105- يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم . . . الآية .
المعنى : الزموا أنفسكم واحفظوها ، لا يضركم ضلال من ضل من الناس ، إذا اهتديتم للحق في أنفسكم ، وقد دلت الآية القرآنية ، والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبا متحتما ، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال ، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما ضره ضررا يسوغ معه الترك ( 33 ) .
وإذا تأملنا سياق الآية وجدنا أنها مسوقة لتسلية المؤمنين ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم إذا لم يجدوا أذنا صاغية لدعوتهم .
فكأنها تقول لهم : – أيها المؤمنون – إذا قمتم بما يجب عليكم ، لا يضركم غيركم .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف : كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة : يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم : ( عليكم أنفسكم ) وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى ( لا يضركم ) الضلال عن دينكم : إذا كنتم مهتدين . . . . . وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن من تركهما مع القدرة عليهما لا يكون مهتديا ، وإنما هو بعض الضلال ، الذين فصلت الآية بينهم وبينه .
وقد نقل القرطبي في تفسيره ما يأتي :
روى أبو داوا والترمذي وغيرهما عن قيس بن أبي حازم قال : خطبنا أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – فقال : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها :
يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم . . . الآية . وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، أو شك أن يعمهم الله بعذاب من عنده ) ( 34 ) .
وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي أمية الشعبانى قال : أتيت أبا ثعلبة الخشنى فقلت له كيف تصنع بهذه الآية ؟ فقال : أية آية ؟ فقلت قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم . . . قال : أما والله لقد سألت عنها جبيرا ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – فقال : ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهو متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة ، فإن من ورائكم أياما : الصابر فيهن ، مثل القابض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم ( 35 ) .
وزاد في رواية أخرى ( قيل يا رسول الله ، أجر خمسين منا أو منهم ؟ ) قال : ( بل أجر خمسين منكم ) .
والخلاصة : أن الآية الكريمة لا ترخص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط وجوبها عن القادر عليهما .
قال تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . . . الآية . ( آل عمران : 110 ) .
وقال سبحانه : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون . . ( آل عمران : 104 ) .
وقد لعن الله اليهود ، لأنهم : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه . . . الآية . ( المائدة : 79 ) .
ونقل الفخر الرازي في تفسيره عن عبد الله بن المبارك أنه قال :
هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه سبحانه قال : عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم ، ولا يضركم من ضل من الكفار ، وهذا كقوله ، فاقتلوا أنفسكم ، يعني أهل دينكم ، فقوله ( عليكم أنفسكم ) يعني أن يعظ بعضكم بعضا ، ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات ، وينفره من القبائح والسيئات .
إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون . أي إليه وحده رجوعكم جميعا ، من ضل ، ومن اهتدى ، فيخبركم – عند الحساب – بما قدمتم من أعمال ، ويجزيكم على حسب ما علمه من هدايتكم أو ضلالكم وفي هذا وعد للمهتدين ، ووعيد للضالين ، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره قال تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخر . . الآية . ( فاطر : 18 ) .
وقال سبحانه : يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .
قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
أنفسكم ، منصوب على الإغراء . أي احفظوا أنفسكم . كما تقول : عليك زيداً . يضركم ، رفع على الاستئناف . أو جزم على جواب الأمر ، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل لا يضرركم( {[1095]} ) .
وقيل في سبب نزول هذه الآية : إن المؤمنين كان يحزنهم ويؤزهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم فقيل لهم : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } أي لا يضركم ضلال من ضل ولا فساد من فسد من الناس إذا كنتم أنتم مهتدين للحق . ولا يفهمن أحد أن في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فهذا الفهم خاطئ مبطل : فإن من الحقائق الثابتة المقررة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفروض الدينية التي أوجبها الإسلام . ولا يعذر من وجيبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من كان عاجزاً عن القيام بهذا الواجب الكبير . أو كان يظن أن كلامه غير ذي قيمة ولا تأثير البتة . أو كان يخشى على نفسه أن يحل به ضرر بالغ يسوغ له الترك .
وفي أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي التحريض البالغ على هذا المطلب العظيم ، أخرج الإمام أحمد عن قيس قال : قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } إنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه " .
وأخرج الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني إذ سئل عن هذه الآية فقال : أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم " .
قوله : { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ذلك وعد ووعيد من الله لكلا الفريقين . وخلاصته أن مصير المهتدين والضالين جميعاً إلى الله يوم القيامة . وحينئذ ينئبهم الله بما قدموه في الدنيا من أعمال الهداية والضلال فيجزي الصالحين المهتدين الثواب ويجزي الطالحين الضالين العقاب( {[1096]} ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.