و بعد أن ساق سبحانه في آية الكرسي الأدلة الواضحة على وحدانيته وعظمته وتنزيهه عن صفات الحوادث عقب ذلك ببيان أن الدين الحق قد ظهر وتجلى لكل ذي عقل سليم وأنه لا يقسر أحد على الدخول فيه فقال تعالى :
{ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم }
الإكراه : حمل الغير على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو التعذيب أو ما يشبه ذلك والمراد بالدين دين الإسلام والألف واللام فيه للعهد .
و الرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، مصدر رشد ويرشد أي اهتدى والمراد هنا الحق والهدى .
و الغي : ضد الرشد والمراد به مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأى .
و يرى بعض العلماء أن نفي الإكراه هنا في معنى النهي أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح في دلائله وبراهينه فمن هداه الله له ونور بصيرته دخل فيه على بصيرة ومن أضله وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه على الدخول فيه .
و قال بعض العلماء إن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى ليس في الدين الذي هو تصديق بالقلب وإذعان في النفس إكراه وإجبار من الله تعالى لأحد لأن مبني هذا الدين على التمكين والاختيار وهو مناط الثواب والعقاب ولولا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار ولبطل الامتحان .
أو المعنى كما يرى بعضهم أن من الواجب على العاقل بعد ظهور الآيات البينات على أن الإيمان بدين الإسلام حق ورشد وعلى أن الكفر به غي وضلال أن يدخل عن طواعية واختيار في دين الإسلام الذي ارتضاه الله وألا يكره على ذلك بل يختاره بدون قسر أو تردد .
فالجملة الأولى وهي قوله تعالى : { لا إكراه في الدين } تنفي الإجبار على الدخول في الدين لان هذا الإجبار لا فائدة من ورائه إذ التدين إذعان قلبي واتجاه بالنفس والجوارح إلى الله رب العالمين بإرادة حرة مختارة فإذا أكره عليه الإنسان ازداد كرها له ونفورا منه فالإكراه والتدين نقيضان لا يجتمعان ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخر .
و الجملة الثانية وهي قوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } بمثابة العلة لنفي هذا الإكراه على الدخول في الدين أي قد ظهر الصبح لدى عينين وانكشف الحق من الباطل والهدى من الضلال وقامت الأدلة الساطعة على دين الإسلام هو الدين الحق وغيره من الأديان ضلال وكفران وما دام الامر كذلك فقد توافرت الأسباب التي تدعو إلى الدخول في دين الإسلام ومن كفر بعد ذلك فليحتمل نتيجة كفره وسوء عاقبة أمره .
ثم قال تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعورة الوثقى لا انفصام لها } الطاغوت : اسم لكل ما يطغى الإنسان كالأصنام والأوثان والشيطان وكل رأس في الضلال وكل ما عبد من دون الله . . وهو مأخوذ من طغى يطغي . . كسعي طغيا وطغيانا أو من يطغو طغوا وطغيانا إذا تجاوز الحد وغلا في الكفر وأسرف في المعاصي والفجور .
و العروة : في أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه أي من الجهة التي يجب تعليقه منها وتجمع على عرا والعروة من الدلو والكوز مقبضة ومن الثوب مدخل زره .
و الوثقى : مؤنث الأوثق وهو الشيء المحكم الموثق يقال وثق بالضم وثاقة أي قوى وثبت فهو وثيق أي ثابت محكم .
و الانفصام : الانكسار والفصم كسر الشيء وقطعه .
و المعنى : فمن خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله وآمن بالله- إيمانا خالصا صادقا فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها وأمسك من الدين بأقوى سبب واحكم رباط .
و الفاء في قوله : { فمن يكفر . . . } للتفريع والسين والتاء في استمسك للتأكيد والطلب و قوله : فقد استمسك بالعورة الوثقى فيه . . كما يقول الزمخشري تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصور السامع كأنما ينظر إليه بعينيه فيحكم اعتقاده والتيقن به وجملة : { لا انفصام لها } استئناف مقرر لما قبله أو حال من " العروة " والعامل " استمسك " .
ثم ختم سبحانه الآية بقوله : { و الله سميع عليم } . أي سميع الأقوال وهمسات القلوب وخلجات النفوس عليم بما يسره الناس وما يعلنونه وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب .
قال القرطبي ما ملخصه : قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين . . } لان النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض إلا الإسلام ، وقيل إنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية . . .
و الحجة لهذا القول ما رواه زيد بن اسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية أسلمي أيتها العجوز تسلمي إن الله بعث محمدا بالحق ، قالت : أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب . فقال عمر : اللهم اشهد وتلا { لا إكراه في الدين }( 22 ) .
و الذي تسكن إليه النفس أن هذا الآية محكمة غير منسوخة لأن التدين لا يكون مع الإكراه كما أشرنا من قبل . . ولأن الجهاد ما شرع في الإسلام لإجبار الناس على الدخول في الإسلام إذ لا إسلام مع إجبار وإنما شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة الله والرسول صلى الله عليه وسلم ما قاتل العرب ليكرههم على الدخول في الإسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدأوا بالعداوة .
و لان الروايات في سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه في الدين ومن هذه الروايات ما جاء عن أبي عباس انه قال نزلت في رجل الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله هذه الآية ( 23 ) .
و في رواية أخرى انه حاول إكراههما على الدخول في الإسلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا انظر إليه فنزلت الآية . ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن القول بأن الآية التي معنا تنفي إكراه الناس على اعتقاد ما لا يريدون وآية : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين . . } ( التحريم 9 ) . جاءت لحض النبي صلى الله عليه وسلم وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا في طريق دعوته حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هي العليا .
و{[12389]}لما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد {[12390]}لا يحتاج فيه منصف{[12391]} لنفسه إلى إكراه فيه فقال : { لا إكراه في الدين } وقال الحرالي : لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر{[12392]} لأهل{[12393]} الملكوت والملك فيما{[12394]} هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس{[12395]} فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له ، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما{[12396]} هو علم عقابها وآية عذابها ، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها . فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات{[12397]} بما استشعرته{[12398]} قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد {[12399]}حلوه ومره{[12400]} بذلك التوحيد حلواً ، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى{[12401]} .
ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله : { قد تبين الرشد } قال الحرالي : وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم { من الغي } وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته{[12402]} - انتهى . أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله ، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه{[12403]} لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره{[12404]} ، لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية { فمن } أي فكان ذلك سبباً لأنه من { يكفر بالطاغوت{[12405]} } وهو نفسه وما دعت إليه ومالت{[12406]} بطبعها الرديء إليه . وقال الحرالي : وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف{[12407]} عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء{[12408]} مما منه الطغيان - انتهى . { ويؤمن بالله } {[12409]}أي الملك الأعلى{[12410]} ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن { فقد استمسك } على بصيرة منه { بالعروة الوثقى } أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه
( ومن يسلم وجهه إلى الله }[ الحج : 31 ] الآية{[12411]} ، والعروة ما تشد{[12412]} به العياب ونحوها بتداخلها{[12413]} بعضِها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضُه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه ، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة{[12414]} ما شأنه أن يخاف وهنه ، ثم بين وثاقتها بقوله : { لا انفصام{[12415]} لها } أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب . قال ابن القطاع : فصمت الشيء صدعته ، والعقدة حللتها ، والشيء عنه ذهب . وقال الحرالي : من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض ، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلاً ، وهو تمثيل للمعلوم{[12416]} بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه{[12417]} فيحكم اعتقاده فيه ويجل{[12418]} اغتباطه به ، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر ، فمن سبقت له السعادة قيض{[12419]} الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور ، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات{[12420]} الكفر والحيرة{[12421]} .
ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولاً وفعلاً واعتقاداً قال مرغباً فيهما ومرهباً من تركهما : { والله }{[12422]} الذي له صفات الكمال { سميع } أي لما يقال مما يدل على الإيمان { عليم * } أي{[12423]} بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه ، ولعل في الآية التفاتاً إلى ما ذكر أول السورة {[12424]}في الكفار{[12425]} من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين ،