عبادة الله : الخضوع له ، والاستشعار بتعظيمه في السر والعلن بالقلب والجوارح ، والإخلاص له بالاعتراف بوحدانيته ؛ إذ لا يقبل عملا بدونها .
الإحسان إلى الوالدين : قصد البر بهما بالقيام بخدمتهما ، والسعي في تحصيل مطالبهما ، والإنفاق عليهما بقدر الاستطاعة ، وعدم الخشونة في الكلام معهما .
ذي القربى : صاحب القرابة من أخ ، وعم ، وخال ، وأولاد هؤلاء .
الجار ذي القربى : هو الجار القريب الجوار .
الجار الجنب : هو البعيد القرابة .
الصاحب الجنب : الرفيق في السفر ، أو المنقطع إليك ، الراجي نفعك ورفدك .
ابن السبيل : هو المسافر أو الضيف .
ما ملكت أيمانكم : عبيدكم وإماؤكم .
الفخور : الذي يعدد محاسنه ؛ تعاظما وتكبرا .
36- وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين . ِ هذه الآية تأمر بمكارم الأخلاق وهي سبيل من سبل التكافل والتراحم بين المسلمين .
وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا . أي : وحدوا الله وأخلصوا له العبادة ، ولا تشركوا به صنما أو غيره ؛ فهو سبحانه صاحب الفضل والنعمة ، وهو الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور . كما أمر الله سبحانه بالاحسان إلى الوالدين ورعايتهما خصوصا في مرحلة الكبر والشيخوخة .
كما أمر بصلة الرحم ، والإحسان إلى الأقارب ، والتجاوز عن هفواتهم ، كما أمر برعاية اليتيم والإحسان إليه ؛ لأنه فقد أباه فيجب أن يرعاه المجتمع ويحنو عليه ، وكما أمر برعاية المسكين المحتاج بأن نيسر له العمل والنصح ويشمل ذلك إنشاء الملاجئ ، والمستشفيات ، ودور الحضانة ، ودروس تقوية التلاميذ ، وإنشاء صندوق لرعاية المحتاجين . والجار ذي القربى والجار الجنب . أي : أحسنوا إلى الجار الذي قرب مكانا أو دينا أو نسبا ، وإلى الجار البعيد مكانا أو دينا أو نسبا .
قال ابن عباس : والجار ذي القربى . يعني : الذي بينك وبينه قرابة ، والجار الجنب . الذي ليس بينك وبينه قرابة .
وروى ابن جرير أن الجار ذي القربى . يعني : الجار المسلم ، الجار الجنب . يعني : اليهودي والنصراني ، وقال مجاهد : الجار الجنب . الرفيق في السفر .
وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار منها ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ''مازال جبريل يوصيني بالجار ؛ حتى ظننت أنه سيورثه'' {[7]} .
والصاحب بالجنب . عن على وابن مسعود قالا : هي المرأة ، وقال ابن عباس ومجاهد : هو الرفيق في السفر ، وقال الطبري والزمخشري : والصاحب بالجنب . '' هو الذي صحبك إما رفيقا في سفر ، أو جار ملاصقا ، أو شريكا في تعلم علم ، أو قاعدا إلى جنبك في مجلس أو غير ذلك ، ممن له أدنى صحبة التأمت بينك و بينه فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه'' . وابن السبيل . أي : المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله ، وما ملكت أيمانكم . أي : المماليك من العبيد والإماء ، إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا . أي : متكبرا في نفسه يأنف عن أقاربه وجيرانه فخورا على الناس يرى أنه خير منهم .
قال ابن جرير عن أبي رجاء الهروى : لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالا فخورا ، ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيا ثم تلا : وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا . ( مريم : 32 )
ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى : العدل والفضل{[21399]} ، والترغيب في نواله ، والترهيب من{[21400]} نكاله - إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى ، وختم{[21401]} الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخبر ، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب ، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها ، فكان التقدير حتماً : فاتقوه ؛ عطف عليه ، أو على نحو
{ وسئلوا الله من فضله }[ النساء : 32 ] أو{[21402]} على { اتقوا ربكم } الخُلق المقصود{[21403]} من الخلق المبثوثين على تلك الصفة ، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق ، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال : { واعبدوا الله } أي أطيعوا - الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء - طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل والانكسار ، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال{[21404]} الأوامر واجتناب الزواجر .
ولما كان سبحانه غنياً لم يقبل إلا الخالص ، فقال مؤكداً لما أفهمه ما قبله : { ولا تشركوا به شيئاً } .
ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له ، وكان لذلك درجتان : أولاهما{[21405]} الإيمان ، وأعلاهما الإحسان ، فصار المأمور بذلك مخلصاً في عبادته ؛ أمره بالإحسان في خلافته ، وبدأ بأولى الناس بذلك ، وهو من جعله سبباً لإيجاده فقال - مشيراً إلى أنه لا يرضى له من{[21406]} ذلك إلا درجة الإحسان ، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه ، فلا يزال منعماً على من عداه - : { وبالوالدين } أي وأحسنوا بهما { إحساناً } وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه .
ولما كان مبنى السورة على الصلة لاسيما{[21407]} الذي الرحم ، قال مفصلاً لما ذكر أول السورة تأكيداً له{[21408]} : { وبذي القربى } لتأكد حقهم بمزيد قربهم{[21409]} ، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار ، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله ، أو لمعنى تفسد{[21410]} بالإخلال به ذات البين ، وبدأ بما لله{[21411]} لأنه إذا صح تبعه غيره فقال : { واليتامى والمساكين } أي وإن لم تكن{[21412]} رحمهم معروفة ، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه{[21413]} أضعف ، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره { والجار ذي القربى } أي لأن له حقين{[21414]} { والجار الجنب } أي الذي لا قرابة له ، للبلوى بعشرته{[21415]} خوفاً من بالغ مضرته " اللهم ! إني أعوذ بك من جار{[21416]} السوء في دار المقامة ، فإن جار البادية يتحول " { والصاحب الجنب } أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة { وابن السبيل } أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته { وما ملكت أيمانكم } أي من العبيد والإماء كذلك ، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة " آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم " .
ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم ، ختم الآية ترغيباً فيه وتحذيراً من{[21417]} منعه معللاً للأمر به{[21418]} بقوله : { إن الله } أي بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى{[21419]} { لا يحب } أي لا يفعل فعل المحب مع{[21420]} { من كان مختالاً } أي متكبراً معجباً بنفسه متزيناً{[21421]} بحليته مرائياً بما آتاه الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير ، يأنف من أن ينسب إليه أقاربه الفقراء ، ويقذر{[21422]} جيرانه إذا كانوا ضعفاء ، فلا يحسن إليهم لئلا يلمّوا به فيعيَّر بهم .
ولما كان المختال ربما أحسن رياء ، قال معلماً أنه لا يقبل إلا الخالص : { فخوراً * } مبالغاً{[21423]} في التمدح بالخصال ، يأنف من عشرة الفقراء ، وفي ذلك أتم{[21424]} ترهيب من الخلق المانع من الإحسان ، وهو الاختيال على عباد الله والافتخار عليهم ازدراء بهم ، فإنه لا مقتضى لذلك{[21425]} لأن الكل من نفس واحدة ، والفضل نعمة منه سبحانه ، يجب شكرها بالتواضع لتدوم ، ويحذر{[21426]} كفرها بالفخار خوفاً من أن تزول .