{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } .
يقال : هذا قيم المرأة وقوامها ؛ إذا كان يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وما به الفضل قسمان :
فطري : وهو قوة مزاج الرجل وكماله في الخلقة ، ويتبع ذلك قوة العمل وصحة النظر في مبادئ الأمور وغاياتها ، وكسبي : وهو قدرته على الكسب والتصرف في الأمور ، ومن ثم كلف الرجال بالإنفاق على النساء والقيام برياسة المنزل .
القنوت : السكون و الطاعة لله و للأزواج .
الحافظات للغيب : أي اللاتى يحفظن ما يغيب عن الناس ، و لا يقال إلا في الخلوة بالمرأة .
نشزت الأرض : ارتفعت عما حواليها ، ويراد بها هنا : معصية الزوج و الترفع عليه .
34- الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . الرجال لهم حق الصيانة والرعاية للنساء ، والقيام بشئونهن ؛ بما أعطاهم الله من صفات تهيئهم للقيام بهذا الحق ، فقد خص الله الرجال بأمور منها :
الإمامة ، والولاية ، والميراث ، والشهادة ، والجهاد ، والجمعة ، والجماعات ، وولاية الزوج على زوجته ولاية رعاية ومودة ورحمة لا ولاية غلظة ورهبة ، كما أن ولاية الزوج على زوجته ، تهيئ للزوجة الاستقرار في البيت ورعاية شئون الأسرة .
والرجل أقدر- بطبيعته- على السعي والكدح في سبيل تحصيل رزقه ، ورزق أسرته ؛ ليهيئ لها حياة سعيدة هانئة .
قسم يفهم ويقدر قوامة الرجل على المرأة ، فيلتزم بما امر الله وهن الصالحات ، فالصالحات مطيعات لله ولأزواجهن ، حافظات لكل ما يغيب عن أزواجهن بسبب أمر الله بهذا الحفظ وتوفيقه لهم في القيام بواجبهن ، وهن يحفظن على الأزواج أموالهم وأعراضهم في جميع الحالات .
فهو قسم مكابر يرغب في التعالي والخروج عن طاعة الزوج وقد شرع الإسلام العلاج لهذا النوع من النساء على النحو الآتي :
1- الوعظ والإرشاد ، والتوجيه ، والتذكير بما أمر الله ورسوله من طاعة الزوج ، والتزام أمره ، والتحذير من شماتة الأعداء وتصدع شمل الأسرة .
2- الهجر والإعراض في المضجع ويتحقق ذلك بهجرها في الفراش مع الإعراض والصد .
3- الضرب اليسير غير المبرح وهو ما كان بنحو سواك أو عصا صغيرة . وهو أمر معنوي أكثر منه حسي وهو خاص ببعض النساء ومن لا تستقيم بالوعظ ولا بالهجر ، ويجب ألا يكون الضرب قاسيا ولا شديدا . وبعض الناس لا يتقبل عقوبة الضرب . ونحن نشاهد هذه العقوبة في الجيش وفي غيره ! وليست هذه العقوبة لجميع الناس ، بل لفئة جاحدة لا تريد أن تخضع لقانون الله ولا أن تلتزم بشئون الأسرة .
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا . أي : فإن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية ؛ فلا تبغوا ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيرها ، فابدءوا بما بدأ الله من الوعظ ، فإن لم يفد فبالهجر ، فإن لم يفد فبالضرب الخفيف غير مبرح ولا مهين ، عند التمرد ، فإذا لم يغن فليلجأ إلى التحكيم ، ومتى استقام لكم الظاهر فلا تبحثوا عن السرائر .
إن الله فوقكم وينتقم منكم إذا آذيتموهن أو بغيتم عليهن ونلمح أن في نهاية الآية تهديدا ووعيدا لكل من يتكبر على زوجته ، أو ينتهز الفرصة لإذلالها والعدوان عليها ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وإذا دفعتك قوتك إلى ظلم غيرك ؛ فتذكر قدرة الله عليك وفي الحديث القدسي : '' يا عبادي ؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ؛ فلا تظالموا'' .
ثم بين سبحانه وجه استحقاق بعض المفضلين ، فقال - جوباً لسؤال من كأنه قال : ما للرجال فضلوا ؟ - { الرجال قوامون } أي قيام الولاة { على النساء } في التأديب والتعليم وكل أمر ونهي ، وبين سببي ذلك بقوله : { بما فضل الله } أي الذي{[21343]} له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى ، هبة منه وفضلاً نم غير تكسب { بعضهم } وهم الرجال ، في العقل والقوة والشجاعة ، ولهذا كان فيهم الأنيباء والولاة والإمامة{[21344]} الكبرى والولاية في النكاح ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين { على بعض } يعني النساء ، فقال للرجال{ انفروا خفافاً وثقالاً{[21345]} }[ التوبة : 41 ] وقال للنساء :
{ و{[21346]}قرن في بيوتكن{[21347]} }[ الأحزاب : 33 ] .
ولما ذكر السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال : { وبما أنفقوا } أي من المهور والكسى{[21348]} وغيرها { من أموالهم } أي عليهن ، فصارت الزيادة في أحد{[21349]} الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر .
ولما بان بذلك{[21350]} فضلهم ، {[21351]}فأذعنت النفس{[21352]} لما فضلوا به في{[21353]} الإرث وغيره ، وكان قد تقدم ذكر نكاحهم للنساء والحث على العدل فيهن ؛ حسن بيان ما يلزم الزوجات من حقوقهم وتأديب من جحدت الحق ، فقال مسبباً لما يلزمهن من حقوقهم عما ذكر من فضلهم { فالصالحات قانتات } أي مخلصات في طاعة الأزواج ، ولذلك ترتب عليه { حافظات للغيب } أي لحقوق الأزواج من الأنفس والبيوت والأموال في غيبتهم عنهن { بما } أي بالأمر الذي { حفظ الله } أي المحيط علماً وقدرة به غيبتهم بفعله فيه فعل من يحفظ من الترغيب في طاعتهم فيما{[21354]} يرضي الله والترهيب{[21355]} من عصيانهم بما يسخطه ، ورعي الحدود التي أشار إليها سبحانه من البقرة ، وشرحتها سنة{[21356]} {[21357]}رسول الله{[21358]} صلى الله عليه وسلم .
ولما عرف{[21359]} بالصالحات لاستحقاق الإنفاق في اللوازم أتبعه حكم غيرهن فقال : { واللاّتي تخافون نشوزهن } أي ترفعهن{[21360]} عليكم عن الرتبة التي أقامهن الله بها ، وعصيانهن لكم فيما جعل الله لكم من الحق ، وأصل النشوز : الانزعاج في ارتفاع ، قال الشافعي : دلالات النشوز قد تكون قولاً ، وقد تكون{[21361]} فعلاً ، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها ، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ، ثم تغيرت ؛ والفعل مثل أن كانت تقوم له إذا دخل إليها ، أو كانت تسارع إلى أمره ، وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها{[21362]} ، ثم إذا{[21363]} تغيرت فحينئذ ظن نشوزها ؛ ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز { فعظوهن } أي ذكروهن من أمر الله بما يصدع قلوبهن و{[21364]}يرققها ويخيفهن من جلال الله .
ولما كان الوعظ موجباً لتحقق الطاعة أو المعصية قال : { واهجروهن } أي إن لم يرجعن بالوعظ { في المضاجع } أي التي كنتم تبيتون معهن فيها من البيت ، وفي ضمن الهجر امتناعه من كلامها ؛ قال الشافعي : ولا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث { واضربوهن } أي إن أصررن{[21365]} ضرب تأديب غير مبرح ، وهو ما لا يكسر عظماً ولا يشين عضواً ، ويكون مفرقاً على بدناه ولا يوالي به في موضع واحد ، ويتقي الوجه لأنه مجمع{[21366]} المحاسن ، ويكون دون الأربعين ؛ قال الشافعي : الضرب مباح وتركه أفضل { فإن أطعنكم } أي بشيء من الوعظ ، والهجر في موضع المبيت من البيت ، أو الضرب { فلا تبغوا } أي تطلبوا { عليهن سبيلاً } أي طريقاً إلى الأذى على ما سلف من العصيان من توبيخ على ما سلف نحوه ، بما لكم عليهن من العلو ، بل اغفروا{[21367]} لهن ما سلف ، ولا يحملنكم ما منحكم الله من العلو على المناقشة ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي وقد علمتم ما له من الكمال { كان } ولم يزل { علياً كبيراً * } أي له العلو والكبر على الاطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة ، فهو{[21368]} لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه ، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن ، وهو مع ذلك يعفو عمن{[21369]} عصاه وإن ملأ الأرض خطايا - إذا أطاعه ، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه ، بل يبدل سيئاته حسنات ، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم ؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا{[21370]} جليل هباته ، وخافوا سطواته ، واحذروا عقوبته ، بما له من العلو والكبر .