تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (129)

المفردات :

كالملعقة : المرأة المعلقة ؛ هي التي ليست مطلقة ولا صاحبة زوج ، كما قال ابن عباس رضي الله عنه . أو هي المسجونه . كما قال قتادة رضي الله عنه .

التفسير :

129- وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ .

العدل بين النساء مطلوب في الأمور المادية وهي النفقة والكسوة والمبيت وما يتصل بذلك من حقوق الزوجة ، أما العدل في الأمور القلبية من الحب وما يتصل به فغير مستطاع . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ويعدل ثم يقول " اللهم ، هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " يعني : القلب .

وهناك آيتان في سورة النساء تتحدثان عن هذا الموضوع : الآية الثالثة من سورة النساء حيث قال سبحانه :

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ .

والآية 129 من النساء- التي نتكلم عن تفسيرها- وهي :

وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا .

وقد فهم بعض الناس فهما خاطئا مؤداه : أن الاسلام نهى عن تعدد الزوجات ؛ لانه قال في الاية الثالثة من سورة النساء . فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً .

و قال في الاية129 من سورة النساء : وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ أي : ومادام العدل غير مستطاع ؛ فقد وجب الاقتصار على زوجة واحدة .

وهذا فهم خاطئ .

لأن قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً . يتكلم عن العدل المادي في المأكل والمسكن والمبيت .

وقوله سبحانه : وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ . يتكلم عن العدل في الحب وميل القلب فالله خالق الإنسان وهو أعلم به .

وإذا كان العدل في أمور الحب غير مستطاع . فإن على الإنسان ألا ينساق وراء الأسباب الداعية إلى الميل بقدر طاقته ويعفى عما خرج عن الطوق .

أي : إذا عجزتم عن تحقيق العدل في الحب وميل القلب ؛ فلا تميلوا إلى من تحبونها كل الميل

بحيت تتركون الضرة الأخرى أشبه بالمرأة المعلقة التي تركها زوجها فلا هي متزوجة تتمتع بحب الزوج ورعايته وعطفه ولا هي مطلقة تلتمس الأزواج ويتقدم لها الخطاب .

قال تعالى : فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ . . .

قال الطبري : وإنما أمر الله جل ثناؤه بقوله : فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ . الرجال بالعدل بين أزواجهن فيما استطاعوا فيه العدل بينهن ، من القسم بينهن ، والنفقة وترك الجور . . في ذلك بتفضيل إحداهن على الأخرى فيما فرض عليهم العدل بينهن فيه ، إذ كان قدح صفح لهم عما لا يطيقون العدل فيه بينهن مما في القلوب من المحبة والهوى{[128]}

وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا .

قال الطبري : و إن تصلحوا أعمالكم_ أيها الناس _ فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم ، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف .

واتقوا الله في الميل الزائد لإحداهن .

فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا . يغفر لكم ما سبق من التقصير في حق بعض الزوجات ويتوب عليكم من الميل إلى بعض الزوجات دون بعض .


[128]:تفسير الطبري 9/292
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (129)

ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الوقوف على الحق فضلاً عن الإحسان - وإن كانت المرأة واحدة - متعسر ، أتبعه{[22929]} أن{[22930]} ذلك عند{[22931]} الجمع أعسر ، فقال تعالى معبراً بأداة التأكيد : { ولن تستطيعوا } أي توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة { أن تعدلوا } أي من غير حيف أصلاً { بين النساء } في جميع ما يجب لكل واحدة منهن عليكم من الحقوق { ولو حرصتم } أي على فعل ذلك ، وهذا مع قوله تعالى :

{ فإن{[22932]} خفتم ألا تعدلوا فواحدة }[ النساء : 3 ] كالمختم للاختصار على واحدة .

ولما أخبر سبحانه وتعالى بأن لا يخلو نكاح العدد عن ميل ، سبب عنه قوله : { فلا{[22933]} } أي فإن كان لا بد لكم من العدد ، أو فإن وقع الميل والزوجة واحدة فلا { تميلوا } ولما كان مطلق الميل غير مقدور{[22934]} على تركه فلم يكلف به ، بين المراد بقوله : { كل الميل } ثم سبب عنه قوله{[22935]} : { فتذروها } أي المرأة { كالمعلقة } أي بين النكاح والعزوبة والزواج والانفراد .

ولما كان الميل الكثير مقدوراً على تركه ، فكان التقدير : فإن ملتم كل الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان منتقماً حسيباً ، عطف عليه قوله : { وإن تصلحوا وتتقوا } أي{[22936]} بأن توجدوا الإصلاح بالعدل في القسم{[22937]} والتقوى في ترك الجور على تجدد الأوقات { فإن الله } أي الذي له الكمال كله { كان غفوراً رحيماً * } أي{[22938]} محّاء للذنوب بليغ الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم مطلق الميل ، ويسبغ عليكم ملابس الإنعام .


[22929]:في ظ: تتبعه.
[22930]:من ظ ومد، وفي الأصل: عند ـ كذا.
[22931]:من ظ ومد، وفي الأصل: عنده.
[22932]:من ظ ومد والقرآن الكريم، وفي الأصل: وإن.
[22933]:سقط من ظ.
[22934]:في ظ: مقدر.
[22935]:من ظ ومد، وفي الأصل: بقوله.
[22936]:زيد من ظ.
[22937]:زيد من ظ: الأول.
[22938]:من مد، وفي الأصل وظ: قسمه.