تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (61)

{ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون61 ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون62 تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم63 وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون64 } .

المفردات :

دابة : الدابة : كل ما يدب على الأرض ، ويدخل فيه الإنسان .

إلى أجل مسمى : أي : إلى موعد مقدر .

التفسير :

{ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } .

تفيد هذه الآية : حكمة الله ورحمته بعباده ؛ فقد خلق الله الخلق ومنحهم العقل والإرادة والاختيار ، وأعطاهم فرصة سانحة في هذه الدنيا طوال حياتهم فيها ، ولو عاجل الله الناس بالعقوبة ؛ لأهلك الظالمين والكافرين جميعا ، وصارت الأرض يَبَابا ؛ لكثرة من هلك من الظالمين والكافرين ، لكن الله جلت حكمته يؤجل هلاك الإنسان ، ويمنحه فرصة كاملة ؛ لعله أن يتوب أو يسترجع ، فإذا جاء أجل الإنسان وحان موته ، فإن روحه تخرج في لحظة محددة ، لا تتقدم عنها أي وقت مهما كان صغيرا ، ولا تتأخر عن أجلها لحظة أو برهة .

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء مرفوعا : " إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله ، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد ؛ فيدعون له من بعده ؛ فيلحقه دعاؤهم في قبره ؛ فذلك زيادة العمر " 41 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (61)

{ ولو يؤاخذ الله } ، أي : الملك الأعظم ، الذي له صفات الكمال . { الناس } ، كلهم .

ولما كان السياق للحكمة ، وكان الظلم - الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه - شديد المنافاة لها ، وكان الشرك - الذي هذا سياقه - أظلم الظلم ، قال معبراً بالوصف الشامل لما وقع منهم منه بالفعل ، ولما هم منطوون عليه ، وهو وصف لهم ، ولم يباشروه إلى الآن بالفعل ، قال : { بظلمهم } ، أي : يعاملهم معاملة الناظر لخصمه ، المعامل له بمحض العدل من غير نظر إلى الفضل ، وعبر بصيغة المفاعلة ؛ لأن دلالتها على المناقشة أبلغ . { ما ترك } ، ولما اقتضى الحال ذكر الظلم ، وكان سياق هذه الآية أغلظ من سياق فاطر ، عبر بما يشمل كل محمول الأرض ، سواء كان على الظهر أو في البطن ، مغموراً بالماء أو لا ، فقال تعالى : { عليها } ، أي : الأرض ؛ المعلوم أنها مستقرهم المدلول عليها التراب ، وأعرق في النفي ، فقال تعالى : { من دآبة } ، أي : نفس تدب على وجه الأرض ؛ لأن الكل إما ظالم يعاقب بظلمه ، وإما من مصالح الظالم ؛ فيهلكه عقوبة للظالم ، أو لأنه ما خلقهم إلا للبشر ، فإذا أهلكهم أهلكهم ، كما وقع قريب منه في زمن نوح عليه السلام ، { ولكن } ، لا يفعل بهم ذلك ، فهو { يؤخرهم } ، إمهالاً بحكمته وحلمه ، { إلى أجل مسمى } ، ضربه لهم في الأزل .

ولما قطع العلم بالغاية عما يكون ، سبب عن ذلك الإعلام بما يكون فيه فقال : { فإذا جاء أجلهم } ، الذي حكم بأخذهم عنده ، { لا يستأخرون } ، أي : عنه ، { ساعة } ، أي : وقتاً هو عام التعارف بينكم ، ثم عطف على جملة الشرط من أولها قوله تعالى : { ولا يستقدمون * } أي : عن الأجل شيئاً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (61)

قوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون ( 61 ) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ( 62 ) } .

بعد أن بين الله حال المشركين الذين كفروا به ، وجحدوا نبوة رسول الله ( ص ) ، وقتلوا البنات ظلما ، وزعموا أن الملائكة بنات الله- بعد ذلك كله ، يبين الله أن هؤلاء الظالمين يستحقون العذاب العاجل ، لولا فضل الله بإمهالهم إلى يوم القيامة . وهو قوله : ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ) ( يؤاخذ ) ، من الأخذ ومعناه : التناول ، والعقوبة ؛ أي : لو يعاقب الله الناس بسبب شركهم ، وما جنوه من المعاصي والخطايا ، ( ما ترك عليها من دابة ) ، أي : لأهلك من يدب على ظهر الأرض من الأحياء . وذلك يدل على فظاعة ما يفعله الظالمون ، من عتو وجحود وعصيان . لكن الله بفضله ومنّه ورحمته ، قد أمهل الظالمين إلى اليوم الموعود . وفي هذا الصدد ، روي عن عبد الله بن مسعود قوله : " كاد الجعل{[2551]} أن يهلك في حجره بخطيئة بني آدم " .

قوله : ( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ) ، أي : لا يؤاخذهم الله بما كسبوا في الدنيا من الآثام والمعاصي ؛ إذ لو آخذهم الله بذنوبهم لما بقي منهم أحد ، بل إن الله يؤخر عنهم العذاب إلى اليوم الموعود ؛ ليلاقوا الجزاء البئيس والعذاب الذي لا يزول .

قوله : ( فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون ) ، المراد بأجلهم ، موتهم أو قيام الساعة . فإذا جاء هذا الموعد المحتوم ؛ فإن الظالمين لا يتأخرون عن موعدهم هذا أقل مدة من الزمن وهي ساعة ، وكذلك فإنهم لا يسبقون هذا الأجل المحتوم مثل هذه المدة القصيرة .


[2551]:- الجعل: بفتح الجيم وسكون العين. وهو دويبة أو حشرة صغيرة. انظر القاموس المحيط ص 1263.