{ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون } .
شاءت حكمة الله تعالى ، أن يجعل بعض الناس واسع الأرزاق ، وبعضهم قليل الرزق ، وبعضهم بين بين ؛ لحكمة يعلمها ؛ حتى يستفيد الغني من عمل الفقير ، ويستفيد الفقير من مكافأة الغني .
قال تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير }( الشورى : 27 ) .
ومن الأمثال المشهورة : إذا كنت أمير ، وأنا أمير ، من يسوق الحمير .
إن هذا التفاوت بين الناس في المواهب والأرزاق ، سنة إلهية ، حيث قال تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس . . . } ( الحج : 75 ) .
وقال سبحانه : { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم }( البقرة : 247 ) .
ويذكر بعض المفسرون : أن نعم الله متعددة ، فالعلم ملك ، والخلق ملك ، والحكمة ملك ، والمال ملك ، وسائر العطايا والمواهب ، يعطي منها الوهاب بغير حساب .
قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء }( آل عمران : 26 ) .
{ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق . . . } . أي : من الناس الأغنياء ومنهم الفقراء ، ومنهم العلماء ومنهم الجهلاء ، ومنهم المملوك ومنهم المالك ، ولم يجعل ذلك بحسن الحيلة وفضل العقل فحسب ، فكثيرا ما ترى العبقري النابه ، لا يحصل إلا على الكفاف من الرزق بعد الجهد الجهيد ، بينما ترى الأحمق يتقلب في النعيم ، كأنما يغترف الرزق من خليج البحر .
كم من قويٍ قويٌ من تقلبه *** مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط *** كأنه من خليج البحر يغترف
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة *** وصيّر العالم النحرير زنديقا
لكن لله حكمة خفية في كل أعماله ، فقد يكون كثرة الرزق ابتلاء واختبارا ، وقد يكون الفقر اختبارا وابتلاء ، وقد تكون للإنسان مواهب قوية ، لكن موهبته في تثمير المال محدودة ، وقد يكون الإنسان ضعيف الحيلة في أمور كثيرة ، لكن موهبته في استثمار المال عالية .
وفي الحديث القدسي : ( إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى ولو أفقرته ؛ لساء حاله ، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ولو أغنيته ؛ لساء حاله ) .
{ فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء . . . } . أي : إن الأغنياء والأثرياء ، والمالكين للخدم والعبيد ، لا يوزعون ثروتهم على العبيد والخدم ، حتى يتساووا جميعا فيما يملكون ، بل يحافظون على أموالهم وأملاكهم ، ولا يعطون أتباعهم وخدمهم منها ، وإن أعطوهم أعطوهم النذر اليسير من المال ، وأمسكوا المال في أيديهم ، إذا كان هذا شأن العباد مع بعضهم ، فكيف يشركون مع الله معبودات أخرى من مخلوقاته ، ويجعلونهم شركاء لله في الألوهية .
قال العوفي : عن ابن عباس في هذه الآية يقول :
لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون معي عبيدي في سلطاني . .
يقول تعالى منكرا عليهم : أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى ، بمساواة عبيد له في الألوهية والتعظيم ؟ ! .
كما قال تعالى في آية أخرى : { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم . . . }( الروم : 28 ) .
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله :
{ أفبنعمة الله يجحدون } . أي : أينعم الله عليهم بالمال والجاه والخلق والرزق ، ثم ينسبون هذه العطايا إلى غيره ، فيجحدون نعمة الخالق الرازق الذي بيده الخلق والأمر ، والهمزة هنا للاستفهام الإنكاري ، والفاء معطوفة على مقدر ، أي : أيشركون به سبحانه فيجحدون نعمه وينكرونها ويغمطونها حقها ، مع أنه تعالى هو الذي منحهم هذه النعم ، وتفضل عليهم بالأرزاق .
ولما ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع ، الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار ، للخوف كل لحظة من مصيبة الموت ، ثنى بالمفاوتة في الأرزاق ، فقال تعالى : { والله } ، أي : الذي له الأمر كله ، { فضل بعضكم } ، أيها الناس ، { على بعض } .
ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة ، وكان التفضيل في المعاش ، الذي يظن الإنسان أن له قدرة على تحصيله ، وكانت المفاوتة فيه أدل على تمام القدرة ، والفعل بالاختيار الذي السياق له ، قال تعالى : { في الرزق } ، أي : ولربما جعل الضعيف العاجز الجاهل ، أغنى من القوي المحتال العالم ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار ؛ قال الإمام أبو نعيم في الحلية : حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا أحمد ، ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو الخلال ، قال : سمعت ابن أبي عمر يقول : كنا عند سفيان بن عيينة ، فذكروا الفضل بن الربيع ودهاءه ، فأنشأ سفيان يقول :
كم من قويّ قوي في تقلبه *** مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط *** كأنه من خليج البحر يغترف
وعن نوادر أبي علي القالي أنه قال : قال أبو بكر ابن الأنباري : وحدثني أبي قال : بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم ، وطالبه بصحبته ، فرد عليه المائة ألف ، وكتب إليه هذه الأبيات :
أبلغ سليمان أني عنه في سعة *** وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخي بنفسي أني لا أرى أحداً *** يموت هزلاً ولا يبقى على حال
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه *** ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه *** ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظمهم في حقوقهم ، مع أنه في الحقيقة لا مالك ولا مُلك ، فلا يدينون لذلك ولا يدانونه وإن جل الخطب ، وأدى إلى ذهاب الأرواح ، بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته وإن كان أبوه من كان ، وإن كانت العبرة عندهم في النسب بالأب ، وهذا هو الذي أحوج عنترة إلى قوله :
إني امرؤ من خير عبس منصباً *** شطري وأحمي سائري بالمنصل
إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه ، نبههم سبحانه على ما وقعوا فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك ، مع أنه مالك الملك وملك الملوك ، بعدما اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه ، فقال تعالى : { فما الذين فضلوا } ، أي : في الرزق ، { برادّي رزقهم } ، أي : الذي اختصوا به ، { على ما ملكت أيمانهم } ، وإن جل نفعهم ، وتعاظم عندهم وقعهم ، { فهم فيه سواء } ، أي : فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء ، فهو جواب للنفي - نقله الرماني عن ابن عباس ، ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم .
ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلاً نوع لبس ، تسبب عنه الإنكار في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم المؤذن بالمقت : { أفبنعمة الله } ، أي : الذي لا رب غيره ، { يجحدون * } ، في جعلهم له شركاء ، يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم ، فيسوون بينهم وبينه في ذلك ، وبنعمتهم يعترفون ، ولها يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب والأموال .
قوله تعالى : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ( 71 ) } ذلك توبيخ للمشركين وتقريع ؛ لاتخاذهم مع الله آلهة من المخلوقات . والمعنى : أنكم أيها المشركون لا ترضون بشركة مماليككم في شيء من أموالكم وهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله ، فكيف بكم تشركون بالله في الألوهية والمعبودية بعض مخلوقاته ؟ ! وبعبارة أخرى : فأنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف ترضون لله أن يساويه عبيده في الإلهية والمعبودية والتعظيم ؟ ! وعلى هذا قوله : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ) ، أي : جعلكم الله متفاوتين في الرزق مما أعطاكم ؛ إذ جعلكم أكثر رزقا من مماليككم الذين ربما كانوا أعظم منكم في العلم والورع . لكن الذين فضلهم الله في هذا الرزق ، وهم الملاك ، غير رادين ما أعطاهم من الرزق على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية ليكونوا جميعا فيه ( سواء ) ، أي : متساوين لا تفاضل بينهم . فما دمتم لا ترضون لعبيدكم أن يكونوا شركاءكم فيما تملكون ، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شركاء من عبيده ؟ ! وقوله : ( فهم فيه سواء ) ، هذه الجملة اسمية ، في موضع نصب ؛ لأنها وقعت جوابا للنفي ، وقامت هذه الجملة الاسمية مقام جملة فعلية . وتقديره : فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا{[2568]} ، وهذا مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء ، فقال لهم : أنتم لا تُسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ، ولا تجعلونهم فيه شركاء ، ولا ترضون ذلك لأنفسكم ، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء ؟ ! {[2569]} .
قوله : ( أفبنعمة الله يجحدون ) ، الهمزة للاستفهام الإنكاري ، والفاء للعطف على مقدر ، وذلك استفهام عن جحود هؤلاء المشركين نعمة ربهم ، استفهام توبيخ وإنكار ؛ فقد تفضل الله عليهم بالنعم الكثيرة التي لا تحصى ، لكنهم جحدوا ذلك كله ، وعبدوا معه آلهة مزعومة أخرى{[2570]} .