وبعد ان أمر الله المؤمنين بالإنفاق في وجوه الخير وذكرهم بأهوال يوم القيامة أتبع ذلك بآية كريمة اشتملت على تمجيده سبحانه وتعالى فبينت كمال سلطانه وشمول علمه وسابغ نعمه على خلقه استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لك الخالق عز وجل بأكمل الصفات وأعظمها فيقول :
{ الله لا إله إلا الله هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظها وهو العلي العظيم }
قال بعضهم هذه آية الكرسي أفضل آية ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتاها أكثر منه على غيرها من الآيات هذا هو التحقيق في فضل بعض الآيات القرآنية على بعض وإنما كانت أفضل أنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى ، جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة القرآن -أي أفضله- وهي آية الكرسي " ( 12 ) .
و قد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله الجليلة أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل في قوله تعالى :
255- الله لا إله إلا هو الحي القيوم .
و لفظ الجلالة الله يقول العلماء إن أصله إله دخلت عليه أداة التعريف " أل " وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله .
قال القرطبي : قوله تعالى هذا الاسم أكبر أسمائه تعالى وأجمعها حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثن ولم يجمع فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو- سبحانه- ( 13 ) .
و لفظ إِلَه قالوا إنه من أله نفسه يأله أي عبد فالإله على هذا المعنى هو المعبود وقيل هو من أله أي تحير . . وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته سبحانه تحير فيها ولذا قيل : تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ( 14 ) .
و الحي أي الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء لها لم تحدث له الحياة بعد موت ولا يعتريه الموت بعد الحياة وسائر الأحياء سواء يعتريهم الموت والفناء .
و القيوم أي الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم والمعطي لهم ما به قوامهم وهو مبالغة في القيام " وأصله قيوم بوزن فيعول من قام بالأمر إذا حفظه ودبره " .
و المعنى : الله عز وجل هو الإله الحق المنفرد بالألوهية الذي لا يشاركه فيها سواه وهو المعبود بحق وكل معبود سواه باطل وهو ذو الحياة الكاملة وهو الدائم القيام بتدبير شؤون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم .
و الجملة الثالثة قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } وهي جملة سلبية مؤكدة للوصف الإيجابي السابق فإن قيامه على كل نفس بما كسبت وعلى تدبير شؤون خلقه يقضي ألا تتعرض له غفلة ولأن السنة والنوم من صفات الحوادث وهو سبحانه مخالف لها .
و السنة : الفتور الذي يكون في أول النوم مع بقاء الشعور والإدراك ويقال له غفوة يقال وسن الرجل يوسن وسنا وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس والمراد أنه سبحانه لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبدا ولا يحجب عمله شيء حجبا قصيرا أو طويلا ولا يدركه ما يدر ك الأجسام من الفتور أو النعاس أو النوم .
و تقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث نفي السنة يدل على نفي النوم بالأولى فنفيه ثانيا صريحا يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام يفيد التوكيد أي لا تأخذه سنة فضلا عن ان يأخذه نوم .
و في قوله : { لا تأخذه } دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذا وتقهر الكثير من أجناس المخلوقات قهرا ولكنه سبحانه وهو القاهر فوق عباده منزه عن ذلك ومبرأ من ان يعتريه ما يعتري الحوادث .
و قوله سبحانه في الجملة الرابعة : { له ما في السموات وما في الأرض } تقرير لانفراده بالالوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته وتعليل لاتصافه بالقيومية لأن من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قائما بتدبير أمرها .
والمراد بها فيهما ما هو اعم من جزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فالجملة الكريمة تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما في الوجود من شمس وقمر وحيوان وجماد وغير ذلك من المخلوقات وصدرت الجملة بالجار والمجرور " له " لإفادة القصر أي ملك السموات والأرض له وحده وليس لأحد سواه شيء معه .
و الاستفهام في قوله في الجملة الخامسة : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } للنفي والإنكار أي لا أحد يستطيع أن يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه ورضاه قال تعالى : { و كم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } ( النجم 26 ) .
و المقصود من هذه الجملة كما يقول الألوسي - بيان كبرياء شأنه- تعالى - وانه لا احد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة وفي ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله " ( 15 ) .
و قوله سبحانه في الجملة السادسة { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } تأكيد لكمال سلطانه في هذا الوجود وبيان لشمول عمله على كل شيء .
و الضمير في أيديهم ، خلفهم يعود إلى ما في قوله قبل ذلك : { له ما في السموات وما في الأرض } وعبر بضمير الذكور العقلاء تغليبا جانبهم على جانب غير العقلاء .
والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وما يعرفونه من شؤونهم الدنيوية وما لا يعرفونه .
و قوله تعالى في الجملة السابعة : { و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } معطوف على قوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } لأنه مكمل لمعناه ، والمراد بالعلم المعلوم والإحاطة بالشيء معناها العلم الكامل به .
أي : لا يعلمون شيئا من معلوماته سبحانه إلا بالقدر الذي أراد أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله فهو كقوله تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . . } ( الجن 26-27 ) .
فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله تعالى ولنقصان علم سواه إذ إن البشر لم يعطوا من العلم إلا القليل وهذا القليل ناقص لأنه ليس على إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشيء ووجوده وجنسه وكيفيته وغرضه المقصود به وبإيجاده ، إذ العلم الكامل بالشيء لا يكون إلا لله رب العالمين .
ثم قال تعالى في الجملة الثامنة : { وسع كرسيه السموات والأرض } .
قال الراغب : الكرسي في تعارف العامة اسم للشيء الذي يقعد عليه وهو في الأصل منسوب إلى الكرس أي الشيء المجتمع ومنه الكراسة لأنها تجمع العلم . . وكل مجتمع من الشيء كرس . . " ( 16 ) .
و للعلماء اتجاهان مشهوران في تفسير معنى الكرسي في الجملة الكريمة .
فالسلف يقولون : إن الله تعالى كرسيا ، علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف حقيقته لأن ذلك ليس في مقدور البشر .
و الخلف يقولون الكرسي في الآية كناية عن عظم السلطان ونفوذ القدرة وسعة العلم وكمال الإحاطة .
ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء في ذلك فقد قال رحمه الله وفي قوله : { وسع كرسيه } أربعة أوجه : أحدهما ان كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد . . .
و الثاني وسع علمه وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم .
و الثالث : وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك .
و الرابع : ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السماوات والأرض وهو إلى العرش كأصغر شيء وعن الحسن الكرسي هو العرش ( 17 ) .
هذا وقد ورى المفسرون عن ابن عباس أنه قال " كرسيه علمه " ( 18 ) ولعل تفسير الكرسي بالعلم كما قال حبر الامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة .
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال تعالى : { و لا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } يئوده معناه يثقله ويشق عليه يقال أدنى الأمر بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة .
العلي : هو المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد وعن إمارات النقص ودلالات الحدوث . وقيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة وعلو الشأن . . .
و المعنى ولا يثقله ولا يتبعه حفظ السموات والأرض ورعايتها وهو المتعالي عن الأشباه والنظائر المسيطر على خلقه العظيم في ذاته وصفاته ففي هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته وعظيم رعايته لخلقه وتنزيهه سبحانه عن مشابه الحوادث .
و بعد فهذه آية الكرسي التي اشتملت على عشر جمل كل جملة منها تشتمل على وصف أو أثر من صفات الله الجليلة ونعوته المجيدة وألوهيته الحقة وقدرته النافذة وعمله المحيط بكل شيء قد أقامت الأدلة الساطعة على وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة .
و قد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها وبلاغة تركيبها ووجوه فضلها ومن ذلك قول صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم فضلت هذه الآية على غيرها حتى ورد في فضلها ما ورد ؟ قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالهما على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العالمين فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار " .
و من الأحاديث التي ساقها الإمام ابن كثير في فضلها ما جاء عن أبي بن كعب ان النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي أية في كتاب الله أعظم ؟ قال الله ورسوله أعلم فرددها مرارا ثم قال آية الكرسي فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم – " ليهنك العلم أبا المنذر " ( 19 ) .
و أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي " ( 20 ) .
و روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ذات يوم على الناس فقال أيكم يخبرني بأعظم آية ؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : " أعظم آية في القرآن : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . . الآية " ( 21 ) .
ولما ابتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات ، ثم{[12270]} تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات ، ثم رقى الخطاب إلى التعريف بالصفات ، ثم أعلاه رجوعاً إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب ، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها . فلما لم يبق{[12271]} لبس{[12272]} أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللاً{[12273]} ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس{[12274]} وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم ، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء ، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام{[12275]} مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره{[12276]} ضعضع أمره وفتّ{[12277]} في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم ، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه{[12278]} الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره ، ولأجل هذه{[12279]} الأغراض{[12280]} ساق الكلام مساق جواب السؤال{[12281]} فكأنه قيل : هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم ؟ فذكر آية الكرسي سيدة{[12282]} آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحاً لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم {[12283]}يتسم به{[12284]} غيره ، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى {[12285]}أوج المراقبة{[12286]} وحضرة المشاهدة فقال {[12287]}عائداً إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته : { الله{[12288]} } أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال منزهاً عن شوائب النقص مفتتحاً لها بالتفرد فقال{[12289]} : { لا إله إلا هو } مقرراً لكمال التوحيد ، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له{[12290]} من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه ، فخلل سبحانه وتعالى أي التوحيد بالأحكام والقصص ، والأحكام{[12291]} تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون{[12292]} القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى{[12293]} فيها حقائق التوحيد ، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد ، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم .
وقال الحرالي : لما أتى بالخطاب{[12294]} على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته{[12295]} معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان {[12296]}أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان{[12297]} كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح{[12298]} هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور{[12299]} الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة ، فكانت نسبة هذه الآية{[12300]} من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى{ وإلهكم إله واحد }[ البقرة : 163 ] {[12301]}وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض{[12302]} نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم{[12303]} يقع فيه شرك{[12304]} بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله{[12305]} الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين{[12306]} استقر لهم إيمان الاعتبار بآية{ وإلهكم إله واحد }[ البقرة : 163 ] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين{[12307]} العيان باسمه { الله } وما يلتئم{[12308]} بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى .
ولما وحّد{[12309]} سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف{[12310]} القيومية{[12311]} فقال : { الحي } أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر{[12312]} { القيوم{[12313]} } أي القائم بنفسه المقيم{[12314]} لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة{[12315]} . قال الحرالي : فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء {[12316]}الوالجين{[12317]} في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى .
ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله : { لا تأخذه سنة } قال الحرالي{[12318]} : هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق{[12319]} الحواس ويخامر القلب { ولا نوم } {[12320]}وهو ما وصل{[12321]} من النعاس{[12322]} إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى ، ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم{[12323]} السنة ، كما لو قيل : فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان ، ثم بين هذه الجملة بقوله : { له } أي بيده وفي تصرفه واختصاصه { ما في السماوات } الذي من جملته الأرض { وما في الأرض } أي من السنة والنوم وغيرهما{[12324]} إبداعاً ودواماً وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه . قال الحرالي : وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره ، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته{[12325]} وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته ، فكان هذا الخطاب بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته سلباً لقيام ما سواه - انتهى .
ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكراً على من ربما توهم أن شيئاً يخرج عن أمره فلا يكون مختصاً به { من ذا الذي يشفع } أي مما ادعى الكفار{[12326]} شفاعته وغيره { عنده إلا بإذنه } أي بتمكينه لأن من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن{[12327]} أن كل شيء في قبضته ، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية . قال الحرالي : وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده ، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظاً من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى ، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه ، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه{[12328]} كله في حجاب وإعادته من غير حجاب ، فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر " شفع الأنبياء والمرسلون{[12329]} ولم يبق إلى الحي القيوم " انتهى . ثم بين جميع ما مضى بقوله : { يعلم ما بين أيديهم } أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم . قال الحرالي : أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم ، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه ، وما علمه أيضاً فكأنه{[12330]} بين يدي قلبه يحيط{[12331]} به علمه { وما خلفهم } وهو ما لم ينله علمهم ، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس ، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى{[12332]} .
ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال : { ولا يحيطون{[12333]} بشيء } أي قليل ولا كثير { من علمه إلا بما شاء } فبان بذلك ما سبقه ، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة ، فكان كل شيء في قبضته ، فكان منزهاً عن الكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل ، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب{[12334]} له ما يمنعه مما لا يريده .
ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم : { وسع كرسيه{[12335]} } ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة والكرس{[12336]} الذي هو البول والبعر الملبد{[12337]} مأخوذ من ذلك . وقال الأصفهاني : الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد{[12338]} . وقال الحرالي : معنى الكرس هو الجمع ، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه ، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء : كرسي ، ثم قال : والكرسي فيه صور{[12339]} الأشياء كلها كما بدت{[12340]} آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها ، فما في الأرض صورة إلاّ ولها في الكرسي مثل ، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته ، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته ، فكان الوجود مثنياً كما كان{[12341]} القرآن مثاني إجمالاً وتفصيلاً{[12342]} في القرآن ومداداً وصوراً في الكون ، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء{[12343]} وما منه ، وجعل وسع الكرسي وسعاً واحداً حيث قال : { السماوات والأرض } ولم يكن وسعان لأن {[12344]}الأرض في السماوات{[12345]} والسماوات في الكرسي والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى{[12346]} .
فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا{[12347]} قال : { ولا يؤوده{[12348]} } أي يثقله . قال الحرالي : من الأود أي بلوغ المجهود ذوداً ، ويقابله ياء من لفظ الأيد أي وهو القوة ، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله { حفظهما }{[12349]} في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيراً ولقدر{[12350]} غيره ولو يوماً ما على غير ما يريده{[12351]} . والحفظ قال الحرالي : الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى . {[12352]}ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصراً فيما تقدم عطف عليه قوله{[12353]} : { وهو } أي مع ذلك كله المتفرد بأنه { العلي } أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته { العظيم * } كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم{[12354]} الأعظم الجامع لجميع معاني{[12355]} الأسماء الحسنى علواً وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها{[12356]} من الأوهام ، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول ، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان{[12357]} باسم{[12358]} { الله } إلاحة{[12359]} وختمها كان بذلك إفصاحاً لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب ، كذلك تنزل القرآن ، مبدأ الخطاب إلاحة{[12360]} وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام{ ألا له الخلق والأمر }[ الأعراف : 54 ] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار{ وله المثل الأعلى }[ الروم : 27 ] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه ، قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صلى الله عليه وسلم
" الكبرياء ردائي " لأن الرداء هو ما على الظاهر " والعظمة إزاري " والإزار ما ستر الباطن والأسفل ، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته ، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته ، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل ، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام ، فتبين بهذا المعنى علو رتبة{[12361]} هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران ، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما سواه في أن ينسب إليهم شيء لأنه سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه الآية العلية{[12362]} العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين{[12363]} الإلقاء{[12364]} كما كان فيما تقدم من إيراد السورة تقرير{[12365]} دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ولذلك{[12366]} كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قول
{ شهد الله أنه لا إله إلا هو }[ آل عمران : 18 ] - انتهى . وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة{[12367]} استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة{[12368]} للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه ، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله : وأنى له ذلك وأنى ! واتضح بما تقرر{[12369]} له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم ، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون{[12370]} فيه شفاعة ولا خلة ، وأما البيع فهم عنه في أشغل{[12371]} الشغل ، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه ، وبهذه{[12372]} الأسرار اتضح{[12373]} قول السيد المختار صلى الله عليه وسلم : " إن هذه الآية سيدة آي القرآن " وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال ، ونفي{[12374]} النقص وإثبات الكمال ، ووفت{[12375]} به{[12376]} من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة{[12377]} لذلك ، فإن{[12378]} فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم ، وقد احتوت على الصفات السبع : الحياة والعلم والقدرة والإرادة{[12379]} والكلام صريحاً ، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة ، وعلى السمع والبصر من لازم { له ما في السماوات وما في الأرض } ومن لازم { الحي } لأن المراد الحياة الكاملة ؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة {[12380]}سبع عشرة{[12381]} مرة بل إحدى وعشرين ، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله ، وهي خمسون كلمة على عدد{[12382]} الصلوات المأمور بها أولاً في تلك الحضرة السماء{[12383]} حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى ، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخراً ، فكأنها مراقي لروح قارئها{[12384]} إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو{[12385]} آتيه{[12386]} الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان ، لأن من كان في حضرة{[12387]} الرحمن عال عن وساوس{[12388]} الشيطان - والله سبحانه وتعالى الموفق .