{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم( 213 ) }
أمة : جماعة منة الناس أمرهم ومقصدهم واحد .
مبشرين ومنذرين : واعدين المتقين بالجنة ، ومتوعدين الكفار بالنار .
البينات : الأدلة المقنعة الظاهرة .
وإن الناس طبيعة واحدة فيها الاستعداد للضلالة ، ومنهم من قد استولى عليه أسباب الهداية ، ومنهم من تغلب عليه الضلالة ، ولذلك اختلفوا فبعث الله إليهم الأنبياء هداة مبشرين ومنذرين ، وأنزل معهم الكتب مشتملة على الحق ، لتكون هي الحكم بين الناس فينقطع التنازع ولكن الذين انتفعوا بهدى النبيين هم الذين آمنوا فقط ، الذين هداهم الله في موضع اختلاف إلى الحق ، والله هو الذي يوفق أهل الحق إذا خلصوا .
{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين }
نقل الإمام محمد عبده عدة أقوال عن المفسرين السابقين في معنى هذه الآية ، وناقشها ولم يقبلها .
ومن الآراء التي ناقشها أن الناس كانوا على ملة الهدى والدين القويم .
وقد رفض هذا الرأي لأن هداية الناس واجتماعهم لا تستوجب بعث النبيين مبشرين ومنذرين .
واختار أن يكون معنى هذه الآية :
خلق الله الإنسان أمة واحدة أي مرتبطا بعضه ببعض في المعاش ، لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا ، إلى الأجل التي قدره الله لهم إلا مجتمعين . يعاون بعضهم بعضا ، ولا يمكن أن يستغنى بعضهم عن بعض ، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله ، لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفيته جميع ما يحتاج إليه ، فلابد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته ، فيستعين بهم في شأنه كما يستعينون به في بعض شأنهم ، وهذا الذي يعبرون عنه بقولهم : " الإنسان مدني بالطبع " ، يريدون بذلك أنهم لم يوهب من القوى ما يكفي للوصول إلى جميع حاجاته ، بل قدر له أن تكون منزلة أفراده من الجماعة ، منزلة العضو من البدن ، لا يقوم البدن إلا بعمل الأعضاء كما لا تؤدي الأعضاء وظائفها إلا بسلامة البدن . . .
" إن الله قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضها ببعض ، ولا سبيل لعقولهم وحدها إلا الوصول إلى ما يلزم لهم في توفير مصالحهم ، ودفع المضار عنهم ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم ، وعلى ما يأتون به إنما هو من عند الله تعالى القادر على إثابتهم وعقوبتهم ، العالم بما يخطر في ضمائرهم ، الذي لا تخفى عليه خافية من سرائرهم .
{ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . . . }
أي وأنزل معهم الكتب السماوية التي توضح للناس العبادات وشرائع المعاملات ، طبقا للحق والعدل ، فإذا حادوا عن سواء السبيل ، عادوا إلى هذه الكتب السماوية يحتكمون إليها فتردهم إلى الصواب .
{ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم . . . }
وما اختلف في الحق أو في الكتاب المنزل إلا الذين أوتوه من أرباب العلم والدراسة ، بعد ما جاءتهم الحجج الواضحات على وجوب الأخذ به ، وعدم الاختلاف .
فالبغي بغي الحسد وبغي الطمع ، وبغي الحرص وبغي الهوى ، هو الذي قاد الناس إلى المضي في الاختلاف على أصل التصور والمنهج ، والمضي في التفرق واللجاج والعناد .
لكن قد يشوب الحق شيء من الرغبة في عزة الرئاسة أو ميل مع أربابها أو خوف منهم أو شهوة خفية في منفعة أخرى يلج ذلك بصاحب الرأي حتى يكون شقاق ، ويحدث افتراق ولا ريب أن هذا الشوب وإن كان قد يكون غير ملحوظ لصاحبه بل دخل على نفسه من حيث لا يشعر فهو من البغي على حق الله في عباده أولا ، والبغي على حقوق العباد الذين جاء الكتاب لتعزيز الوفاق بينهم ثانيا ، أما العامة من الناس فلا جريمة لهم في هذا ولذلك جاء بالحصر في قوله : { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم . . . } فإذا كان الرؤساء قد جنوا هذه الجناية على أنفسهم وعلى الناس بسبب البغي الخاص بهم ، فهل يقدح هذا في هداية الكتاب إلى ما يتفق الناس عليه من الحق ويرتفع به النزاع فيما بينهم ؟ كلا فقد رأينا كل دين في بدء نشأته يقرب البعيد ويجمع المشتت ويلم الشعث ويمحق أسباب الخلاف من النفوس ويقرر بين الآخذين به أخوة لا تدانيها أخوة النسب في شيء . وهل يؤثر الأخ في النسب أخاه بماله على نفسه وهو في أشد الحاجة إليه كما كان يفعل أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ؟ وهل يبذل الأخ النسبي روحه دون أخيه ويؤثره بالحياة على نفسه كما آثره بالمال ، كما كان يقع من أولئك الأبطال ؟ هذا شان الدين وهو باق على أصله ، معروف بحقيقته لأهله ، تبينه للناس رؤساؤه ويمشي بنوره فيهم علماؤه ، لا خلاف ولا اعتساف ، ولا طرق ولا مشارب ، ولا منازعات في الدين ولا مشاغب( 151 ) .
{ فهدى الله الذين أمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه }
هداهم بما في نفوسهم من صفاء بما في قلوبهم من رغبة في الوصول إلى الحق في أرواحهم من تجرد .
{ والذين آمنوا } هم أهل الإيمان الصادق في كل دين .
وقيل المراد من الدين آمنوا : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، هداهم الله لما اختلف فيه أهل الكتاب من الحق بإذنه تعالى وتيسريه ، فعرفوه .
ومن ذلك هدايتهم إلى تنزيهه تعالى عن الصاحبة والولد ، وأن إبراهيم عليه السلام كان حنيفا مسلما ، وما كل يهوديا ولا نصرانيا ولا مشركا ، وأن مريم سيدة شريفة ، وليست كما وصفها اليهود ، وأن عيسى رسول الله ، خلافا لما زعم اليهود من نفي رسالته ، ولما زعم النصارى من أنه ابن الله ، إلى غير ذلك .
وفي هذا يقول تعالى : { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون } .
{ والله يهدي ما يشاء إلى صراط مستقيم }
والله وحده هو الهادي من يشاء من عباده إلى طريق الحق الذي لا يضل سالكه ، فليس لأحد سلطان بجوار سلطانه ، ولو أن يكون الناس جميعا مهديين لكانوا ولكن حكمته اقتضت أن يختبرهم ليتميز الخبيث من الطيب ، فيجازي كل فريق بما يستحقه .
قال ابن كثير : وفي صحيح مسلم والبخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه مسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ( 152 ) .
وفي الدعاء المأثور : " اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل واجعلنا للمتقين إماما " ( 153 ) .
قوله تعالى : { كان الناس أمة واحدة } . على دين واحد ، قال مجاهد : أراد آدم وحده ، كان أمة واحدة ، قال : سمي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل وأبو البشر ، ثم خلق الله تعالى حواء ، ونشر منهما الناس فانتشروا ، وكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا .
قوله تعالى : { فبعث الله النبيين } . قال الحسن وعطاء : كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر أمثال البهائم ، فبعث الله نوحاً وغيره من النبيين . وقال قتادة وعكرمة : كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح ، وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى ، ثم اختلفوا في زمن نوح فبعث الله إليهم نوحاً ، فكان أول نبي بعث ، ثم بعث بعده النبيين . وقال الكلبي : هم أهل سفينة نوح ، كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح . وروي عن ابن عباس قال : كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة كفاراً كلهم ، فبعث الله إبراهيم وغيره من النبيين ، وقيل : كان العرب على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي . وروي عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : كان الناس حين عرضوا على آدم ، وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية لله تعالى ، أمة واحدة مسلمين كلهم ، ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم ، ثم اختلفوا بعد آدم . نظيره في سورة يونس ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ) فبعث الله النبيين ، وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، والرسل منهم ، ثلاثمائة وثلاثة عشر ، والمذكورون في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبياً .
قوله تعالى : { مبشرين } . بالثواب من آمن وأطاع .
قوله تعالى : { ومنذرين } . محذرين بالعقاب من كفر وعصى .
قوله تعالى : { وأنزل معهم الكتاب } . أي الكتب ، تقديره وأنزل مع كل واحد منهم الكتاب .
قوله تعالى : { بالحق } . بالعدل والصدق .
قوله تعالى : { ليحكم بين الناس } . قرأ أبو جعفر " ليحكم " بضم الياء وفتح الكاف هاهنا ، وفي أول آل عمران ، وفي النور موضعين ، لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة إنما يحكم به ، وقراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف ، أي ليحكم الكتاب ذكره على سعة الكلام كقوله تعالى ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) . وقيل معناه ليحكم كل نبي بكتابه .
قوله تعالى : { فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه } . أي في الكتاب .
قوله تعالى : { إلا الذين أوتوه } . أي أعطوا الكتاب .
قوله تعالى : { من بعد ما جاءتهم البينات } . يعني أحكام التوراة والإنجيل ، قال الفراء : ولاختلافهم معنيان : أحدهما : كفر بعضهم بكتاب بعض . قال الله تعالى : ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) والآخر : تحريفهم كتاب الله قال الله : ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) وقيل : الآية راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه اختلف فيه أهل الكتاب من بعد ما جاءتهم البينات صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم .
قوله تعالى : { بغياً بينهم } . ظلماً وحسداً .
قوله تعالى : { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه } . أي لما اختلفوا فيه .
قوله تعالى : { من الحق بإذنه } . بعلمه وإرادته فيهم . قال ابن زيد في هذه الآية : اختلفوا في القبلة فمنهم من يصلي إلى المشرق ، ومنهم من يصلي إلى المغرب ، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس ، فهدانا الله إلى الكعبة ، واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان ، واختلفوا في الأيام ، فأخذت اليهود السبت ، والنصارى الأحد ، فهدانا الله للجمعة ، واختلفوا في إبراهيم عليه السلام ، فقالت اليهود : كان يهودياً ، وقالت النصارى كان نصرانياً فهدانا الله للحق من ذلك ، واختلفوا في عيسى ، فجعلته اليهود الفرية ، وجعلته النصارى إلهاً وهدانا الله للحق فيه .