40 - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ . . .
لجى : أي : ذي لج ( بالضم ) ، واللج معظم الماء ، والمراد : بحر عميق الماء كثيره .
لم يكد يراها : لم يقرب أن يراها ، فضلا عن أن يراها .
أي : مثل أعمالهم التي عملت على غير هدى ، مثل ظلمات مترادفة في بحر عميق ماؤه ، بعيد غوره ، يغطيه موج من فوقه موج من فوقه سحاب .
فالظلمات هي أعمال الكافرين ، والبحر اللجي قلوبهم التي غمرتها الحيرة والضلالة ، فلا تعقل ما في الكون من آيات ، ولا تسمع عظة الناصحين ، ولا تبصر حجج الله ، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض .
قال الحسن : الكافر له ظلمات ثلاث : ظلمة الاعتقاد ، وظلمة القول ، وظلمة العمل .
وقال ابن عباس : هي ظلمة قلبه وبصره وسمعه .
والخلاصة : أن الكافر لشدة إصراره على كفره ، تراكمت عليه الضلالات ، حتى إن أظهر الدلالات إذا ذكرت عنده لا يفهمها ، فقلبه مظلم ، في صدر مظلم ، في جسد مظلم .
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ . . .
ظلمة البحر اللجي ، وظلمة الذي فوقه ، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله .
إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا . . .
أي : إذا أخرج يده – وهي أقرب ما يرى إليه – لم يقرب أن يراها ، فضلا عن أن يراها .
وقالت طائفة من النحاة : بل هذا دال على أنه إنما يراها بعد جهد شديد ، وفي ذلك إثبات رؤيتها ، بعد أعظم العسر لأجل تلك الظلمات223 .
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ .
أي : ومن لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ، فما له هداية من أحد .
والتعبير في الآيتين يرسم لحال الكافرين مشهدين عجيبين حافلين بالحركة والحياة :
في المشهد الأول : يرسم أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة ، يلتمع التماعا كاذبا فيتبعه صاحبه الظامئ ، وهو يتوقع الري غافلا عما ينتظره هناك . . . وفجأة يتحرك حركة عنيفة . . . فهذا السائر وراء السراب ، الظامئ الذي يتوقع الشراب ، الغافل عما ينتظره هناك . . . يصل فلا يجد ماء يرويه ، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال ، المرعبة التي تقطع الأوصال وتورث الخبال : ووجد الله عنده . الله الذي كفر به وجحده ، وخاصمه وعاداه ، وجده هنالك ينتظره ، ولو وجد في هذه المفاجأة خصما له من بني البشر لروعه ، وهو ذاهل غافل على غير استعداد ، فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار .
فوفاه حسابه . . . هكذا في سرعة عاجلة تتناسق مع البغتة والمفاجأة . والله سريع الحساب . تعقيب يتناسق مع المشهد الخاطف المرتاع .
وفي الشمهد الثاني : تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب ، ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجى ، موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض ، حتى لتخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام .
إنه الكفر ، ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون ، وضلال لا يرى فيه القلب أقرب علامات الهدى ، ومخافة لا أمن فيها ولا قرار .
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . ونور الله هدى في القلب ، وتفتح في البصيرة ، واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض ، والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض ، فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها ، وفي مخالفة لا أمن فيها ، وفي ضلال لا رجعة منه ، ونهاية العمل سراب ضائع ، يقود إلى الهلاك والعذاب ، لأنه لا عمل بغير عقيدة ، ولا صلاح بغير إيمان ، إن هدى الله هو الهدى ، وإن نور الله هو النور224 .
والله تعالى قد ضرب ههنا مثلين للكفار والمنافقين :
ففي المثل الأول : بين حال أولئك الذين قد يأتون بأعمال حسنة على كفرهم ونفاقهم ، ويقولون بالحياة الآخرة في جملة معتقداتهم ، ويظنون أن مجرد أعمالهم الظاهرة – مع كونهم لا يؤمنون بصدق قلوبهم ، ولا يتصفون بصفات أهل الإيمان ، ولا يتبعون الرسول في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه – سوف تنقذهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة . فالله تعالى بضربه هذا المثل يبين لهؤلاء أن هذه الأعمال الظاهرة التي يرجون عليها النفع في الآخرة ليست في حقيقتها إلا كسراب في الصحراء . فكما أن الظمآن يحسب السراب ماء في الصحراء ويقصده ليشرب منه ، كذلك إن هؤلاء الكفار والمنافقين يقطعون مسافة الحياة الدنيا لينتهوا إلى حياتهم الآخرة ، لا يعتمدون في ذلك إلا على أعمالهم الكاذبة ، ولكن كما أن الظمآن الذي يسرع إلى السراب في الصحراء ليشرب منه ولا يجده شيئا عندما ينتهي إليه ، كذلك فإن هؤلاء الكفار والمنافقين عندما يدخلون منزل الموت بعد حياتهم الدنيا ، لا يجدون فيه عملا من أعمالهم ينقذهم من بطش الله تعالى وعذابه ، بل سوف يجدون الله تعالى ليوفيهم حسابهم ، ويجازيهم على كفرهم ونفاقهم وسيئاتهم التي كانوا يعملونها في حياتهم الدنيا مختلطة ببعض الحسنات الظاهرة .
وفي المثال الثاني : وهو يبدأ من قوله : أو كظلمات . . . يبين الله تعالى حال جميع الكفار والمنافقين ، وفيهم من قد مر ذكرهم في المثال الأول . فالله تعالى يقول عن هؤلاء جميعا إنهم لا يقضون حياتهم من بدئها إلى آخرها إلا في حالة الجهل الكامل ، ولو كانوا حسب اعتبارات الدنيا كبار علمائها وأساتذتها الذين قد سبقوا سائر أهلها في الفنون والعلوم والاختراع . ولكن مثلهم – حسب بيان القرآن – كمثل رجل يعيش في مكان ليس فيه إلا الظلمة ، ولا ينفذ إليه من أي جوانبه شعاع واحد من النور . فيظن هؤلاء أن العلم إنما هو عبارة عن اختراع القنبلة الذرية أو قنبلة الهيدروجين أو الصاروخ الطائر إلى القمر ، وأن المهارة في الاقتصاديات والماليات والقانون والفلسفة هي العلم . . . ألا إن العلم الحقيقي هو شيء آخر ليسوا على أدنى إلمام بألفه وبائه ، فهم على الجهل المحض باعتبار هذا العلم ، حيث إن رجلا من البدو هو أعلم منهم إن كان سعيدا بمعرفة الحق .
وقوله تعالى : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . فيه يبين الله تعالى مقصوده الحقيقي الذي مهد له الكلام من قوله : الله نور السماوات والأرض . . . فلما لم يكن في الكون كله نور غير نور الله تعالى في حقيقة الواقع ، ولا تظهر فيه الحقائق إلا بنوره ، فهل يكون في غير الظلمة التامة من كان لم يجعل الله له نورا من عنده ؟ إن هدى الله هو الهدى ، وإن نور الله هو النور225 .
ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم لم يصلوا إلى شيء غير التعب ، المثمر للعطب ، وكان هذا لا يفعله بنفسه عاقل ، ضرب مثالاً آخر بين الحامل لهم على الوقوع في ممثول الأول ، وهو السير بغير دليل ، الموقع في خبط العشواء كالماشي في الظلام ، فقال عاطفاً على { كسراب } قوله : { أو } للتخيير ، أي أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب ، ولكونها خالية عن نور الحق { كظلمات } أو للتنويع ، فإنها إن كانت حسنة الظاهر فكالسراب ، أو قبيحة فكالظلمات ، أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة { في بحر } هو مثال قلب الكافر { لجي } أي ذي لج هو اللج ، إشارة إلى أنه عميق لا يدرك له قرار ، لأن اللج معظم الماء ، ويكون جمع لجة أيضاً ، والأوفق هنا أن يكون منسوباً إلى الجمع ، لأنه أهول ، والمقام للتهويل ، قال القزاز في ديوانه : ولجة البحر معروفة وهو المرضع الذي لا ترى منه أرضاً ولا جبلاً ، وبحر لجي : واسع اللجة ، وجمع اللجة لجج ولج . { يغشاه } أي يغطي هذا البحر ويعلوه ، أو يلحق الكائن فيه { موج } وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة ، كائن { من فوقه } أي هذا الموج { موج } آخر { من فوقه } أي هذا الموج الثاني المركوم على الأول { سحاب } قد غطى النجوم ، وهو مثال الرين والختم والطبع على القلب ، فلا سماء تبصر ولا أرض .
ولما كان هذا أمراً مهولاً ، أشار إلى هوله وتصويره بقوله : { ظلمات } أي من البحر والموجين والسحاب { بعضها } . ولما كان المراد استغراق الجهة ، لم يثبت الجار فقال : { فوق بعض } متراكمة ، فلذلك يبعد كل البعد أن ينفذ فيها بصر ، ولذلك قال : { إذا أخرج } أي الكائن في هذا البحر بدلالة المعنى وإن لم يجر له ذكر { يده } وهي أقرب شيء إليه { لم يكد } أي الكائن فيه { يراها } أي يقرب من ذلك فضلاً عن أن يكون ، لأن الله قد ستر عنه كل نور بهذه الظلمات المتكاثفة ، وهو مثال لعمله وأنه عدم لما تقدم من أن العدم كله ظلمة ، فلا عمل له يكون شيئاً ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه { ومن لم يجعل الله } أي الملك الأعظم { له نوراً } من الأنوار ، وهو قوة الإيجاد والإظهار { فما له من نور* } أصلاً ، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية ، لأنه قادر على ما يريد .