46-{ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون } .
لقد أخبرت عن الأنبياء والرسل ، والأمم والقيامة والبعث ، وما كان لك من علم بذلك إلا عن طريق الوحي ، فأنت لم تشاهد موسى عند تلقيه الرسالة ، ولم تكن بجانب الطور حين ناداه ربّه وأوحى إليه ، فالآية اختيار للحظة معينة اتصلت فيها السماء بالأرض ، وتفضل فيها الرب الكريم على موسى .
قال تعالى : { فلما أتاها نودي يا موسى* إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى*وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى*إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } [ طه : 11-14 ] .
ونلمح هنا أن الآية 44 تكلمت عن رسالة موسى بصفة عامة ، أما الآية 46 فقد اختارت لحظة التفضل على موسى بالنداء والمناجاة ، فهذه أخص والسابقة أعم .
وقال قتادة : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا . موسى ، وهذا أشبه بقوله : { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر . . } ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخص من ذلك وهو النداء ، كما قال تعالى : { وإذ نادى ربك موسى . . } الشعراء : 10 ] وقال تعالى : { إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى } [ النازعات : 16 ] .
وقال تعالى : { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } [ مريم : 52 ]
{ ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون }
أي : إنك لم تكن بجانب الطور حين نادينا موسى ، ولكن أعطاك الله الرسالة ؛ رحمة وفضلا وكرامة ، وفيها هذه الأخبار ، وفيها أيضا التشريع والهداية ، لتنذر بها قومك الذين لم يرسل إليهم رسول منذ عهد إسماعيل عليه السلام ، وهي مدة تزيد على ألفي عام ، فقد طال العهد عليهم ، وبعد الأمد بالرسل ، فكان من رحمة الله وفضله أن أرسلك على حين فترة من الرسل ؛ لترشد الناس إلى الإيمان ، وتذكرهم بالوحي ، وترشدهم إلى الخالق الواحد سبحانه وتعالى .
قوله تعالى : { وما كنت بجانب الطور } بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى ، { إذ نادينا } قيل : إذ نادينا موسى : خذ الكتاب بقوة . وقال وهب : قال موسى : يا رب أرني محمداً ، قال : إنك لن تصل إلى ذلك ، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك أصواتهم ، قال : بلى يا رب ، قال الله تعالى : يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم . وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير : نادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ورفعه بعضهم قال الله : يا أمة محمد ، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات : لبيك اللهم لبيك ، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، قال الله تعالى : يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي ، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني ، وقد غفرت لكم من قبل أن تستغفروني من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي دخل الجنة ، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر . قوله تعالى : { ولكن رحمةً من ربك } أي : ولكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك ، { لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك } يعني : أهل مكة . { لعلهم يتذكرون* }
قوله تعالى : " وما كنت بجانب الطور إذ نادينا " أي كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون ، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين ، وروى عمرو بن دينار يرفعه قال : ( نودي يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني ) فذلك قوله : " وما كنت بجانب الطور إذ نادينا " وقال أبو هريرة - وفي رواية عن ابن عباس - إن الله قال : ( يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ورحمتكم قبل أن تسترحموني ) قال وهب : وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد وأمته قال : يا رب أرنيهم فقال الله : ( إنك لن تدركهم وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم ) قال : بلى يا رب فقال الله تعالى : ( يا أمة محمد ) فأجابوا من أصلاب أبائهم فقال : ( قد أجبتكم قبل أن تدعوني ) ومعنى الآية على هذا ما كنت بجانب الطور إذ كلمنا موسى فنادينا أمتك وأخبرناه بما كتبناه لك ولأمتك من الرحمة إلى آخر الدنيا . " ولكن " فعلنا ذلك " رحمة " منا بكم . قال الأخفش : " رحمة " نصب على المصدر أي ولكن رحمناك رحمة وقال الزجاج : هو مفعول من أجله أي فعل ذلك بك لأجل الرحمة النحاس : أي لم تشهد قصص الأنبياء ، ولا تليت عليك ، ولكنا بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة . وقال الكسائي : على خبر كان . التقدير : ولكن كان رحمة . قال : ويجوز الرفع بمعنى هي رحمة الزجاج : الرفع بمعنى ولكن فعل ذلك رحمة " لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك " يعني العرب أي لم تشاهد تلك الأخبار ، ولكن أوحيناها إليك رحمة بمن أرسلت إليهم لتنذرهم بها " لعلهم يتذكرون "
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.