تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

المفردات :

يضاهئون : المضاهأة والمضاهات : المشابهة .

أنى يؤفكون : كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل .

30 – { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله . . . } الآية .

في هذه الآية وما بعدها يكشف الله سبحانه عن الشبه التي وردت على أهل الكتاب ، فأفسدت عليهم دينهم ؛ وأدخلتهم في مداخل المشركين أو الكافرين ، فوصفوا بقوله تعالى في الآية السابقة : { ولا يدينون دين الحق } .

{ وقالت اليهود عزير ابن الله } .

ذلك أنه مر على قرية قديمة ، قبورها دارسة ، وقد عمها الصمت والسكون والموت ؛ فقال : { أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه . . . } فلما رآه اليهود ؛ قالوا : عزيرا ابن الله ؛ لأن الله بعثه بعد موته .

وقيل : إن التوراة قد ضاعت أيام الأسر البابلي ، فلما عاد اليهود من الأسر ، وأعادوا بناء الهيكل ؛ لم يجدوا التوراة ، وكان عزير أو عزرا قد ملأ الله صدره نورا ؛ فإذا التوراة محفوظة في قلبه ، تجري كلماتها على لسانه . ثم جمع أحبارهم وأملى عليهم التوراة من حفظه ؛ وحدت بعد هذا أن عثروا على التوراة الضائعة ، فقارنوا بها ما أملاه عزرا فإذا هي هي ، كان عندهم عزرا كائنا علويا سماويا فنسبوه إلى الله وجعلوه ابنا له .

والمحققون من المؤرخين يقولون : إن عزيرا( عزرا ) ، جمع محفوظات من صدور القوم ؛ ومن أوراق متناثرة وسماها : التوراة ، ولا يوجد دليل على أنها طبق الأصل ؛ فإن الأصل مفقود ، كما أن فيها وصف الله بما لا يليق به ، كالندم والضعف أمام إسرائيل ، وغير ذلك مما يقطع بوضعها54 .

وقال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :

جاء في دائرة المعارف اليهودية الإنكليزية – طبعة 1903 – أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية ، الذي تفتحت فيها أزهاره ، وعبق شذا ورده ، وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة .

{ وقالت النصارى المسيح ابن الله } .

أي : أن النصارى قالوا في المسيح عيسى ابن مريم ما قالته اليهود في عزير ؛ فقد قالوا : إنه ابن الله ، وشبهتهم في ذلك أن المسيح قد ولد من رحم امرأة دون أن تتصل برجل .

وقد فصل القرآن القول في ذلك في سورة مريم ، وآل عمران وغير ذلك من السور ؛ فالمسيح قد خلق بقدرة الله ، وأراد الله أن يجعل منه آية على هذه القدرة .

فقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من أب دون أم ، وخلق المسيح من أم دون أب ؛ قال تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . ( آل عمران : 59 ) .

وقد رد الله على النصارى وناقشهم ، ودحض حجتهم في آيات كثيرة . أحيانا حاكمهم إلى العقل فبين أن المسيح بشر جعله الله رسولا ، وما ينبغي لبشر أن يرسله الله ثم يدعي هذا البشر الألوهية ويطلب من الناس أن يعبدوه هو ؛ بل ينبغي للرسول الأمين ؛ أن يدعو الناس إلى عبادة الله رب الجميع .

قال تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } . ( آل عمران : 79 ) .

وأحيانا خاطب العقل مع العاطفة والوجدان مثل قوله تعالى :

{ وقالوا اتخذ الرحمان ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا * وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمان عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } . ( مريم : 88 - 95 ) .

كذلك فإن المسيح أعطاه الله معجزات تؤيد رسالته مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ، فقالوا : إن المسيح ما كان يستطيع أن يفعل ذلك إلا لأنه ابن الله .

وفي القرآن : { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء . . . }( الأنعام : 101 ) .

أي : كيف يكون لله ولد مع أنه لا زوجة له ؟ ! وجهلوا أن ميلاد عيسى كان بأمر الله : { قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } . ( مريم : 21 ) .

كما أن معجزات عيسى لتأييد نبوته ؛ كان شأنها كشأن معجزات الأنبياء السابقين ، كناقة صالح ، وعصا موسى ؛ هي بمثابة تصديق الله له في دعواه الرسالة .

{ ذلك قولهم بأفواههم } . أي : هو قول يلقى على عواهنه ؛ مجرد كلام ، لم يحتكم فيه إلى عقل أو منطق . . . إنه كلام . . . لا أكثر ليس بينه وبين الحق نسب .

قال الشوكاني في فتح القدير :

{ ذلك قولهم بأفواههم } .

أي : إن هذا القول لما كان ساذجا ليس فيه بيان ، ولا عضده برهان ، كان مجرد دعوى ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه ؛ غير مفيدة لفائدة يعتد بها .

{ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } .

يشابهون بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم : اللات والعزى ومناة بنات الله ، والملائكة بنات الله .

قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن :

ويمكن أن يكون الذين كفروا من قبل ، كل من سبق اليهود والنصارى ؛ من الذين كانوا يعتقدون بهذا المعتقد الذي يجعل لله ابنا يعبد من دون الله ، أو يعبد مع الله ، مثل تلك المعتقدات التي كان يعتقدها اليونان في توليد الآلهة ، بعضهم من بعض ، وكما كان يعتقد الفراعنة في آلهتهم ، وإضافة ملوكهم إلى آلهة سماوية علوية ، وكما يعتقد المعتقدون في بوذا وأنه مولود إلهي ا ه .

وجاء في تفسير المنار :

وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب : أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث ، كانت معروفة عند البراهمة في الهند وفي الصين واليابان وقدماء المصريين وقدماء الفرس .

وهذه الحقيقة التاريخية – والتي بينها القرآن في هذه الآية – من معجزاته ؛ لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم ، بل لم تظهر إلا في هذا الزمان55 .

والمعنى : إن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم : { عزير ابن الله } . وقال البعض الآخر : { المسيح ابن الله } .

ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان ؛ ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم56 .

{ قاتلهم الله } . أي : لعنهم الله ، أو طردهم من رحمته ورضوانه ، أو أهلكهم الله ؛ لأن من قاتله الله ؛ هلك روى ابن جرير عن ابن عباس أن معنى قاتلهم الله لعنهم الله ؛ وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن .

والمقصود من هذا التعبير : التعجب من شفاعة قولهم حكى النقاش أن أصل قاتله الله : الدعاء ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر . وهم لا يريدون الدعاء ، وأنشد الأصمعي :

يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني *** وأخبر الناس أنى لا أباليها

{ أنى يؤفكون } .

كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه ؟ !

{ ويؤفكون } . من الإفك بمعنى : الانصراف عن الشيء ؛ والابتعاد عنه ، يقال : أفكه عن الشيء يأفه إفكا ؛ أي : صرفه عنه وقلبه ، ويقال : أفكت الأرض إفكا ، أي : صرف عنها المطر .

والغرض من الاستفهام هنا : التعجب والتوبيخ .

أي : إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم ، فالمسيح بشر يأكل الطعام ، وتجري عليه أحكام البشر ، فكيف يكون إلها ؟ !

قال تعالى : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام } . ( المائدة : 75 ) .

وقال سبحانه : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله } . ( النساء : 172 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

ولما كان المراد التعميمم أتى بها نكرة لتفيد ذلك ، ويؤيد هذا ما نقل العلماء عن الرواة لفتوح البلاد منهم الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي ، قال في كتابه الاكتفاء في وقعة جلولاء من بلاد فارس : قالوا : قال بعضهم : فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدلالة مع الجزي عن أيديهم على قدر طاقتهم ، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة ، وإنما أخذوا الجزية من المجوس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر وأخذها منهم لأنهم أهل كتاب في الأصل ، قال الشافعي في باب المجمل والمفسر من كتاب اختلاف الحديث : والمجوس أهل كتاب غير التوراة والإنجيل وقد نسوا كتابهم وبدلوه ، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخذ الجزية منهم ؛ أخبرنا سفيان عن أبي سعد سعيد بن مرزبان عن نصر بن عاصم قال : قال فروة بن نوفل الأشجعي : علام تؤخذ{[36039]} الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب ؟ فقام إليه المستورد فأخذ بلببه{[36040]} فقال : ياعدو الله ! تطعن على أبي بكر وعلى عمر وعلى أمير المؤمنين - يعني علياً - وقد أخذوا منهم الجزية ، فذهب به إلى القصر فخرج علي رضي الله عنه عليهما{[36041]} فقال : البدا ! البدا ! فجلسا في ظل القصر فقال علي : أنا أعلم الناس بالمجوس ، كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه ، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل{[36042]} مملكته ، فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد فامتنع عليهم فدعا أهل مملكته فقال : تعلمون ديناً خيراً من دين آدم وقد كان آدم ينكح بنيه من بناته ، فأنا على دين آدم ، فبايعوه وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسرى{[36043]} على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب العلم الذي في صدورهم ، وهم أهل كتاب{[36044]} وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منهم الجزية . ولما أمر بقتالهم {[36045]}ووصفهم بما هو السبب الباعث على ذلك ، عطف عليه بعض أقوالهم المبيحة لقتالهم{[36046]} الموجبة لنكالهم فقال : { وقالت } أي قاتلوا أهل الكتاب لأنهم كفروا بما وصفناهم به وقالت { اليهود } منهم كذباً وبهتاناً { عزير } تنوينُ عاصم والكسائي له موضحٌ لكونه مبتدأ ، والباقون منعوه نظراً إلى عجمته مع العلمية وليس فيه تصغير ، والخبر في القراءة قولهم{[36047]} : { ابن الله } أي الذي له العلو المطلق فليس كمثله شيء ، وعزير هذا هو المسمى عندهم في سفر الأنبياء{[36048]} ملاخيا ، ويسمى أيضاً العازر وهو الأصل والعزير تعريبه ، وأما الذي جمع لهم هذه التوراة التي بين أيديهم فقال السموأل بن يحيى المغربي الذي كان يهودياً فأسلم : إنه شخص آخر اسمه عزرا ، وإنه ليس بنبي . ذكر ذلك في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود ، وهو كتاب حسن جداً ، وكان السموأل هذا مع تمكنه من المعرفة بشريعة اليهود وأخبارهم متمكناً من علوم الهندسة وغيرها ، وكان فصيحاً بليغاً وكان حسن{[36049]} الإسلام يضرب المثل بعقله ، ورأيت اليهود في غاية النكاية منه ، وأراني بعضهم رسالة إليه لبعض أحبارهم يسفه فيها رأيه في إسلامه ويشبه عليه بأشياء خطابية وشعرية ، فأجابه بجواب بديع افتتحه بقوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها }{[36050]}[ البقرة : 142 ] ثم رد كلامه أحسن رد ثم قال{[36051]} له ما حاصله : دع عنك مثل هذه الخرافات ، وأجب عن الأمور التي ألزمتكم بها في كتاب غاية المقصود ، فما أحار{[36052]} جواباً ، ثم القائل لهذا القول منهم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم أربعة ، وقيل : قائله واحد وأسند إلى الكل كما يقال : فلان يركب الخيول وقد لا يكون له إلا فرس واحد{[36053]} ، وهو كقوله تعالى{ الذين قال لهم الناس }{[36054]}[ آل عمران : 173 ] وقيل : كان فاشياً فيهم فلما عابهم{[36055]} الله به تركوه وهم الآن ينكرونه ، والله تعالى أصدق حديثاً { وقالت النصارى } أي منهم إفكاً وعدواناً { المسيح } وأخبروا عنه بقولهم{[36056]} : { ابن الله } أي{[36057]} مع{[36058]} أن له الغنى المطلق والكمال الأعظم ، والمسيح هذا{[36059]} هو ابن الله مريم بنت عمران ؛ ثم استأنف قوله مترجماً قولي{[36060]} فريقيهم : { ذلك } أي القول البعيد من العقول المكذب للنقول { قولهم بأفواههم } أي حقيقة لم يحتشموا{[36061]} من قوله مع سخافته ، وهو مع ذلك قول لا تجاوز{[36062]} حقيقته الأفواه إلى العقول لأنه لا يتصوره عاقل ، بل هو قول مهمل كأصوات الحيوانات العجم لا يتحقق له المعنى ؛ قال : ومعناه الحال أن قائله لا عقل له ، ليس له معنى وراء ذلك ، ولبعده عن أن يكون مقصوداً لعاقل عبر فيه بالأفواه التي هي أبعد من الألسنة{[36063]} إلى القلوب .

ولما كان كأنه قيل : فما لهم إذا كان هذا حالهم{[36064]} قالوه ؟ قال ما حاصله : إنهم قوم مطبوعون على التشبه بمن يفعل المفاسد كما أنهم{[36065]} تشبهوا بعبدة الأوثان ، فعبدوها غير مرة والأنبياء بين أظهرهم يدعونهم إلى الله وكتابهم ينادي بمثل ذلك وينذرهم أشد الإنذار { يضاهئون } أي حال كونهم يشابهون بقولهم هذا { قول الذين كفروا } أي بمثله وهو العرب حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، كما أنهم لما رأوا الذين يعكفون على أصنام لهم قالوا : { يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } .

ولما كان لا يمتنع أن يكون الذين شابهوهم إنما كانوا بعدهم أو في زمانهم من قبل أن يبين فساد قولهم ، نفى ذلك بقوله مشيراً بحرف الجر إلى أن كفرهم لم يستغرق زمن القبل : { من قبل } أي من قبل أن يحدث منهم هذا القول ، وهذا دليل على أن العرب غيروا دين إسماعيل عليه السلام ، اجترؤوا{[36066]} على مثل هذا القول قبل إيقاع بخت نصر باليهود أو في حدوده ، وليس ذلك ببعيد مع طول الزمان وإغواء الشيطان ، فقد كان بين{[36067]} زمان إبراهيم وعزير عليهما السلام نحو ألف وخمسمائة سنة - هذا على ما ذكره بعض علماء أهل الكتاب عن كتبهم وأيده ما ذكره المسعودي من مروج الذهب في تاريخ ملوك بابل من نمرود إلى بخت نصر : وذكر بعض المؤرخين أن بين الزمنين زيادة على ألفي سنة على أنهم قد نقلوا ما هو صريح في كفر العرب في ذلك الزمان فرووا عن هشام بن الكلبي أنه قال{[36068]} : كان بدء نزول العرب إلى أرض العراق أن الله عز وجل أوحى إلى برخيا من ولد يهودا أن ائت بخت نصر فمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق{[36069]} لبيوتهم ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم وأعلمه بكفرهم بي و{[36070]}اتخاذهم الآلهة{[36071]} دوني وتكذيبهم أنبيائي ورسلي ، وعن غير ابن الكلبي أنه نظم ما بين أبلة والايلة خيلاً ورجالاً ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ذي روح قدروا عليه{[36072]} ، وأوصى الله برخيا وإرميا بمعد بن عدنان الذي من ولده محمد المختوم به النبوة ، وكان ذكر مشابهتهم لأهل الشرك تحقيراً لشأنهم تجرئة على الإقدام عليهم إذ{[36073]} جعلهم مشابهين لمن دربوا قتالهم وضربوا{[36074]} عليهم فأذلوهم بعد أن كانوا في عزة لا يخشون زوالها ، وعزائم شديدة لا يخافون انحلالها ، كل ذلك بطاعة الله في قتالهم وطلب{[36075]} مرضاته بنزالهم لأنه عليهم ، ومن كان عليه لم يفلح{[36076]} ، وإلى مثل ذلك إشارة بقوله في حق هؤلاء : { قاتلهم الله } أي أهلكهم الملك الأعظم ، لأن{[36077]} من قاتله لم ينج منه ، وقيل : لعنهم ؛ روي عن ابن عباس قال : وكل شيء في القرآن مثله فهو لعن { أنى يؤفكون* } أي كيف ومن أين يصرفون عن الحق مع قيام الأدلة القاطعة عليه ،


[36039]:في الأصل: يؤخذ، والتصحيح من ظ وسنن البيهقي ـ باب المجوس أهل كتاب من كتاب الجزية، وساق هذا الحديث هناك بتمامه عن نفس الطريق الذي هنا. وساق بعضه في مجمع الزوائد 6/12.
[36040]:من السنن، وفي الأصل: بلبيه، وفي ظ: بتلبيبه.
[36041]:في ظ: عليها.
[36042]:سقط من ظ.
[36043]:في ظ: رفع.
[36044]:من ظ والسنن، وفي الأصل: الكتاب.
[36045]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36046]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36047]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[36048]:وهو آخر الأسفار القديمة.
[36049]:في ظ: أحسن.
[36050]:سورة 2 آية 142.
[36051]:في ظ: قاله.
[36052]:في ظ: أجاد.
[36053]:من ظ، وفي الأصل: واحدة.
[36054]:سورة 3 آية 173.
[36055]:في ظ: أعابهم.
[36056]:زيد من ظ.
[36057]:زيد من ظ.
[36058]:سقط من ظ.
[36059]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[36060]:في ظ: قول.
[36061]:من ظ، وفي الأصل: لم يحتتموا.
[36062]:من ظ، وفي الأصل: لا يجاوز.
[36063]:في ظ: السن.
[36064]:من ظ، وفي الأصل: حاله.
[36065]:من ظ، وفي الأصل: أنتم.
[36066]:في ظ: اختروا.
[36067]:من ظ، وفي الأصل: قبل.
[36068]:سقط من ظ.
[36069]:في ظ: أغلاف.
[36070]:من ظ، وفي الأصل: إيجادهم الإلهية.
[36071]:من ظ، وفي الأصل: إيجادهم الإلهية.
[36072]:سقط من ظ.
[36073]:من ظ، وفي الأصل: أو.
[36074]:من ظ، وفي الأصل: ضروا.
[36075]:في ظ: صلت.
[36076]:من ظ، وفي الأصل: لا يفلح.
[36077]:في ظ: لا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قتالهم الله أنى يؤفكون 30 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } .

هذه واحدة من افتراءات اليهود والنصارى على الله بما يصمهم العتو الفادح المغالي ويجعلهم في عداد المشركين الكفرة لا محالة . إن ذلك تخريص من تخريصات الفريقين وهم يفترون على الله الكذب ، إذ يزعمون أنه أب لمولود ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . أما عزير : فهي نبي من أنبياء بني إسرائيل بعثه الله فيهم ليجدد لهم التوراة ، وليكون لهم آية بعد ما أماته الله مائة عام ثم بعثه . وذلك بعد أن عزا بختنصر بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل فقتل رجالهم وسبى نساءهم وصغارهم وأحرق توراتهم وسامهم سوء الإذلال والتنكيل . ثم خرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل عليه السلام ولقاه التوراة فحفظها ، ثم أملاها على بين إسرائيل دون أن يفقد منها حرفا . فقالوا : ما جمع الله التوراة في صدر عزير وهو غلام إلا لأنه ابنه . وهذا محض باطل وهراء ما ينبغي لذي مسكة عقل أن يجترها لسانه .

وكذلك النصارى قالوا : المسيح ابن الله ؛ وذلك لما اشتبهت عليهم ولادته من غير أب ، فسدروا في الافتراء والضلالة باختلاق هذه الفرية الفظيعة التي تنفر منها أبسط مراتب التفكير السليم . والمسيح برئ من كل هذا اللغط الأحمق الفاجر ؛ إذ كان عليه السلام يزجرهم زجرا ويتبرأ من مقاتلهم المقبوحة ويبين لهم في قطع أبلج أنه عبد الله ورسوله ، وأن أمه مريم العذراء البتول أفضل نساء العالمين طهرا وتقي وعفافا وقد ولدته من غير أب بمشيئة الله .

قوله : { ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل } { يضاهون } بمعنى يشابهون . والمشاهأة تغني المضاهاة وهي المشابهة ؛ ضاهاه : شاكله . وضهيك يعني شبيهك{[1758]} ، والمعنى : أنهم يلغطون بهذا الغلط الظالم المفترى بأفواههم من غير برهان على ذلك ولا حجة ، فليس قولهم هذا إلا الألفاظ المهملة المفرغة من أي مضمون معتبر أو معنى يستحق الذكر ، وهم في ذلك { يضاهون قول الذين كفروا من قبل } أي يشابهون في قوله من حيث العتو وشناعة الكفر قول الذين كفروا من قبلهم وهم المشركون الذين قالوا : الملائمة بنات الله –سبحانه وتعالى عما يقولون- قوله : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } هذا دعاء عليهم ، ولا ريب أن الهلاك حائق بمن قاتلهم الله . وقيل : لعنهم الله . وهو قول ابن عباس .

وفي الجملة : فإن المراد التشنيع على هؤلاء الضالين الساردين في ظلمة الإشراك بالله { أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحف إلى الباطل بعد وضوح الدليل وسطوح الحجة .


[1758]:القاموس المحيط ص 1684.