلة في زعاتهم المردودة بقواطع الشرع ثم قال واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه الأمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشرع عنها والقدرية ينكرون كثيرا مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم من ذلك السحر وخبطة الشيطان ومعظم أحوال الجن وإن اعترفوا بشيء من ذلك فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع في خبط طويل لهم " ( 70 ) .
و الذي نراه أن ما عليه جمهور العلماء من التشبيه على الحقيقة هو الحق لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالجنون ولأنه لا يسوغ لنا أن نؤول بغير ظاهره بسبب اتجاه لا دليل عليه .
وقوله من المس متعلق بيقومون أي لا يقومون من المس الذي حل بهم بسبب أكلهم الربا إلا كما يقوم المصروع من جنونه .
و قوله تعالى : { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا } بيان لزعمهم الباطل الذي سوغ لهم التعامل بالربا ، ورد عليه بما يهدمه .
واسم الإشارة ذلك يعود إلى الأكل وإلى العقاب الذي نزل بهم والمعنى : ذلك الأكل استحلوه عن طريق الربا او ذلك العذاب الذي حل بهم والذي من مظاهره قيامهم قيام المتخبط سببه قولهم إن البيع الذي أحله يشابه الربا الذي نتعامل به في ان كلا منهما معاوضة .
قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل إنما الربا مثل البيع لان الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال أنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم انهم قالوا لو اشترى الرجل الشيء الذي لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز فكذلك إذ باع درهما بدرهمين ؟ قلت جيء به على طريق المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع " ( 71 ) .
و قوله : { وأحل الله البيع وحرم الربا } جملة مستأنفة وهي رد من الله تعالى عليهم وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع .
قال الألوسي : وحاصل هذا الرد من الله تعالى عليهم أن ما ذكرتم من أن الربا مثل البيع قياس فاسد الوضع لأنه معارضة للنص فهو من عمل الشيطان على ان يبين البابين فرقا وهو ان من باع ثوبا يساوي درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو مقابله شيء من الثوب وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض ولا يمكن جعل الإهمال عوضا إذ الإمهال ليس بمال في مقابلة المال " ( 72 ) .
و قوله : { فمن جاءته موعظة من ربه فانتهى له ما سلف وأمره إلى الله } .
تفريغ على الوعيد السابق في قوله : { الذين يأكلون الربا . . . }إلخ .
و المجيء بمعنى العلم والبلاغ والموعظة ما يعظ الله تعالى به عباده عن طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره .
أي : فمن بلغه نهي الله تعالى عن الربا فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه فله ما سلف أي فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم يقبضه لأن الله تعالى يقول بعد ذلك : { و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } .
و قوله : { و أمره إلى الله ؛ أي أمر هذا المرابي الذي تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده أمر مفوض إلى الله تعالى فهو الذي يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه .
قال ابن الكثير : وقوله : { فمن جاءه موعظة من ربه . . . } إلخ من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله تعالى : { عفا الله عما سلف } ( المائدة : 95 ) . وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " و كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاته وأول ربا أضع ربا عمي العباس " ( 74 ) .
و لم يأمر برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال تعالى : { فله ما سلف وأمره إلى الله } أي فله ما كان قد أكل من الربا قبل التحريم ( 47 ) .
و " من " في قوله : { من جاءه موعظة } شرطية وهو الظاهر ويحتمل أن تكون موصلة وعلى التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء وقوله فله ما سلف هو الجزاء او الخبر و " موعظة " فاعل جاء وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل ولكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهي في معنى المذكر .
و في قوله : " من ربه " تضخيم لشأن الموعظة والطاعة لأنها صادرة من الله تعالى المربي لعباده .
و في هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده لأنه سبحانه لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهي ولم يجعل تشريعه بأثر رجعي بل جعله للمستقبل إذ الإسلام يجب ما قبله فما أكله المرابي قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم وإذا تعامل به فلن تقبل توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا .
و لقد توعد الله من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله تعالى فقال ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
أي ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه فأولئك العائدون هم أصحاب النار الملازمون لها والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه .
و في هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها التعبير فيها بأولئك التي تدل على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله والتعبير بالجملة الاسمية التي تفيد الدوام والاستمرار والتعبير بكلمة أصحاب الدالة والملازمة والمصاحبة وبكلمة خالدون التي تدل على طول المكث .
قوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم عن كنتم تعلمون ) .
هذه مسألة هامة من المسائل التي شدد عليها الإسلام ، وهي أحد المناهي الكبيرة التي لا يسقط فيها إلا الخاسرون الوالغون في الرجس والذين ينذرهم الإسلام أن تكون جسومهم حصبا لجهنم . ألا وهي مسألة الربا .
والربا جريمة كبرى قد ندد بها الإسلام ، وندد بالمتعثرين فيها الذين يأكلون أموال الناس بهذه الوسيلة الخبيثة التي تفضي إلى جمع مركوم من المال الخبيث أو السحت الذي يودي بالمرابين في أودية جهنم .
ولنا أن نتصور فداحة هذه الجريمة التي حذر منها الإسلام ونحن نردد كلمات القرآن في التهديد والوعيد لأكلة الربا الذين لا يأكلون في بطونهم إلا اللهب . يستبين ذلك من الكلمات الربانية المتوعدة المفزعة كقوله سبحانه : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وقوله سبحانه : ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وفي السنة النبوية ما يكشف عن فظاعة الربا وشدة تحريم . فيقول النبي ( ص ) فيما رواه عنه أبو هريرة : " أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحياة تجري من خارج بطونهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا " .
وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول اله ( ص ) : " الربا سبعون جزءا ، أيسرها أن ينكح الرجل أمه " .
وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- أن النبي ( ص ) قال : " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " .
وروى الدارقطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أن النبي ( ص ) قال : " لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة " .
قوله : ( الذين يأكلون الربا ) أي يأخذونه ويستبيحونه لأنفسهم ، وقد عبر عن مطلق الأخذ بخصوص الأكل ؛ وذلك ؛ لأن الأكل أهم المقاصد التي من اجلها يجمع المال أو يؤخذ . والربا معناه الزيادة ، فمن زاد أو استزاد أكثر مما ينبغي من رأس المال فقد أربى ، على نحو ما سنبينه في موضعه بإيجاز ، أما تعريفه في الشرع ، فقد عرفه البابرتي في كتاب العناية بأنه " الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع{[360]} .
قوله : ( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) ذلك وصف لتعس الذين يأكلون الربا ولوضعهم المشين ؛ لما قارفوه في حياتهم من فاحشة الربا . فإنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة ذاهبين إلى الحشر إلا كما يقوم المصروع وهو ( يتخبطه الشيطان من المس ) أي يفسده بالجنون . فهو يمشي متخبطا كمن يتعثر في خطاه حين السير فهو تارة يهوي ساقطا ، وأخرى ينهض ماشيا . فهو لا يقوم مرة حتى يسقط أخرى كالمجنون الذي خالطه المس . والمس معناه الجنون .
يقول ابن عباس في هذا الصدد : آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق . وقيل ابن عباس في هذا الصدد : آكل الربا يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم كالحبالى ، فكلما قاموا ليمشوا سقطوا وانتكسوا والناس يمشون عليهم .
ويستفاد من هذه العبارة القرآنية أن الصرع يصيب ابن آدم ربما كان سببه مس الشيطان له والعياذ بالله من ذلك . وفي هذا روى النسائي في سننه أن النبي ( ص ) كان يدعو قائلا : " اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق ، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا ، وأعوذ بك أن أموت لديغا " .
وفي حديث آخر عنه ( ص ) أنه كان يدعو : " اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام " .
وجدير بالقول أن ثمة أصنافا من المطعومات والموزونات والمكيلات لا يجوز بيع بعضها ببعض من نفس الجنس إلا مثلا بمثل يدا بيد سواء بسواء .
فقد روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ( ص ) : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء .
وفي رواية أخرى : " ( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " .
يستفاد من هذا الحديث أن هذه الأصناف الستة لا يجوز أن يباع بعضها ببعض- أي من نفس الجنس- إلا أن يكون ذلك مثلا بمثل يدا بيد . المثل بالمثل يعني المساواة بين المبيعين كليهما ، سواء كان موزونين أو مكيلين أو مطعومين او غير ذلك ما دام من نفس الجنس . واليد باليد يعني أن يكون التقابض في المبيعين حالا لا مؤجلا . وأي إخلال بهذين الشرطين يدمغ البيع بوصمة الربا . أما إذا اختلفت هذه الأصناف فلا بأس أن تباع متفاضلة على أن يكون التقابض فيها يدا بيد أي حالا لا مؤجلا . وذلك كما لو بيع الذهب بالفضة أو البر بالتمر أو الملح بالشعير ، فلا بأس أن يقع التفاضل بينهما سواء في الوزن أو الكيل أو غيرهما مادام التقابض حالا .
ويؤكد هذا المفهوم ويوضحه حديث الرسول ( ص ) وهو من رواية الدارقطني عن علي : " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ، من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب ، وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء وهاء " . أي هاك وهات ، أو أخذ وأعط . وذلك يعني أن يكون التقابض بين البيعين حالا وفي مجلس العقد . وصورة هذا البيع ما كان على هيئة مقايضة وهي المعاوضة عرضا بعرض . ويستوي في ذلك أن يكون الذهب أحمر أو اصفر مضروبا أو غير مضروب ، وكذلك الفضة يستوي فيها أن تكون بيضاء أو سوداء مضروبة أو غير مضروبة ، فإنه لا يجوز بيع الواحد منها بجنسه متفاضلا إلا أن يكون مثلا بمثل سواء بسواء . أما بيع الواحد منهما بالجنس الآخر تفاضلا جائز على أن يكون ذلك يدا بيد ؛ وذلك لما بيناه من دليل ، ولما روي عن عبادة بن الصامت قال : إني سمعت رسول الله ( ص ) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ " بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين من زادا أو ازداد فقد أربى .
وعلى ذلك فالربا نوعان : ربا الفضل وربا النسيئة بفتح النون ، أما ربا الفضل فهو الزيادة في الميكلات والموزونات عند اتحاد الجنس إذا بيع أحدهما بالآخر . وذلك كبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو القمح بالقمح أو غير ذلك على أن يكون ذلك متفاضلا وهو حرام .
وأما ربا النسيئة أو النساء فهو الزيادة في المذكورات السابقة عند اختلاف الجنس إذا كان تسليم أحد المبين مؤجلا . أو هو فضل العين على الدين في الكيلين والموزونين عند اختلاف الجنس{[361]} .
قوله : ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) الضمير في قوله : ( بأنهم ) يراد به الكافرون الذين يضادون الله في شرعه . فقد أباح هؤلاء ما حرم الله ، ولم يعترفوا بما أنزل الله للناس من شرع ، فانفتلوا بذلك عن دين الله وراحوا يهرفون بفاسد الكلام من اعتراض على أحكام الله وإنكار لدينه فقالوا : ( إنما البيع مثل الربا ) أي هما مثيلان ولا فرق بينهما فلماذا جعل هذا مباحا وهذا محرما فقضى الله في الأمر بما يحسم المسألة حسما لا يحتمل تأويلا فقال عز من قائل : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) .
ومن المعلومات القواطع أن الفرق بين البيع والربا ظاهر وكبي ومستبين . فالبيع عقد يقوم على المعاوضة . وبموجبه يقبض البائع الثمن ليدفع للمبتاع المبيع على أساس من الرضا وحرية الإرادة . وعقد البيع على هذا الأساس يحتمل الربح والخسارة . فربما أصاب أحد البيّعين في عقد البيع ربحا ، وربما أصاب خسارة . وتتضح هذه الحقيقة على نحو أشد في الشركات ومنها المضاربة . ذلك أن المتعاقدين الاثنين يشتركان في كل من الغُنْم والغُرم أو الربح والخسارة . والقاعدة الفقهية في ذلك معلومة ومشهورة وهي " الغُرْم بالغنم " فكلا المتعاقدين يشتركان في الربح والخسارة وذلكم هو العدل والحق .
لكن الربا يقوم على غير هذا الأساس . فهو في الأصل يقوم على الغرر وقد نهى عنه الرسول ( ص ) ؛ لما فيه من توهيم وتغرير كبيع السمك في الماء أو الطير في الهواء وهكذا يكون الربا . فآخذه بين احتمالين ، فهو إما أن يستفيد مما اقترض ويربح ، وإما أن يتعثر ويخسر ، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا . فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر ، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا . فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر ؛ لأن الفائدة الربوية المعلومة بالنسبة إليه مشروطة . فهو لا يقرض إلا وهو عالم أن ربحه مضمون ضمن أساس مشروط لا يتخلف . وذلك تغرير وحيف وهو باطل وظلم جعله الإسلام محرما وشدد عليه التغليظ والنكير وتوعد الساقطين فيه حربا في هذه الدنيا ونار جهنم في الآخرة .
وقوله : ( فمن جاء موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) شرط وجوابه .
وجملة ذلك أن من بلغه تحريم الربا فانتهى عن فعله وتعاطيه فقد غفر الله ما سلف من أكل الربا . فما كان من أكل للربا قبل التحريم فقد سقطت تبعته في الدنيا وفي الآخرة ، فهو في الدنيا غير مطالب بما زاد على رأس المال أو استزاد . وفي الآخرة غير مؤاخذ عن ذلك ؛ لأن من قواعد الشريعة ألا مسؤولية أو جزاء إن لم يكن ثمة التحريم ، فإن عليه أن يضع ما كان قد اشترط من ربا ، أما الربا الذي أخذه قبل نزول التحريم فلا يلتزم برده ؛ لأنه مندرج في قوله تعالى : ( فله ما سلف ) وقوله في آية أخرى : ( عفا الله عما سلف ) .
وقد ورد أن النبي ( ص ) قال يوم فتح مكة : " وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ، وأول ربا أضع ربا العباس " ولم يأمرهم عليه الصلاة والسلام برد ما أخذوا من زيادة ربوية قبل نزول التحريم ؛ لأن الله سبحانه قد عفا عما سلف . قوله : ( وأمره إلى الله ) الضمير عائد على المكلف المنتهي عن أكل الربا والذي عفا الله له عما سلف ، فإن أمره إلى الله سبحانه يبسط له الخير وأسباب الهداية والطاعة ويجعل له من أمره يسرا .
وقوله : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) الذي يعود إلى أكل الربا بعدما جاءه من موعظة وخبر التحريم ، فإنه من أصحاب النار الخالدين ، وذلك أن استحل لنفسه ما حرمه الله وذلك كفر ، فإنه لا يأبى شرع الله ليجد لنفيه من دون الله شرعا آخر إلا من كان كافرا . ويدخل في ذلك من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله . واسم الإشارة ( أولئك ) في محل رفع مبتدأ . ( أصحاب ) خبره . والجملة الإسمية ( هم فيها خالدون ) في محل نصب حال .